حين تموت العملات الوطنية ويلوذ الناس بملجأ الدولار

من الصومال إلى لبنان مرورا بفنزويلا وزيمبابوي والأرجنتين... قصة ثقة مكسورة بين المواطن والدولة

أندرو أستورجانغو
أندرو أستورجانغو

حين تموت العملات الوطنية ويلوذ الناس بملجأ الدولار

في دول كثيرة، تكشف مشاهد يومية بسيطة عمق أزمة العملة الوطنية: رفض التعامل بها، وتآكل قيمتها، والبحث عن بدائل أكثر أمانا. ومع انهيار الثقة، لا تصبح الأزمة اقتصادية فحسب، بل تتحول إلى أزمة بين المواطن والدولة. عندما تفقد العملة مدلولها كأداة ادخار واستقرار، يلجأ الناس إلى الدولار أو الذهب أو غيرهما بحثا عن حماية قيمة أموالهم.

لا تموت العملات فجأة. تموت مثلما تموت الثقة، ببطء، ثم دفعة واحدة. في البداية، يبدأ الناس بادخار الدولار بصمت. لا يزالون يتقاضون رواتبهم بالعملة المحلية، لكنهم يحاولون تحويل ما يستطيعون تحويله إلى عملة أجنبية. بعد ذلك، يبدأ التجار بتسعير السلع بالدولار، ولو في صورة غير معلنة. ثم تتآكل قيمة الرواتب، وتصبح العملة المحلية مالا قصير العمر، يجب إنفاقه بسرعة قبل أن يخسر مزيدا من قيمته.

هنا تظهر "الدولرة"، أي انتقال الأفراد والشركات إلى استخدام الدولار في الادخار والتسعير والتعاملات اليومية بدلا من العملة المحلية. وقد اعتمدت بعض الدول الدولار الأميركي عملة رسمية أو رئيسة، مثل الإكوادور والسلفادور وبنما.

شكّل الدولار 60 في المئة من احتياطات النقد الأجنبي الرسمية المعلنة عالميا في عام 2021

وهناك "دولرة غير رسمية" أو "دولرة بحكم الأمر الواقع"، أو "فوضوية"، لا تأتي بقرار حكومي، بل تنشأ نتيجة فقدان الثقة بالعملة المحلية والأزمات الاقتصادية، كما حدث في لبنان والصومال وفنزويلا وزيمبابوي. الفارق كبير بين النموذجين. فالدولرة الرسمية قد تكون محاولة لبناء استقرار، أما الدولرة الفوضوية فهي في الغالب إعلان غير مباشر أن الناس لم يعودوا يثقون بالعملة ولا بمن يصدرها.

الدولار... ملاذ الخائفين

للمفارقة، يواصل الدولار تعزيز حضوره حتى في دول ترفع شعارات مناهضة للهيمنة الأميركية. ويعود ذلك إلى قوة الاقتصاد الأميركي، وإلى الثقة العالمية الواسعة بالدولار بوصفه العملة الرئيسة للتجارة الدولية والاحتياطات والأسواق المالية. هو يشكل نحو 57 في المئة من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، ويدخل في نحو 88 إلى 90 في المئة من تعاملات سوق الصرف العالمية، وتُسعَّر به نسبة كبيرة من التجارة العالمية والطاقة. 

رويترز
لبناني يبيع الدولارات مقابل الليرة اللبنانية، بيروت 19 يناير 2023

تشير تقديرات الاحتياطي الفيديرالي الأميركي الى أن الدولار شكّل 60 في المئة من احتياطات النقد الأجنبي الرسمية المعلنة عالميا في عام 2021. وعلى الرغم من تراجع هذه الحصة من 71 في المئة عام 2000، فقد بقيت أعلى بكثير من جميع العملات الأخرى، بما في ذلك اليورو (21 في المئة)، والين الياباني (6 في المئة)، والجنيه الإسترليني (5 في المئة). علاوة على ذلك، فإن تراجع حصة الدولار الأميركي لم يصبّ في مصلحة عملة واحدة بعينها، بل توزع على مجموعة واسعة من العملات الأخرى. لذلك، وعلى الرغم من أن الدول عمدت إلى تنويع احتياطاتها النقدية بدرجة ما خلال العقدين الماضيين، فإن الدولار لا يزال بفارق كبير العملة الاحتياطية المهيمنة عالميا.

