لامين يامال و"يوروفيجن"... حين تنقلب الصورة على إسرائيل

هكذا طردتها غزة من منظومة القيم الأوروبية

 AP
AP
لامين يامال يرفع العلم الفلسطيني خلال احتفالات برشلونة بلقب الدوري الإسباني في برشلونة، 2026

لامين يامال و"يوروفيجن"... حين تنقلب الصورة على إسرائيل

خرجت صورة اللاعب الإسباني ذي الأصول المغربية يامين يامال، رافعا العلم الفلسطيني بعد فوز فريقه برشلونة ببطولة الدوري الإسباني، من قلب نظام صناعة الصور العالمي. بدت محتفظة بعناصر السيولة والإشهار ومنطق الترند، ولكنها في الآن نفسه، ظهرت كاحتجاج راديكالي ضده من داخله. النجم الشاب خرج على آلية صناعة الصورة، وعلى منظومات صناعة النجوم، ودخل في المخاطرة والتحدي. أربك مؤسسات الرعاية والإعلانات، وحول قضية مؤلمة إلى حدث يخترق عالم الترفيه والاستعراض، ويتحدث من خلاله وعبره، ويفرض نفسه على العالم بأدواته.

لقد أجبرت تلك الصورة العالم على إعادة تعريف المجال الرمزي، إذ إن الانفعال الحار المرتبط بكرة القدم صب في اتجاه أخلاقي متصل بالموضوع الذي لم يعد المجال الأوروبي قادرا على تجاهله أو تجاوزه، لأنه بات يضع قيمه كلها قيد الفحص والمساءلة.

أما الشعبية الهائلة التي قوبلت بها بادرة النجم الشاب أوروبيا، فتدل على تواطؤ مسبق بينه وبين الجماهير الأوروبية، مما لا يجعل المعركة بينه وبين الآلة الإعلامية والدعاية الإسرائيلية، بل بين أوروبا وقيمها من جهة، وإسرائيل وداعميها من جهة أخرى.

بدأت تلك المعركة تتخذ أشكالا حادة مع المشاكل والاعتراضات التي أثارتها مشاركة إسرائيل في مسابقة "يوروفيجن"، التي تعد أكثر المهرجانات الأوروبية عراقة وأصالة، والتي أنشئت أساسا كمحاولة لتكريس خطاب يعزز القيم الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية.

وكانت مشاركة إسرائيل فيها تؤمن لها شرعنة واسعة تصلها بالغرب والحداثة، لكن مأزق غزة، وبعده لبنان، انفجر في وجهها تماما، خصوصا مع مواقف أوروبية عريضة تدينها وتتهمها بارتكاب الإبادة الجماعية. فبينما وجدت أوروبا نفسها تخوض معركة الدفاع عن قيمها، وجدت إسرائيل نفسها تخوض معركة الاحتماء بمظلة القيم الأوروبية التي باتت طاردة لها ورافضة مشاركتها في مسابقة لا تتعلق بالتنافس الغنائي بقدر ما تتعلق بقيم بات العالم كله يصم إسرائيل بمعاداتها.

كسر نهاية الشجاعة

صنع لامين يامال، اللاعب النجم المنتمي إلى الجيل زد، الجيل المولود في قلب البث الرقمي والتطور التقني، والمنخرط عبرهما بعمق في الشأن العام، مشهدا حديثا تكمن أهميته في العودة إلى الشجاعة، وبث الحرارة والانفعال في قلب عالم يمجد البرودة والانصياع والجبن.

ذلك أن رفع العلم الفلسطيني ليس فعلا مريحا ومحسوبا وبلا تكلفة، بل ينطوي على قدر كبير من المخاطرة، لأنه، إذا كان مقبولا جماهيريا وشعبيا، فإنه مرفوض تماما في وسط المستثمرين والجهات الراعية وصناع الإعلانات. النجم الشاب لا يخاطر بمجرد احتمال سحب رعاية أو خسارة حملة إعلانية وما إلى ذلك، ولكنه يضع مستقبله كله في دائرة الخطر.

صنع يامال مشهدا حديثا تكمن أهميته في العودة إلى الشجاعة، وبث الحرارة والانفعال في قلب عالم يمجد البرودة

 فصناعة النجوم المعاصرة تضع الامتثال شرطا مسبقا لأي مسيرة نجومية ناجحة، لذا ارتبط النجوم بالصمت والمواقف الملتبسة والحيادية، باستثناء أصوات قررت الانقلاب على هذا النظام، وقد دفع أصحابها، على الرغم من نجوميتهم الكبيرة، أثمانا كبرى نتيجة مواقفهم.

