لنستعد لكارثة في سوق العمل بفعل الذكاء الاصطناعي

لم تقع بعد... لكن على الحكومات أن توفر شبكة أمان

(شاترستوك)
(شاترستوك)
تصور بصري لاستبدال الذكاء الاصطناعي والروبوتات للوظائف البشرية بهدف خفض التكاليف وزيادة الإنتاجية

لنستعد لكارثة في سوق العمل بفعل الذكاء الاصطناعي

أطلق ظهور "تشات جي بي تي" في عام 2022 طفرة الذكاء الاصطناعي، وأثار معها موجة من تحذيرات لقادة هذا القطاع من كارثة وشيكة في سوق العمل. ولا يغير من ذلك أن لهؤلاء مصلحة في تضخيم قدرة منتجاتهم على إحداث الاضطراب، أو أن التوظيف في الدول الغنية لا يزال قريبا من أعلى مستوياته على الإطلاق. لكن الرسالة القاتمة وصلت. إذ يعتقد سبعة من كل عشرة أميركيين أن الذكاء الاصطناعي سيجعل العثور على عمل أكثر صعوبة، ويخشى ما يقرب من الثلث على وظائفهم. ويزيد من هذا القلق شح الوظائف الشاغرة أمام خريجي الجامعات، ولا سيما مبرمجي الحاسوب.

يمنح الماضي القلقين بعض السلوى. فأسواق العمل تتغير باستمرار، وكانت مكاتب اليوم ستبدو عصية على التعرف إليها لعامل عاش قبل 50 عاما. ولم يحدث في التاريخ الحديث أن أضر التقدم التكنولوجي بالطلب الكلي على العمل البشري. بل إن مؤرخي الاقتصاد باتوا يقللون من حجم "وقفة إنجلز"، وهي الفترة خلال الثورة الصناعية التي نمت فيها أجور الطبقة العاملة بوتيرة أبطأ من نمو الاقتصاد الأوسع.

لكن التاريخ ليس دائما دليلا صالحا للمستقبل، كما أظهرت الثورة الصناعية نفسها. فأفضل نماذج الذكاء الاصطناعي مبهرة، وهي قادرة على إنجاز مهام برمجية أعقد بكثير مما كان الناس يتوقعونه قبل عام واحد. كما أن عدد وكلاء الذكاء الاصطناعي انفجر، وارتفع إنفاق الشركات على هذه التكنولوجيا بقوة. ومن المتوقع أن تصل الإيرادات السنوية المتكررة لشركة "أنثروبيك"، وهي شركة صاعدة بقوة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى 50 مليار دولار بحلول نهاية يونيو/حزيران. ولا تقدم بيانات سوق العمل حتى الآن أدلة على أن الذكاء الاصطناعي يدمر عددا كبيرا من الوظائف. غير أن سرعة تحسنه تجعل استبعاد هذه المخاوف ضربا من التهور. فقد يكون المجتمع على أعتاب إعادة تخصيص عميقة للموارد واضطراب سياسي واسع.

(رويترز)
زوار يتفقدون روبوتا تابعا لشركة "جيو" خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي، 17 فبراير 2026

ولا تبدو توقعات الاقتصاديين بأن العمل سيظل وفيرا مطمئنة كما قد توحي، خصوصا على المدى الطويل. فمع أن السوق ستجد استخدامات للعمل البشري حتى مع تنامي قدرات النماذج والروبوتات، فإن جودة تلك الوظائف ومستوى أجورها ليسا مضمونين. ويتوقع بنك "غولدمان ساكس" أن تمثل مراكز البيانات 8.5 في المئة من ذروة الطلب على الكهرباء في أميركا في عام 2027، ارتفاعا من 4.1 في المئة في عام 2025. ومع مزايدة شركات الذكاء الاصطناعي على أسعار الأراضي والطاقة، ستتراجع القوة الشرائية لما يكسبه الناس. وفي نهاية المطاف، قد يصبح البشر، مثل الخيول في عصر السيارة، غير مجدين اقتصاديا. ويمكن أن يذهب معظم الدخل، أو كله، إلى مالكي رأس المال، الذين سينفقونه بعد ذلك على أشياء يصنعها الذكاء الاصطناعي والروبوتات باستخدام موارد طبيعية يحتكرونها.

أسواق العمل تتغير باستمرار ومكاتب اليوم ستبدو عصية على التعرف إليها لعامل عاش قبل 50 عاما

ويقف هذا الاحتمال الكابوسي وراء تحذيرات وادي السيليكون من أن تدخّل الدولة، وربما الدخل الأساسي الشامل، سيكونان ضروريين. ولا يزال ذلك بعيدا جدا، إن حدث أصلا. لكن يتعين على الحكومات أن تتحرك في وقت أبكر، إذ لا يلزم وقوع كارثة كبرى لإشعال غضب شعبي. فربما فقد مليونا أميركي وظائفهم بين عامي 1999 و2011 جراء دخول الصين إلى نظام التجارة العالمي. وهذا ليس أسوأ من شهر اعتيادي من تسريح العمال في سوق العمل الأميركية سريعة التقلب. ومع ذلك ساعدت "صدمة الصين" في دفع دونالد ترمب إلى السلطة، وأدت إلى أعلى رسوم جمركية منذ ثلاثينات القرن الماضي.

