يعرف الكاتب الفرنسي إميل زولا كروائي واسع النفس وكمراقب شديد الحساسية لما يحدث في الشارع والبيت والمصنع، غير أننا نلتقي في نصوصه القصيرة بكاتب يخفف من الأثاث الروائي مبقيا جوهر السرد، فيمسك بلحظة واحدة ليضغطها إلى أن تظهر ما تضمره الأيام الطويلة، فتبدو الحياة أقرب وأوضح ويغدو الحدث الصغير حاملا لوزن يكاد يضاهي وزنا تاريخيا. ثم يفتح السرد من هذا المشهد المحدود طريقا إلى أسئلة الإنسان اليومية عن الحب والذنب والخوف والنجاة، فنقرأ ظانين أن الحكاية تدور حول الآخرين قبل الاكتشاف أنها تمسنا نحن أيضا.
يعمل النص السردي القصير عند زولا بوصفه مساحة للتكثيف فيمنح العالم مقدارا يكفي لالتقاط حركة الحياة في أشد لحظاتها صفاء وكثافة ولابقاء العين يقظة على التفاصيل التي تمر سريعا في العادة، لأن هذا الشكل السردي يطلب من العالم لحظته الحاسمة ويراهن على حدة الالتقاط وحسن الترتيب، ويزداد أثره حين نتذكر أن زولا تعلم من الصحافة حس الإمساك باللحظة ومنحها معنى يتجاوز خبرها العابر، فتجيء قصصه أقرب إلى تقارير عن الحياة كتبت بلغة تعرف كيف تترك للعاطفة أن تعمل بهدوء.
يعود سر هذه الحيوية إلى أن زولا يكتب في السرد القصير بمنطقين متداخلين: يرفع الزمن إلى مرتبة البطل، ثم ندفع إلى قلب المشهد حتى نشعر أن القراءة مشاركة في الحكم والتعاطف معا، ومن هذا التوتر تتشكل لذة النص، إذ تضيق اللحظة وتتسع في آن واحد، ويتقدم القارئ خطوة ثم يرتد نصف خطوة وهو يراجع نفسه، فتقرأ هذه النصوص بسهولة ويظهر ثقلها على مهل لأن زولا يمنحنا متعة الحكاية ويضع بين أيدينا عبء النظر أيضا. هكذا يتبدل معنى كلمة "قصير" من وصف للحجم إلى وصف للقوة، ويغدو هذا الشكل السردي القصير عنده تمرينا على رؤية الوقت وهو يعمل في النفوس، وعلى مراقبة الطريقة التي يتشكل بها الحكم الإنساني داخل المشهد السردي نفسه.
الوقت شخصية رئيسة
يبرز زولا في نصوصه السردية القصيرة طاقة الزمن أكثر مما يبرز امتداد الحوادث، مما يجعل المدة المحدودة مادة صلبة تصاغ تحت ضغط السرد حتى تكشف لمعانها، وهذا ما يقترب من فكرة إدغار آلان بو عن "الأثر الواحد" في النص القصير، إذ رأى أن القصة المقروءة دفعة واحدة تمسك قارئها بأثر متماسك لا يتبدد، ويحسن زولا الإفادة من هذا المنطق حين يجعل الزمن نفسه مصدر هذا الأثر فيدفع المشاعر إلى أقصاها دون إفقاد السرد توازنه. يمضي القارئ في هذه القصص داخل زمن قصير، ثم لا يلبث أن يكتشف الضيق الزمني وهو يفتح أمامه مساحة واسعة من المعنى، فما تكشفه اللحظة المحدودة عند زولا عن الإنسان يجاوز حدودها بكثير ويمنحها وزنا لا تقاس به مدتها وحدها.