الفرق بينهم وبين موقف يامال، أن  معظمهم، أو جزءا كبيرا منهم، كانوا قطعوا شوطا كبيرا في مسارهم المهني والشخصي، وصار عندهم رصيد يمكنهم الاحتماء به والعودة إليه.

أما يامال فيتجاوز بموقفه ذلك كله، إذ إنه يقامر بإمكان أن يسمح له بتكوين مسار مهني أساسا، وفي ذلك الخروج النافر على الحساب تكمن خصوصية الجيل زد، الذي، وإن كانت تنطوي عليه كثير من الأوصاف والمساوئ، فإنه، من ناحية أخرى، يعيد إلى العالم ما كان قد افتقده، أي الشجاعة كموقف ضروري لا بد منه.

تتحدث الفيلسوفة الفرنسية سينتيا فلوري في كتابها "نهاية الشجاعة" عن المجتمعات التي فقدت قدرتها على ممارسة الشجاعة عبر تراكم الامتثال والخوف. لا تنظر فلوري إلى الشجاعة كبطولة ذات طابع رومانسي، بل تصفها بأنها قدرة الإنسان على قبول تحمل التكلفة الأخلاقية لمواقفه في قلب المجال العام. ينسحب هذا التوصيف على مشهد يامال، فالفعل لا يتوسل بالبطولة ولا يستدعيها، بل ينتجها كبعد رمزي ومعنى ناشئ من كسر دائرة الرعب التي تحكم المجال الرياضي والإعلام الغربي، وتفرض تجاهلا إلزاميا لما يحدث في غزة وفي لبنان، وإشاحة النظر عن كل الممارسات الإسرائيلية المعادية للإنسانية.

لقد أطيحت الحيادية الباردة انطلاقا من منطق السرعة نفسه، ولم تعد العودة إلى الوراء ممكنة. إذ أقامت الصورة حدا تاريخيا ورمزيا يفصل بين ما قبلها وما بعدها. لقد حلت في المرئي وأقامت فيه، ونجحت في تجاوز اختبار اللحظوية الذي يطبع استقبال الصور والأحداث، وتحولت إلى فعل غامر متوسع، وخلقت أزمة في الخوارزميات التي صممت أساسا لصناعة هذا النوع من التفاعلات، وكانت تعتقد أنها قادرة على التحكم بمعناها ودلالاتها. جاءت هذه الصورة المنسجمة مع آليات عملها لتضعها أمام مأزقين: الأول تقني، كيف سيتم لجم ظاهرة متفاعلة وتنتج الأرباح وتنسجم بامتياز مع اقتصاد الصورة، والثاني كيف يمكن ضبط المجال الذي تتحرك فيه، والذي يشكل إحراجا كبيرا لعالم الغرب، إذ يضعه في مواجهة أخلاقية مع ضرورة إدانة مجزرة حية وجارية.

Omar AL-QATTAA / AFP
فنانون فلسطينيون يرسمون جدارية للامين يامال وهو يرفع العلم الفلسطيني على أنقاض مبان مدمرة في مخيم الشاطئ في غزة، 2026

النجم الأخلاقي

استقلت النجومية الحديثة عن الأخلاق بشكل شبه كلي، ولم تعد تلك المفردة آيلة للدخول في أي تعريف ممكن للنجومية. استبدلت بمعايير أخرى متحايلة وزئبقية وغير قابلة للتحديد الدقيق ، ولكنها تلتقي في عناوين عريضة، أهمها أن يكون النجم انعكاسا للصورة الشائعة للمؤسسات المالية والتجارية الكبرى، وأن يتصرف دائما كـ"براند" لامع وجديد وجاهز دائما للاستهلاك. وبذلك لا يستقيل النجم عن أي عنوان يقع خارج هذه التركيبة المحكمة وحسب، إنما يصبح مستقلا عن شخصيته وهويته ومواقفه. والمسألة في هذا المقام تتجاوز الحياد لتتحول إلى الانخراط الكامل. النجوم المعاصرون أشبه بالجنود فعلا، ويخوضون المعارك في وحول الميديا وغابات الترفيه والإعلانات ومتطلباتها القاسية.

