هل تتحول الشراكة السعودية - الجزائرية إلى ركيزة عربية في الطاقة والأمن السيبراني؟https://www.majalla.com/node/331243/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D9%87%D9%84-%D8%AA%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%B2%D8%A9-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86
لا يختلف اثنان على أن العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والسعودية تشهد حركية ديبلوماسية واقتصادية متنامية وبوتيرة غير مسبوقة. يشمل هذا التقارب الاستراتيجي التنسيق في المشاريع الكبرى والتحضيرات الجارية لعقد الدورة الأولى لمجلس التنسيق الأعلى الجزائري - السعودي الذي يُنتظر منه نقل التعاون الثنائي بين البلدين من الإطار النظري، وتوقيع مذكرات تفاهم وإبرام اتفاقات، إلى مرحلة التنفيذ العملي والمشاريع الميدانية.
وتشهد الزيارات المتبادلة بين البلدين، سواء على مستوى القيادتين أو على المستوى الحكومي، زخما لافتا منذ تولّي الرئيس عبد المجيد تبون الحكم في الجزائر عقب الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في 12 ديسمبر/كانون الأول 2019. وكانت زيارة المملكة العربية السعودية على رأس جدول زيارات الرئيس تبون الرئاسية الدولية إلى دولة عربية، والتقى خلالها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان لبحث سبل تعزيز الشراكة. تلتها زيارة رسمية لرئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الجزائري، الفريق أول السعيد شنقريحة، في فبراير/شباط 2024، التقى خلالها بمسؤولين عسكريين وقام بزيارات ميدانية لشركات التصنيع العسكري والتكنولوجي السعودي.
وكان السفير الجزائري لدى السعودية، شريف وليد، أكد في أغسطس/آب 2024، أن الإرادة السياسية المشتركة تدفع العلاقات الثنائية نحو شراكة استراتيجية أكثر شمولا، بما يعزز التكامل الاقتصادي ويرفع حجم الاستثمارات المتبادلة بين البلدين. وأشار السفير إلى أن أبرز القطاعات التي تتمتع بفرص نمو واعدة تشمل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والزراعة، والصناعات الغذائية، والصيد البحري ومشتقاته، إضافة إلى الصناعة، والطاقات الجديدة والمتجددة، والسياحة.
شهدت الزيارات المتبادلة بين البلدين زخما لافتا منذ تولّي الرئيس عبد المجيد تبون الحكم في الجزائر عقب الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في 12 ديسمبر/كانون الأول 2019
وفي يناير/كانون الثاني 2026، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وزير الداخلية السعودي عبد العزيز بن سعود بن نايف آل سعود في مقر الرئاسة الجزائرية، حيث بحث الجانبان سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون الأمني بين البلدين، في ظل تنامي الاهتمام المشترك بقضايا الأمن والتقنيات الحديثة، بما فيها الأمن السيبراني.
وأعقبت ذلك سلسلة لقاءات وتنسيقات بين قيادات الأمن والشرطة في البلدين لبحث سبل تعزيز التعاون الأمني، بما في ذلك مكافحة الجريمة السيبرانية والتهديدات الرقمية العابرة للحدود.
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في الرياض، 26 فبراير 2020
يأتي ذلك في وقت يتجه فيه البلدان نحو تعزيز نضجهما السيبراني، إذ شرعت الجزائر في تنفيذ "الاستراتيجيا الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية 2025-2029"، وهي إطار شامل يهدف إلى تعزيز السيادة الرقمية، وحماية البنى التحتية الحساسة، ورفع مرونة مؤسسات الدولة في مواجهة التهديدات السيبرانية، وذلك بموجب المرسوم الرئاسي رقم 25-321 المؤرخ في 30 ديسمبر/كانون الأول 2025.
أما المملكة العربية السعودية، فتُعد من أبرز الدول في الأمن السيبراني، بعدما حافظت على المركز الأول عالميا في مؤشر الأمن السيبراني ضمن الكتاب السنوي للتنافسية العالمية الصادر عن مركز التنافسية العالمي التابع لـ(IMD) السويسري، كما صُنّفت ضمن الفئة الأعلى (Role-Model) في مؤشر الأمن السيبراني العالمي الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات التابع للأمم المتحدة، إلى جانب تصدرها المشهد عربيا في هذا المجال.
