تنبثق الحاجة إلى الفن من التجربة الداخلية للكائن البشري، وهي منطقة تتجاوز مطلب الزينة والمتعة العابرة، وتمتد نحو إعادة ترتيب العلاقة بالعالم والزمن والذاكرة والجسد والموت. فالفن، قبل أن يتحول إلى مفهوم فلسفي مستقل داخل الحداثة الأوروبية، كان ممارسة شعائرية ورمزية وتقنية تتقاطع فيها الرغبة بالرهبة، والاحتفال بالخوف، واستحضار القوى الغامضة التي تحيط بالجماعة البشرية منذ بداياتها الأولى.
تكشف رسوم الكهوف في لاسكو وألتاميرا عن هذا الامتزاج الكثيف بين الصورة والطقس، حيث ارتبط الحيوان المرسوم بالصيد والخصب والسيادة على المجال الطبيعي، ضمن اقتصاد رمزي تتداخل فيه الأسطورة بالحياة اليومية. وتظهر دراسات الأنثروبولوجيا الدينية، كما عند ميرسيا إلياد، أن الإنسان القديم كان ينظر إلى الصورة والرقص والقناع والنقش بوصفها أفعالا قادرة على فتح منافذ نحو المقدس، وتوليد شكل من أشكال الحضور الكوني داخل العالم المادي.
تصور كوني
من داخل هذا الأفق يمكن إدراك أن لفظة "الفن" بمعناها الحديث لم تكن قائمة في أغلب الحضارات القديمة بالصورة المتداولة اليوم. فقد ارتبطت الممارسات التشكيلية والموسيقية والشعرية بفكرة الصنعة والحرفة والمهارة التقنية. وتشير الدراسات التاريخية والفنية إلى أن الإغريق استعملوا لفظة "تخني" (Technè) للدلالة على المعرفة العملية المنظمة التي تجمع بين المهارة والإتقان، وهو المعنى ذاته الذي حملته كلمة "آرس" (Ars) في الثقافة اللاتينية. من ثم فإن الرسام (المصور الصباغي) أو النحات أو الشاعر لم يكن منفصلا عن الحرفي أو البناء أو صانع السفن. وقد ظل هذا التصور سائدا قرونا طويلة، بحيث ارتبطت القيمة الفنية بالقدرة على الإنجاز والإحكام والتناغم، داخل تصور كوني يرى العالم بنية منسجمة قابلة للقياس والنسبة.