من هنا يكتسب موقف يامال فرادته وخصوصيته، إذ أنه أعاد الأخلاق إلى مجال النجومية كفعل مؤسس، وليس كعارض وترند فقط. أعاد وضعها داخل تعريف النجم، ومنح بذلك طاقة تحرر لنفسه ولأمثاله من النجوم. فحين أثبت أن الجسارة الأخلاقية، حتى لو كانت مكلفة، تمنح من يتبناها القدرة على استعادة ذاته وشخصيته وموقفه، والاعتراض الفاعل على الابتزاز ذي الطابع العبودي الذي تتعامل به معهم المؤسسات، وإثبات فكرة أنهم يمتلكون القدرة، وأن الجبن قد يحقق أرباحا مرحلية، ولكنه يقتل في النهاية.

خسرت إسرائيل المعركة الرمزية التي اعتادت السيطرة عليها وربحها تلقائيا ومباشرة، وباتت مضطرة إلى مواجهة ارتكاباتها في غزة ولبنان

تشي ردود الفعل الإسرائيلية بالعجز عن احتواء الموجة التفاعلية العارمة والمتنامية التي أثارها يامال. فالدولة التي اعتادت التحكم بمزاج العالم وصورته، وجدت نفسها أمام اجتياح بصري ورمزي غير مسبوق، ولا تنفع أدواتها المعتادة في مواجهته، لأنه يخترقها من داخلها. عادت إسرائيل الحديثة إلى موقع البدائي والسحري والرغبوي، فنجد على صفحات التواصل وغيرها تصريحات تتمنى موته وترجو له الشر، وتطلق دعوات تتمنى انتهاء مسيرته.

REUTERS
أحد الحضور يرفع العلم الفلسطيني خلال نصف نهائي "يوروفيجن" 2026 في فيينا

تناقض كل شبكة ردود الأفعال الإسرائيلية الرسمية التي صدرت عن مسؤولين حكوميين، وتلك الشعبية، مسار تثبيت صورة الدولة التي تتبنى قيم العلم والتحديث، إذ ترتد إلى أصل بدائي تستحضر فيه حكايات توراتية ونبوءات وخرافات. خسرت إسرائيل المعركة الرمزية التي اعتادت السيطرة عليها وربحها تلقائيا ومباشرة، وباتت مضطرة إلى مواجهة ارتكاباتها في غزة ولبنان، ومحاولة تغطية هذا المد الكبير من الجرائم بحكايات لم يعد أحد راغبا بسماعها، فكيف بتصديقها وترجمتها إلى مواقف.

صراع القيم الأوروبية مع الإبادة

الأصل الذي انبثقت منه مسابقة "يوروفيجن" الأوروبية في مدينة لوغانو السويسرية عام 1956 يعود إلى الحاجة لتصميم صورة حيوية للقارة التي تنفض عنها أهوال الحرب العالمية الثانية والصراعات وثقل الخصوصيات والقومية. فكرة المسابقة الغنائية، التي تركز على قيم أوروبية عامة مثل الرحابة والحداثة والاندماج القومي والعرقي والسلام والعدالة وحقوق الإنسان، انطلقت في إطار هندسة سياقات رمزية أوروبية تخاطب من خلالها أوروبا شعوبها، وتخاطب العالم كذلك انطلاقا من عالمية تلك القيم وإنسانيتها

 Joe Klamar / AFP
متظاهرون يرفعون الأعلام الفلسطينية خلال احتجاج ضد مشاركة إسرائيل في "يوروفيجن" في فيينا، 2026

منذ تلك اللحظة صار ما تطلق عليه المسابقة "تقليدا أوروبيا محبوبا"، ساحة لاستعراض القيم الأوروبية والدفاع عنها ونشرها عبر المدخل المؤثر للغناء والموسيقى والشعر. شاركت فرق كبرى في المسابقة، التي شهدت في العام 1974 فوز فرقة ABBA بأغنية  Waterloo حيث كسرت الأغنية الإرث الثقيل لتلك المعركة ودمويتها وصبته في قالب مغاير يحتفي بالسلام والحياة والحب. وفي عام 1982 فازت أغنية  Ein bißchen Frieden التي قدمتها نيكول وكانت تطالب، في ذروة الخوف من اندلاع حرب نووية في عز الحرب الباردة، بقليل من السلام.

كانت أولى المشاركات الإسرائيلية في العام 1973، وكان دخولها مبررا تحت عنوان اشتراك هيئة البث الإسرائيلية في اتحاد البث الأوروبي، ولكن المشاركة الإسرائيلية تجاوزت الطابع التقني لتضع سؤال الانتماء غير الجغرافي لأوروبا قيد المساءلة، لتبرز بعد ذلك تغطية ذلك المأزق بعنوان الانتماء الحضاري إلى الثقافة الغربية، وهو اعتراف منح إسرائيل شرعية أخلاقية وثقافية واسعة.