ويملك العاملون في المهن المكتبية المهددون بالذكاء الاصطناعي نفوذا سياسيا واجتماعيا أكبر من عمال المصانع الذين أضرت بهم المنافسة الصينية. وحتى عدد صغير من عمليات التسريح يمكن أن يثير رد فعل شعبيا عنيفا ضد التكنولوجيا. وتعد المعارضة الغاضبة لمراكز البيانات الجديدة لمحة عما قد يأتي. ويمكن أن يؤدي اضطراب شديد في الأمن الاقتصادي والمكانة الاجتماعية لكثيرين إلى قلاقل واسعة، بل إلى ثورة.

ماذا ينبغي للحكومات أن تفعل؟ تنطوي مجموعة من الأفكار على إبطاء وتيرة التغيير. فقد حثت الصين شركاتها على تبني الذكاء الاصطناعي، لكن من دون تسريح العمال. واقترح اقتصاديون بارزون حول العالم فرض ضرائب أعلى على رأس المال، وضرائب أقل على العمل. ويريد بعض النشطاء فرض رسوم على مراكز البيانات. غير أن كبح التكنولوجيا ليس مسارا حكيما. فمن المرجح أن تجني البشرية فوائد هائلة من الذكاء الاصطناعي، لا تقتصر على زيادة الثروة، بل تشمل إحراز تقدم في مكافحة الأمراض وحل مشكلات مثل تغير المناخ والفقر. ولو نجح اللوديون في وقف أتمتة مصانع النسيج في إنجلترا مطلع القرن التاسع عشر، لكان العالم اليوم أسوأ حالا بكثير.

(أ.ف.ب)
طالب يستعرض واجهة دماغية مدعومة بالذكاء الاصطناعي للتحكم بحركة اليد عبر الأفكار في قمة "الذكاء الاصطناعي من أجل الخير" بجنيف، 31 مايو 2024

وتبدو مجموعة ثانية من الحلول أفضل. فإذا انخفض التوظيف، فمن المرجح أن يظهر الدخل الذي كان يذهب سابقا إلى العمال في صورة أرباح مرتفعة لدى شركات الذكاء الاصطناعي، أو صانعي الرقائق، أو مراكز البيانات، أو أطراف أخرى في سلسلة التوريد. ويمكن لإصلاحات ضريبية ذكية، مثل فرض رسوم على أرباح الشركات التي تتجاوز العائد الطبيعي على رأس المال، وعلى الأراضي والموارد الطبيعية، أن تحصّل هذه العوائد الاحتكارية. وتبدو حجة فرض ضرائب على الإرث لمنع ترسخ نخبة مالكة لرأس المال أقوى من أي وقت مضى.

يملك العاملون بالمهن المكتبية المهددون بالذكاء الاصطناعي نفوذا سياسيا واجتماعيا أكبر من عمال المصانع الذين أضرت بهم المنافسة الصينية

وفي الوقت نفسه، تستطيع الحكومات مساعدة العمال على التكيف. فالتأمين العام على الأجور، الذي يخفف أثر انخفاض الدخل بعد فقدان الوظيفة، يمكن أن يساعد العمال في الانتقال إلى فرص أفضل، وقد يمول نفسه في نهاية المطاف. وأثبتت سياسات سوق العمل النشطة في الدنمارك، حيث تساعد الدولة الناس على العثور على مهن جديدة والتدرب عليها، قدرتها على تقليص فترات البطالة.

ستجعل هذه الأفكار الاقتصاد أكثر كفاءة وعدلا بغض النظر عن الذكاء الاصطناعي. لكن هل سترضي الناخبين الذين يواجهون الاضطراب وعدم اليقين؟ ففي عصر شعبوي، يصعب إقناع الناس بالإصلاحات التكنوقراطية. وأخفقت الجهود السابقة لمساعدة العمال على التكيف مع تحرير التجارة في وقف رد الفعل على "صدمة الصين". وإذا أصبحت قوة العمل كلها من الذكاء الاصطناعي، فسيحتاج البشر إلى مساعدة على البقاء، لا إلى التكيف.

ومن هنا تبرز مجموعة أخيرة من الأفكار الجذرية، مثل التأميم الجزئي لشركات الذكاء الاصطناعي. فهذا الأسبوع، طرح مستشار رئاسي في كوريا الجنوبية فكرة منح المواطنين "حصة من الأرباح" من شركات الذكاء الاصطناعي، مما دفع سوق الأسهم المحلية إلى الهبوط 5 في المئة، قبل أن يتراجع عن الفكرة. وفي أميركا، يتداول سياسيون همسا فكرة منح المواطنين أسهما في شركات الذكاء الاصطناعي عبر "حسابات ترمب". ومن الناحية الاقتصادية، لا يوجد فرق كبير بين نظام ضريبي مصمم جيدا وحصة حكومية في القطاع الخاص.

(أ.ف.ب)
سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي" يشارك في جلسة نقاش حول الذكاء الاصطناعي خلال قمة "أبيك" للرؤساء التنفيذيين في سان فرانسيسكو، 16 نوفمبر 2023

وستضطر الدول التي لا تملك عمالقة في الذكاء الاصطناعي إلى الاعتماد على الضرائب بدلا من الاستيلاء على أسهم في شركات أجنبية. لكن أميركا قد تجد أن قدرا من الملكية العامة هو أفضل سبيل لإبراز المنفعة الاجتماعية لهذه التكنولوجيا بوضوح.

ويجب التصدي مبكرا لتراكم العوائد الاحتكارية قبل أن تترسخ قوة المستفيدين منها. لم تصل كارثة الوظائف بعد. لكن إذا انتظرت الحكومات أدلة قاطعة قبل إنشاء شبكة أمان، فسيكون الأوان قد فات. والأفضل أن تبدأ الآن.

font change

مقالات ذات صلة