كانت نكبة 1948 تتويجا لعمليات أخرى أو هي نتيجة لعمليات أكثر تعقيدا شملت استلاب فلسطين كبلاد على مستوى الهوية والتعريف بما في ذلك تزييف التاريخ والسرديات والمرويات عن البلاد بما يتوافق مع مشروع سرقة البلاد من أهلها. لم تكن مجرد حدث نتج من صراع، إذ أن أصحاب الأرض وجدوا أنفسهم فجأة في مصيدة كبيرة لا تقودها الحركة الصهيونية فحسب بل القوى الكبرى في العالم. وكان اصطفاف أوروبا خلف مشروع اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه نتيجة عملية أخرى من الاستلاب والهيمنة نجحت فيها الصهيونية في السيطرة على العقل والخيال الأوروبيين.
طوال عقود نجحت هذه الحركة في ترويج روايتها حول أحقية اليهود في فلسطين بل وفي دفع العالم لتبني استيطانهم فيها وطرد سكانها. بكلمة أخرى، فقد سرقت فلسطين على مستوى الفكرة قبل أن تسرق فعليا من سكانها. ثمة مركّب لا يجب أن يغيب عن البال ونحن نعيش النكبة المستمرة، وهو أن أحد أبرز وجوه النكبة كانت نكبة العقل الغربي الذي نجحت الحركة الصهيوينة وعبر مراحل مختلفة في السيطرة عليه. قد تكون نجحت في احتلال فلسطين منذ قرابة ثمانية عقود لكنها تحتل العقل الغربي منذ عقود طويلة. وهذا الاحتلال نتاج عمليات معقدة ومركبة من التزييف والترويج والتضليل وخطاب المظلومية.
الصراع على الشرق
ثمة ملاحظة أساسية واجبة في هذا السياق وهي تشكل جوهر هذا المقال، تتمثل في كون الحركة الصهيونية نتاج المشروع الاستعماري الأوروبي ومركّبا أساسا فى توجهاته الفكرية تجاه المنطقة ومشروعه الاستشراقي. في سياقات ضيقة مثلا لا يمكن فصل ظهور الصهيونية عن وصول الاستعمار الغربي للشرق إلى ذروته وتصاعد الصراع حول السيطرة على الشرق. وفي علاقة قد تبدو تكاملية، نجحت الحركة الصهيونية في تقديم نفسها جزءا من المشروع الكولونيالي الغربي ودون أن تقدم فروض الطاعة والولاء، بل سعت إلى توظيف الجشع الغربي للاستيلاء على الشرق لتقديم خدمات كبيرة من اجل أن تحقق أوروبا اهدافها.