منحتها المشاركة في المسابقة الأوروبية الأعرق والأكثر شعبية والتصاقا بالقيم الأوروبية، قصة متماسكة حول وجودها ككل، من ناحية، وحول خصوصية حضورها في منطقة الشرق الأوسط كدولة تنفصل عن محيطها لناحية القيم الليبيرالية التي تتبناها، ولناحية اتصالها البنيوي العميق بالغرب ثقافة وتقدما وموقعا.

تكرس ذلك الموقع مع فوز إسرائيل بالجائزة الأولى في المسابقة أربع مرات. كانت الأولى في العام 1978 عبر أغنية  A-Ba-Ni-Bi التي تعتمد على لعبة لغوية طفولية حول الحب. وقد فازت إسرائيل كذلك في العام التالي عبر أغنية  Hallelujah التي ظهرت في مناخات ما بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد، وتركز على مفاهيم السلام والأمل الإنساني، ومنحتها صورة السلام الجماعي والأمل الإنساني.

وعادت إسرائيل للفوز في العام 1998 مع أغنية Diva لدانا إنترناشونال، التي خرجت في لحظة اندفاع المزاج الغربي نحو دعم مسائل التحول الجنسي والحرية الفردية. فكان فوز المغنية المتحولة جنسيا بمثابة إدخال لإسرائيل في ذلك النسق الأوروبي وتحولها إلى عنوان ليبيرالي يعكس التحرر والتسامح. وقد استفادت منها إسرائيل لإظهار التباين بين صورتها كدولة منفتحة وبين صورة مرسومة عن محيطها كبؤرة للتشدد والمحافظة.

وجاء الفوز الإسرائيلي الأخير في العام 2018 مع اشتداد زخم حملة  #MeToo، اذ فازت المغنية نيتا بأغنية toy، فبدت إسرائيل من جديد منسجمة مع الخطاب النسوي ومع المزاج الثقافي الغربي.

غزة والاصطدام الكبير

يرفض المفكر إتيان باليبار، في كتابه "نحن، شعب أوروبا، تأملات في المواطنة العابرة للقوميات"، التعامل مع أوروبا ككيان جغرافي مكتمل أو كهوية بريئة. ينظر إليها كساحة متوترة تحاول تشكيل معناها عند الحدود، وفي العلاقة مع الآخر، وفي العنف الناتج من عمليات الفصل والإدماج، وفي التناقض الدائم بين خطاب الكونية والممارسات الإقصائية. أوروبا، إذن، ليست جوهرا ثابتا، بل إشكالية سياسية وأخلاقية مفتوحة تطرح باستمرار أسئلة الفصل والوصل، ويحضر فيها العنف باستمرار في لحظة رسم الحد.

مشاركة إسرائيل في المسابقة الأوروبية الأعرق والأكثر شعبية والتصاقا بالقيم الأوروبية منحتها قصة متماسكة حول وجودها ككل


انطلاقا من أفكار باليبار يمكن النظر إلى حضور إسرائيل داخل "يوروفيجن"، إذ إنها لا تدخل الميدان الأوروبي كدولة عادية، وإنما تدخله كحالة حدودية تريد أن تحتل موقعا مميزا من أوروبا الرمزية، مما يطرح على الدوام العنف الناجم عن التعريف الأوروبي نفسه لناحية القبول والإقصاء ومعاييرهما.

ومن هنا فإن أزمة مشاركة إسرائيل في "يوروفيجن"، التي لطالما كانت محل جدل، تطرح إشكالية التوصيفات الأخلاقية والقيمية، وكيفية رسمها وضبط حدودها أوروبيا، وكذلك خطاب تماسك الصور وكيفية الحفاظ عليه، وكيف يستجر تواطؤا أوروبيا إسرائيليا على خيانة القيم المؤسسة للغرب الأوروبي.

Geert Vanden Wijngaert
المغني الفلسطيني بشار مراد خلال حفل "متحدون من أجل فلسطين" المناهض لـ"يوروفيجن" في بروكسيل، 2026

أسقطت غزة هذه الحدود كلها، إذ إن المسابقة بتاريخها العريق والقائم على السلام والانفتاح والكرامة الإنسانية وجدت نفسها أمام تراكم إبادي لا يمكن التحايل عليه أو تجاوزه، حيث لم يعد من الممكن تغطية مشاركة إسرائيل في المسابقة بكلام تقني أو عمومي، بل بات القبول به انغماسا مباشرا في وحل الإبادة.

