منذ الأزمة المالية العالمية في 2007-2009، بدا مرارا أن أيام التمويل الخارجي (الأوف شور) أو ما يُعرف بالملاذات المالية باتت معدودة. ففي عام 2010، أقرت الولايات المتحدة قانون الامتثال الضريبي للحسابات الأجنبية (FATCA)، الذي ألزم المؤسسات المالية الأجنبية بالكشف عن أصول الأميركيين. وبعد عام واحد، أعلن نيكولا ساركوزي، وكان آنذاك رئيسا لفرنسا ومجموعة العشرين معا، أن الملاذات الضريبية ستواجه نبذا عالميا. وفي عام 2016، كشف صحافيون استقصائيون عن "وثائق بنما"، وهي أرشيف هائل من الوثائق تتبع مئات الآلاف من المتهربين من الضرائب. ودفعت هذه التسريبات كثيرا من حكومات العالم الغني إلى إلزام المراكز المالية الخارجية بإنشاء سجلات للملكية المستفيدة، وتبادل المعلومات مع ولايات قضائية أخرى تحت طائلة العقوبات.
لكن ما حدث منذ ذلك الحين أن ساركوزي نفسه انتهى إلى العزلة، بعد فترة قصيرة قضاها في السجن على خلفية مخالفات في تمويل حملته الانتخابية. أما المراكز المالية الخارجية، فعلى بعض المقاييس، تبدو اليوم أكثر رواجا من أي وقت مضى. وبين عامي 2010 و2024، نمت الأصول الخارجية الإجمالية للشركات بوتيرة تزيد بنحو 50 في المئة على نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتضاعفت قيمتها الاسمية إلى أكثر من 64 تريليون دولار. وبحلول نهاية العام الماضي، كانت 31 في المئة من إجمالي الرصيد القائم لسندات الشركات الدولية، التي تستخدمها الشركات لجمع الديون خارج بلدانها الأصلية، قد صدرت في مراكز مالية خارجية. وهذا مستوى قياسي، صعودا من أدنى مستوى بعد الأزمة المالية عند 24 في المئة في عام 2010.
ويعود جانب كبير من هذا النمو الحديث إلى سبب لافت. فكما يلاحظ جيسون شارمان، من جامعة كامبريدج، فإن "السرية كانت أقل أهمية مما ظن الناس". وينطبق الأمر نفسه على تراخي القواعد التنظيمية. ويوضح أندرو موريس، من جامعة تكساس إي آند إم، وهو باحث آخر في التمويل الخارجي، أن الملاذات المالية، لصغر حجمها ومرونتها، تملك في بعض المجالات أطر تنظيم أكثر كفاءة. وهذا ما يجعلها جاذبة خصوصا للقطاعات الأسرع نموا في عالم المال، مثل إعادة التأمين وصناديق الائتمان الخاص وثروات الأسواق الناشئة. كما يمنحها ذلك حافزا للبقاء خارج قوائم المخالفين لدى الجهات الرقابية في العالم الغني.

ويرتبط نمو إعادة التأمين الخارجية بصعود صناديق الأسواق الخاصة. ففي السنوات الأخيرة، ضخت شركات التأمين على الحياة الأميركية، التي تبيع لزبائنها الأميركيين معاشات دورية مضمونة العائد، استثمارات كبيرة في أصول خاصة غير سائلة. كما أحالت قسما متزايدا من التزاماتها وأصولها إلى شركات إعادة التأمين، بما يخفف أعباء ميزانياتها ويتيح لها بيع مزيد من المعاشات. وغالبا ما تتولى إدارة هذه الأصول غير السائلة، مثل الأسهم الخاصة والائتمان الخاص والعقارات واستثمارات رأس المال المغامر، وشركات "وول ستريت" العملاقة في الأسواق الخاصة، مثل "أبولو" و"كيه كيه آر"، نيابة عن شركات إعادة التأمين، ومن خلال كيانات مسجلة هي الأخرى في مراكز خارجية.