والدولار ليس قويا لأنه ورقة أفضل، بل لأن وراءه مؤسسات وسياسات وقدرات يثق بها العالم نسبيا، وهي تشمل مجلس الاحتياطي الفيديرالي، والأسواق الأميركية المتطورة، والنظام القانوني، وحرية حركة رؤوس الأموال، والقدرات السياسية والعسكرية للولايات المتحدة. وإذ تفتقر الصين إلى هذه المؤسسات والسياسات والقدرات، لم يصبح اليوان، على الرغم من قوة الصين الاقتصادية، بديلا عالميا حقيقيا للدولار.

نحو 73 في المئة من سكان الصومال يستخدمون خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، بينما لا تتجاوز نسبة من يملكون حسابات مصرفية 15.5 في المئة

كذلك تمنح هيمنة الدولار الولايات المتحدة امتيازات استثنائية. إذ يستخدم العالم الدولار ويخزّن به احتياطياته ويشتري السندات الأميركية، ممولا بذلك العجز الأميركي عمليا، مما يمنح واشنطن قدرة مالية وجيوسياسية لا تملكها أي دولة أخرى. يُعرف ذلك في الأدبيات الاقتصادية بـ"الامتياز الباهظ" (Exorbitant Privilege)، وهو مصطلح يشير إلى المكاسب التي تحققها الولايات المتحدة من كون الدولار العملة الاحتياطية العالمية المهيمنة.

العالم العربي داخل اقتصاد الدولار

هنا تكمن مفارقة كبرى. فالعقوبات الأميركية التي تهدف أحيانا إلى إضعاف خصوم واشنطن قد تعزز عمليا الطلب الشعبي على الدولار. في فنزويلا وسوريا وإيران، تدفع القيود والعقوبات والاضطراب الناس إلى تكديس الدولار بعد شرائه من السوق السوداء، بدلا من التحرر من العملة الخضراء.

قد يبدو لبنان الحالة العربية الأشد وضوحا في هذا الصدد، لكنه ليس وحده، إذ تعيش المنطقة العربية كلها بدرجات مختلفة داخل اقتصاد الدولار. تربط معظم دول الخليج العربي عملاتها بالدولار منذ عقود من الزمن، فيما تعتمد الكويت سلة عملات يغلب عليها الدولار. أما العراق، فتمر عوائد نفطه المقومة بالدولار عبر حسابات مودعة لدى الاحتياطي الفيديرالي الأميركي ضمن آلية مالية مرتبطة بتصدير النفط وإدارة الإيرادات الحكومية، ثم تُحوَّل إلى البنك المركزي العراقي بالدينار والدولار لتمويل الاقتصاد المحلي. وتشهد مصر موجات متكررة من الادخار بالدولار كلما تعرض الجنيه إلى ضغط جديد. كما تشهد سوريا وليبيا اقتصادات متعددة العملات، حيث تتجاور العملة المحلية مع الدولار وعملات أجنبية.

أ.ف.ب
سوق الخضر المركزي في العاصمة الصومالية مقديشو، 14 ديسمبر 2023

ليس السبب نفسيا فقط. فكثير من الاقتصادات العربية ريعية أو شبه ريعية، تعتمد على النفط أو التحويلات أو السياحة أو المساعدات أو الاستيراد. وكل هذه التدفقات مرتبطة بالدولار بدرجات متفاوتة. هكذا، يصبح الدولار جزءا من بنية الاقتصاد قبل أي أزمة، ثم يصبح أثناء الأزمة ملاذا يوميا.

الصومال... حين يحل الهاتف محل الدولة

منذ انهيار الدولة المركزية في الصومال عام 1991، عانى البلد غياب سلطة نقدية فعالة، ولم يشهد عملية منتظمة وموثوقا بها لإصدار وتجديد العملة الوطنية. هناك، تنتشر أوراق نقود مهترئة ومزورة ومتعددة الطبعات، وتتآكل الثقة بالشلن إلى درجة صار معها بعض التجار يرفضونه. لكن الصومال لم يبقَ بلا بديل. يحل الدولار من جهة، و"الموبايل ماني" من جهة أخرى. بحسب البنك الدولي، يستخدم نحو 73 في المئة من السكان خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، بينما لا تتجاوز نسبة من يملكون حسابات مصرفية 15.5 في المئة. وبلغ حجم تعاملات الهاتف المحمول نحو 40 في المئة من الناتج المحلي في عام 2020.