كيف ينتقل البلدان من التعاون التقليدي إلى التكامل؟
يقول الأستاذ المتخصص في الاقتصاد والمالية بجامعة البويرة الدكتور بوبكر مصطفى، في حديث الى "المجلة"، إن "المملكة العربية السعودية كانت أول وجهة خارجية للرئيس تبون بعد توليه الرئاسة وهو ما عكس في حد ذاته عمق القناعة الشخصية لديه بأهمية هذه العلاقة، والاختيار لم يكن مصادفة بل كان رسالة ديبلوماسية واضحة مفادها أن الجزائر تعتبر العلاقة مع الرياض ركيزة استراتيجية وليس مجرد علاقة بروتوكولية". وبحسب المتحدث، فإن "البلدين تجاوزا مرحلة الفتور النسبي التي اعترت العلاقات بينهما نتيجة سياقات سياسية ظرفية لا تعكس جوهر العلاقات الثنائية بين دولتين كبيرتين من العالم العربي".
ويؤكد الاستاذ الباحث في جامعة البليدة الدكتور عبد الرحمن بوثلجة لـ"المجلة" أن "العلاقات الاقتصادية بين البلدين تشهد منذ سنوات محاولات للانتقال من التعاون التقليدي إلى شراكات استثمارية أوسع. فالرياض تركز ضمن إطار رؤية 2030 على توسيع حضورها الاقتصادي خارجيا لا سيما في أفريقيا والعالم العربي بينما تبحث الجزائر عن استثمارات نوعية تساعدها في تنويع الاقتصاد وتقليص التبعية للمحروقات".
العلمان الجزائري والسعودي قبيل زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للجزائر العاصمة، الجزائر، في 2 ديسمبر 2018
وارتفعت قيمة التبادل التجاري من 407 ملايين دولار في عام 2023 إلى أكثر من مليار دولار في عام 2024 أي بزيادة تجاوزت 150 في المئة في عام واحد فقط، مع وجود مساع رسمية متواصلة لرفع هذه الأرقام. ويكشف الدكتور بوبكر مصطفى أنه "جرى توقيع أكثر من 30 اتفاقية بين الدولتين تغطي جميعها مجالات تجارة التجزئة والصناعة والسياحة والخدمات القانونية مع توجه للتوسع نحو قطاعات التعدين والأعمال الهندسية والخدمات المالية كما تم تأسيس الشركة المختلطة للاستثمار ومجلس رجال الأعمال المشترك فضلا عن اللجنة الجزائرية السعودية المشتركة المنعقدة بشكل دوري منذ قرابة عقدين".
وفي عام 2025، بلغت صادرات المملكة إلى الجمهورية الجزائرية الديمقراطية ما يعادل 5.4 مليار ريال (1.44 مليار دولار)، فيما سجلت وارداتها من الجمهورية الجزائرية الديمقراطية 331.0 مليون ريال (88.3 مليون دولار).
تنتقل العلاقات الثنائية من المجاملات الديبلوماسية إلى مستوى الشراكات الاستراتيجية المتعددة الأبعاد، بما فيها التوافق الاستراتيجي في "أوبك"
وتشمل أبرز الصادرات السعودية إلى الجزائر في منتجات اللدائن والمطاط ومصنوعاتها من البلاستيك ومواد التغليف، الورق والورق المقوى ومصنوعاتهما، المواد الكيماوية العضوية وغير العضوية والمنتجات المرتبطة بها. في المقابل، تشمل صادرات الجزائر إلى السعودية بشكل رئيس: زيوت عطرية، محضرات عطور أو تجميل وكاكاو ومحضراته، كما سيرت الخطوط الجوية الجزائرية أول رحلة شحن إلى السعودية في فبراير/شباط 2025، لتضاف إلى خطوط الشحن الجوي القائمة مسبقا عبر الخطوط السعودية.
ويمتد التعاون السعودي الجزائري بشكل واسع ليشمل قطاعات حيوية مثل الاستثمارات المباشرة، إذ بلغت الاستثمارات السعودية في الجزائر 214 مليون دولار إلى غاية نهاية 2022، موزعة بشكل أساس على مجالي الصناعات الصيدلانية والصناعات الغذائية وستتوسع في المستقبل القريب لتشمل السياحة والترفيه وتكنولوجيات الإعلام والاتصال والحديد والصلب.