ولعل السهولة التي أخرجت بها روسيا من المسابقة في 2022، للأسباب نفسها التي تنفجر الآن في وجه إسرائيل من دون أن تؤدي إلى إخراجها من المسابقة، تطرح سؤال المعايير الكاذبة ورفض السياسة بشكل تام. فإخراج روسيا من المسابقة، الذي تزامن مع هستيريا عالمية تطال كل ما هو روسي وتصيب كل مكونات الثقافة الروسية ورموزها، كان فعلا يريد محو أي ارتباط بمنظومة صنفت على أنها تمارس القتل والترهيب، وقد تم ذلك بشكل شامل، من دون أي فرز أو تدقيق.

جاءت حرب الإبادة في غزة لتطرح على المسابقة وعلى أوروبا سؤال القيم المؤسسة قبل أن تطالب بالتعاطف، فبدت المشاركة الإسرائيلية، كما نظر إليها أعضاء فاعلون في المسابقة وفي الاتحاد الأوروبي، بمثابة إهانة للقيم الأوروبية، فوجدت أوروبا نفسها في لحظة اصطدام كبير يوجب عليها اختيارا حاسما.

وكان ذلك الاصطدام قد شرع في التبلور في العام 2024، حين حاولت إسرائيل الدخول إلى المسابقة بأغنية  October Rain التي تروي قصتها الخاصة عن هجوم 7 أكتوبر، وقد رفضتها المسابقة بشكل قاطع، فتحولت بعد ذلك إلى أغنية Hurricane.

ولكن التوتر انفجر في العام 2026 بشكل حاد ووصل إلى إعلان القطيعة، اذ قررت دول أوروبية بينها إسبانيا وإيرلندا مقاطعة المسابقة رفضا لمشاركة إسرائيل. وبذلك انتقل مستوى الرفض، الذي كان غالبا يقتصر على محتجين غاضبين خارج قاعات المسابقة، إلى مقاطعة دولية وازنة وعلنية، تكمن أهميتها في سحب غطاء الشرعية الرمزية الأوروبية عن إسرائيل، وتكريس صورتها كدولة إبادة.

/Geert Vanden Wijngaert
المغنية الفلسطينية ناي البرغوثي خلال حفل "متحدون من أجل فلسطين" المناهض لـ"يوروفيجن" في بروكسيل، 2026

ذلك كله وضع إسرائيل في مواجهة آلية شرعنة لطالما استفادت منها في تركيب صورة الدولة الشرق أوسطية المتمايزة والحاملة ثقل الحضور الغربي في منطقة تعاديه في القيم والتوجه. ولكن الأخطر من ذلك بالنسبة إليها لا يكمن في خسارتها ذلك الترميز ونظام الشرعنة الثقافي والأخلاقي، ولكن في حلول الفلسطيني مكانها كحامل لصورة الضحية، ودخول أحوال غزة المدمرة كعنوان رمزي لمعلم حضاري يتعرض لإبادة ممنهجة معادية للإنسانية.

بدت المشاركة الإسرائيلية في "يوروفيجن" بمثابة إهانة للقيم الأوروبية، فوجدت أوروبا نفسها في لحظة اصطدام كبير

ردود الفعل الهيستيرية الإسرائيلية على ما أثارته صورة يامال والاحتجاجات على مشاركتها في "يوروفيجن" تكاد تبدو غير مفهومة قياسا على استمرار الدعم السلطوي لها من عدة دول أوروبية. ولكن تفسير ذلك يرجع إلى وعي إسرائيلي بأهمية البقاء في واجهة الترميز الثقافي والحضاري الغربي، وأن خسارته تعني أنه لا يمكن الاستمرار في سياسة تفجير كل الحدود في الهمجية وفي الخطاب وفي تزوير القصص. لا تستطيع إسرائيل الاستمرار بالشكل القائم الذي اعتادت عليه، ولا تجيد التعامل مع سواه أو إعادة إنتاج نفسها في مجال قيمي يمكن أن يتلاءم مع قيم الغرب والعالم.

العالم قائم على الرمزيات، وخسارة معركة الرموز مكلفة حتى مع استمرار الآلة الحربية في العمل واستمرار الإبادة، وذلك لأنه يستحيل تسمية ما يجري باسم آخر، ولطالما كان الصراع على التسمية صراعا على الامتلاك. لقد خسرت إسرائيل حرب التسمية، وهذا مدخل لخسارات متتالية لا يغطيها التفوق الأمني والتكنولوجي.

font change