حجم الاقتصاد النقدي الدولاري في لبنان كبُر من 26 في المئة من الناتج المحلي في عام 2021 إلى نحو 46 في المئة في عام 2022

هكذا صار الهاتف، في حياة كثير من الصوماليين، أقرب إلى مصرف شعبي بديل من الدولة. لكن هذا لا يعني أن الفقراء نجوا. تقدّر الأمم المتحدة أن نحو 6.5 ملايين صومالي واجهوا مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي في مطلع عام 2026. ومن لا يملك دولارا أو اتصالا رقميا مستقرا يبقى عالقا في الهامش: عملته لا تريدها السوق، والدولار لا يصل إليها بسهولة.

تؤدي التحويلات دورا حاسما، إذ تتجاوز الأموال التي يرسلها الصوماليون العاملون في الخارج 1.3 مليارات دولار سنويا، فيما تضعها تقديرات أخرى قرب 1.7 مليار دولار أو أكثر، وقدر البنك الدولي التحويلات المالية إلى الصومال بنحو 1.4 مليار دولار في عام 2015، وقد أسهمت حينها في دعم نحو 23 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وهو رقم كبير بالنسبة إلى اقتصاد البلاد. وفي وضع كهذا، يصبح المغترب أهم من المصرف المركزي، والدولار الوارد من الخارج أكثر حضورا من العملة الوطنية.

لبنان... بلد واحد واقتصادان

أما لبنان، فقصته مختلفة. هنا لم تختفِ الدولة تماما، ولم تكن الدولرة غريبة على الاقتصاد. قبل أزمة عام 2019، كان اللبنانيون معتادين على التعامل بالدولار في مجالات عدة، منها العقارات والسيارات والمدارس الخاصة والودائع المصرفية. لكن الانهيار المالي حوّل الدولرة من عادة اقتصادية إلى نظام حياة. كان الدولار يساوي رسميا نحو ألف و507 ليرات، ثم تجاوز سعره في السوق الموازية عتبة 100 ألف ليرة، ووصل في بعض مراحل الذروة إلى أكثر من 120 ألفا. بين عامي 2019 و2023، فقدت الليرة نحو 98 في المئة من قيمتها. وبحسب البنك الدولي، كبُر حجم الاقتصاد النقدي الدولاري من 26 في المئة من الناتج المحلي في عام 2021 إلى نحو 46 في المئة في عام 2022.

أ.ف.ب
لبناني يقف خارج متجر للصرافة، بيروت، 14 نوفمبر 2025

لكن الأرقام لا تقول كل شيء. ما حدث في لبنان هو انقسام الحياة اليومية نفسها. فثمة من يتقاضى راتبه بالدولار، أو يتلقى تحويلات به، وهناك من بقي راتبه بالليرة. وكلاهما يعيش في البلد نفسه، لكن ليس في الاقتصاد نفسه. هكذا وُلِدت طبقية نقدية جديدة. لا يحمي الدولار الجميع بالتساوي. من يملكه يستطيع أن يشتري الوقت والطمأنينة، ومن لا يملكه يعيش تحت رحمة سعر الصرف. وهذا ليس مجرد تفاوت في الدخل، بل لامساواة نقدية عميقة. بالإضافة إلى ذلك، انقسم الدولار نفسه في لبنان. فثمة "فريش دولار" نقدي، وهناك "لولار" عالق في المصارف. وهكذا شوّه الانهيار معنى كل من الليرة والدولار.

وكانت الطبقة الوسطى الضحية الكبرى. تعيش هذه الطبقة عادة على الراتب والادخار والتعليم والاستقرار. وحين انهار النظام، وجدت نفسها تخسر ما جمعته خلال عقود من الزمن. فاكتشف الأطباء والأساتذة والموظفون والمتقاعدون أن مدخرات العمر قد تبخرت، وأن الراتب المحترم يمكن أن يتحول إلى مبلغ لا يكفي إلا لأيام. وفي بعض مراحل الأزمة، تراجع الحد الأدنى للأجور إلى ما يوازي بضعة عشرات من الدولارات شهريا فقط.

لا عملة محترمة بلا مؤسسات محترمة، ولا استقرار نقدي دائم بلا حد أدنى من الثقة السياسية والقانونية والاجتماعية

في المقابل، تبلغ تحويلات المغتربين اللبنانيين مليارات الدولارات سنويا، وقدّرتها مصادر مصرفية بنحو 5.8 مليارات دولار في عام 2024، مما يجعل الأموال الواردة من الخارج شبكة الأمان الأساس للبنانيين.