ويعكس هذا الزخم الجزائري-السعودي بحسب الدكتور خثير شين الإبراهيمي، الأكاديمي والباحث والأستاذ الجامعي في معهد العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير بالمركز الجامعي إيليزي، انتقال العلاقات الثنائية من مستوى المجاملة الديبلوماسية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية المتعددة الأبعاد. ويقول إن الهدف الأساس من الجانب الاقتصادي هو إيجاد شراكات استثمارية وتنموية قادرة على دعم التحول الاقتصادي في الجزائر، مع تعزيز الحضور الاقتصادي العربي المشترك في ظل التحولات الدولية المتسارعة.
ما أبرز ملامح التحول الاقتصادي والشراكة؟
لعل أبرز ملامح الشراكة الاستراتيجية بين البلدين يبرز في قطاع الطاقة، إذ توصلت شركة "سوناطراك" الجزائرية وشركة "مداد" للطاقة السعودية إلى اتفاق استثماري تُقدَّر قيمته بنحو 5.4 مليار دولار، لتطوير حقول النفط والغاز في حوض إيليزي، وهو حوض رسوبي غني بالموارد الهيدروكربونية يقع في جنوب شرق الجزائر قرب الحدود الليبية.
شعار شركة الطاقة الحكومية الجزائرية "سوناطراك" في مقرها الرئيس في الجزائر العاصمة، الجزائر، بتاريخ 25 نوفمبر 2019
ويمتد المشروع على مدى 30 عاما، مع توقعات بإنتاج يقارب 993 مليون برميل من النفط المكافئ، إضافة إلى نحو 125 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، في خطوة تعكس تنامي الشراكة الطاقوية بين الجزائر والسعودية
توافق استراتيجي في "أوبك"
وهناك بعد آخر لا يمكن إغفاله أبدا عندما نتحدث عن التقارب الاستراتيجي بين الجزائر والسعودية، وهو التوافق الاستراتيجي القوي داخل منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك". ويصف الدكتور عبد الرحمن بوثلجة، الباحث المهتم بالشؤون الوطنية والدولية، الدولتين بـ"العضوين المؤثرين داخل تحالف "أوبك بلس"، وهناك تنسيق دائم بين الطرفين حول استقرار سوق النفط العالمية وسياسات الإنتاج. وقد شارك وزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب في اجتماعات عدة للجنة المراقبة الوزارية المشتركة لـ"أوبك بلس" التي تضم السعودية إلى جانب الجزائر ودول أخرى، هذا دون أن ننسى وصف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للمملكة العربية السعودية بـ"الركيزة الأساس في المنظمة"، حسب بوثلجة.
توصلت شركة "سوناطراك" الجزائرية وشركة "مداد" للطاقة السعودية إلى اتفاق استثماري تُقدَّر قيمته بنحو 5.4 مليارات دولار، لتطوير حقول النفط والغاز في حوض إيليزي
ولهذا التنسيق في قطاع الطاقة أهمية استراتيجية كبيرة، فالبلدان يدركان أن استقرار أسعار الطاقة يعتبر ركيزة حيوية للأمن الاقتصادي لكلا الدولتين لا سيما في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية والتحولات التي تعرفها سوق الطاقة بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران واعتداءات إيران على دول الخليج، وخصوصا أن الدولتين تمتلكان ثقلا عالميا ضخما.
موقع وصول خط أنابيب الغاز الطبيعي البحري "ميدغاز" الرابط بين الجزائر وإسبانيا، في ألميريا، إسبانيا، بتاريخ 10 يونيو 2022
فالسعودية تُعتبر من أكبر منتجي ومصدري النفط في العالم، إذ تحوز 267 مليار برميل نفط مؤكد ونحو 9.5 تريليونات متر مكعب من الغاز، واقتصادا متنوعا بناتج محلي يقارب 5 تريليونات ريال (ما يعادل 1.33 تريليون دولار). أما الجزائر، فتُعد من أبرز الدول المنتجة للغاز الطبيعي في أفريقيا، إذ تمتلك احتياطيات نفطية مؤكدة تُقدّر بنحو 12.2 مليار برميل، إضافة إلى نحو 4.5 تريليونات متر مكعب من احتياطيات الغاز الطبيعي، تستعملها كأدوات نفوذ لتعزيز سيادتها وتوسيع دائرة تأثيرها الاقتصادي والديبلوماسي سواء في حوض البحر الأبيض المتوسط أو العمق الأفريقي.