فنزويلا... حين يصبح التضخم حياة يومية

في فنزويلا، التهم التضخم المفرط (hyperinflation) البوليفار ومعه الحياة اليومية. ويُعرَّف التضخم المفرط تقليديا بأنه ارتفاع الأسعار بأكثر من 50 في المئة شهريا، وفق التعريف الكلاسيكي الذي وضعه الاقتصادي الأميركي فيليب كاغان. إنما تجاوزت فنزويلا ذلك بكثير في ذروة أزمتها، حين وصلت معدلات التضخم إلى ملايين في المئة. كانت الأسعار تتغير خلال اليوم نفسه. ويحمل الناس أكياسا من النقود لشراء حاجات بسيطة. ومع الوقت، أصبح الدولار هو أداة التسعير الحقيقية، بينما صار سعره الرسمي رقما لا يصدقه أحد. وعلى الرغم من بعض التحسن، لا يزال صندوق النقد الدولي يتوقع تضخما يناهز معدّله 387 في المئة في عام 2026.

زيمبابوي والأرجنتين... الذاكرة التي لا تغفر

في عام 2008، أصبحت زيمبابوي رمزا عالميا لموت العملة. وأصدرت الدولة في يناير/كانون الثاني 2009 ورقة نقدية بقيمة 100 تريليون دولار من دولارات زيمبابوي (تُقدَّر قيمتها بنحو 33 دولارا)، لكنها لم تكن علامة قوة، بل شهادة وفاة. كان الرقم ضخما، والقيمة شبه معدومة. لاحقا، اعتمدت البلاد عمليا على الدولار الأميركي وعملات أجنبية، ثم حاولت مرارا إعادة إطلاق عملة وطنية. وفي عام 2024، طرحت عملة "الزيغ" (ZiG) المدعومة جزئيا بالذهب. لكن المشكلة لم تكن في اسم العملة أو شكلها، بل في الذاكرة. من عاش تضخما مفرطا لا يستعيد ثقته بالعملة بسهولة.

أ.ف.ب
متجر لصرافة الأموال يعرض أسعار العملات، في بوينس آيرس، الأرجنتين، 18 فبراير 2026

أما الأرجنتين فتقدم نموذجا مختلفا. فالدولة لم تنهَر، ولا تزال المؤسسات قائمة، لكن الذاكرة النقدية مثقلة بتجارب التضخم وخفض العملة وتقييدها. لذلك يشتري الأرجنتينيون الدولار حتى عندما تتحسن المؤشرات. يعكس ذلك واقع "الدولرة النفسية" أو "الثقافة الدولارية". وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن المواطنين يحتفظون بما يصل إلى 270 مليار دولار خارج النظام الرسمي، ويُعتقَد أنهم من أكبر حائزي الدولار النقدي خارج الولايات المتحدة. وعلى الرغم من تراجع معدل التضخم السنوي من أكثر من 211 في المئة في نهاية عام 2023 إلى نحو 43.5 في المئة في مايو/أيار 2025، فإن البيزو لم يستعد بالكامل ثقة المواطنين، ولا يزال الدولار حاضرا بقوة في ثقافة الادخار الأرجنتينية.

هل يمكن إحياء العملات الميتة؟

نعم، لكن بصعوبة. يفيد التاريخ بأن استعادة الثقة ممكنة، لكن التجارب تحذّر أيضا من أنها بطيئة ومؤلمة. فقد استعادت ألمانيا استقرارها بعد كارثة جمهورية فايمار (Weimar Republic) والتضخم المفرط الذي شهدته بين عامي 1921 و1923، ونجحت البرازيل في كبح التضخم في التسعينيات، خصوصا بعد إطلاق "خطة الريال" عام 1994 التي أعادت الاستقرار النقدي إلى الاقتصاد. أما تركيا، فقد أعادت بناء قدر من الثقة الاقتصادية بعد الأزمة المالية الحادة التي شهدتها عام 2001، وذلك عبر إصلاحات مصرفية ونقدية واسعة أسهمت في خفض التضخم وتحقيق مرحلة من الاستقرار الاقتصادي خلال العقد التالي. كل ذلك لم يحدث بطباعة أوراق جديدة أو بقرارات إدارية، بل بإصلاحات مالية ومصرفية عميقة. ليست العملة القوية سببا للدولة القوية فقط، بل نتيجة لها أيضا.

في النهاية، لا تعيش العملات على الذهب أو الورق أو الاحتياطيات وحدها، بل على شيء أكثر حساسية، وهو الإيمان الجماعي بالمستقبل. فالعملات لا تنهار حين تخسر قيمتها فقط، بل حين يفقد الناس إيمانهم بأن المستقبل يمكن قياسه بها. وحين يختفي هذا الإيمان، لا ينهار المال وحده؛ تبدأ العلاقة بين المواطن والدولة بالتآكل أيضاً.

font change