عشرة كتب تشرح كيف تحولت كرة القدم إلى مرآة العالم

دراما شكسبيرية تتكشف فصولها داخل المستطيل الأخضر

AlMajalla
AlMajalla

عشرة كتب تشرح كيف تحولت كرة القدم إلى مرآة العالم

وراء صخب المدرجات يمتد رف هادئ تراكمت عليه طوال أكثر من قرن مكتبة كروية غنية يمر بها كثير من عشاق اللعبة مرور الكرام، مكتبة بدأت تتشكل يوم صارت كرة القدم لغة العالم المشتركة، فحملها مؤرخون نقبوا في جذورها، وسوسيولوجيون قرأوا في اقتصادها وسياستها وجه المجتمع، وصحافيون رأوا في المباراة الواحدة صورة مكثفة لزمنهم، حتى انحنى عليها روائيون وشعراء وحائزو نوبل يلتمسون فيها مادة للأدب الرفيع. تشعبت أشكال هذا الأدب بين التأريخ الموسوعي والتحليل التكتيكي والتحقيق الميداني والرواية والسيرة الذاتية، بيد أن ما يجمعها هم واحد: قراءة العالم من خلال المستطيل الأخضر.

يكمن سر هذا الثراء في مفارقة تسكن جوهر اللعبة: بساطتها الظاهرة تتيح لها استيعاب أعقد ما في الإنسان. تكفي قدم وكرة وخط أبيض ليتسع الملعب لقصص المنفى والطبقة، وللحرب والقومية وانكسار الأحلام، حتى يخرج القارئ خيرة ما كتب عنها بقناعة راسخة: تأريخ الكرة في القرن الماضي هو تأريخ القرن نفسه مرويا بلغة أخرى. تتعدد هذه الكتب بلغاتها وأزمنتها وأمزجتها، ويجمعها أن الملعب فيها أحد أصدق مسارح الحياة الحديثة وأكثرها كشفا لما يعتمل تحت السطح. تنتقي هذه القراءة عشرة من خيرة ما خطه هذا الرف من لغات وأمكنة وأزمنة متباعدة.

1. الكرة مدورة (The Ball Is Round - 2006) – ديفيد غولدبلات

كم من الجرأة تلزم لكتابة تاريخ العالم كله انطلاقا من كرة القدم؟ إنها مغامرة خاضها المؤرخ البريطاني ديفيد غولدبلات في عمل يتجاوز التسعمئة صفحة، يتعقب فيه اللعبة من مراعي إنكلترا الفيكتورية إلى أزقة بوينس آيريس، ومن مناجم وادي الرور إلى رمال ريو، وصولا إلى ملاعب أفريقيا المستعمرة واستادات آسيا الحديثة. يقدم الكتاب تأريخا للحداثة ذاتها أكثر منه سجلا للأهداف والبطولات، فيظهر كيف امتطت كرة القدم موجات الثورة الصناعية والإمبراطورية والهجرة والتلفزيون والمال حتى أمست أول ثقافة كونية يتقاسمها البشر.

المرجع الأشمل في بابه يعود إليه كل من أراد وضع لعبة محلية صغيرة في إطارها الكوني الواسع

ينظر غولدبلات إلى اللعبة بعين المؤرخ الاجتماعي، فيصل بين انتشارها وخطوط السكك الحديد والموانئ والمصانع التي حملها عمال بريطانيا وبحارتها إلى أطراف الأرض. تمر تحت قلمه محطات كبرى: تقنين القواعد في إنكلترا عام 1863، تلقف أميركا اللاتينية اللعبة وطبعها بسحرها الخاص، تجنيد الطغاة لها لتلميع حكمهم، من موسوليني وأبطاله عام 1934 إلى أنظمة المعسكر الشرقي، ثم انفجار المال والتلفزيون في أواخر القرن... يقرأ في صعود ناد أو منتخب صعود طبقة أو أمة أو أيديولوجيا، إلى أن تغدو الكرة عنده وثيقة تفهم بها الرأسمالية والاستعمار والقومية بمقدار ما تفهم بها التكتيكات.

غلاف "الكرة مدورة"

في هذا الطموح الكوني سر نفعه العملي: خريطة كبرى تضع كل ما يأتي بعده في موضعه. تتبدل نظرة قارئه إلى المباراة من حدث معزول إلى عقدة في شبكة تمتد عبر القارات والقرون، لتتكشف أمامه مفارقة تلازم اللعبة منذ نشأتها، تقول إن أشد الألعاب محلية في مظهرها هي أعمق تعبيرات العولمة في جوهرها. هذا الكتاب منذ صدوره هو المرجع الأشمل في بابه يعود إليه كل من أراد وضع لعبة محلية صغيرة في إطارها الكوني الواسع.

2. الهرم المقلوب (Inverting the Pyramid - 2008) – جوناثان ويلسون

يحسب كثيرون أن التكتيك مجرد جداول وأسهم على سبورة، فيأتي جوناثان ويلسون ليكشف أنه تاريخ أفكار وصراع فلسفات. حتى عنوانه استعارة بالغة الدلالة: انطلقت اللعبة من هرم هجومي تتكدس قمته بالمهاجمين في تشكيل 2-3-5، ثم انقلب رأسا على عقب عبر قرن كامل حتى استقر ثقله في الخلف. إنها رحلة طويلة من شهوة الهجوم إلى وسوسة الحذر.

غلاف "الهرم المقلوب"

يربط ويلسون كل تطور في التشكيل بمزاج الأمة التي أنجبته: يروي كيف ابتكر هربرت تشابمان نظام «W-M» (أو الخطة التكتيكية 3-2-2-3) في "أرسنال" ليحصن دفاعه، وكيف نزل المجريون عام 1953 إلى "ويمبلي" فهزموا إنكلترا في عقر دارها بستة أهداف لثلاثة، بفضل مهاجم متراجع حير مدافعيها (ناندور هيديكوتي)، ثم كيف رفع هيلينيو هيريرا "الكاتيناتشيو" الإيطالي حصنا من ارتياب متأصل، وأطلق "أياكس أمستردام" "الكرة الشاملة" مذهبا في الحرية والمساحة. يقرأ في المدرسة الدانوبية بفيينا نزوعا إلى الأناقة، وفي كل تشكيل رؤية للعالم تترجم إلى أحد عشر رجلا فوق العشب. يلفت ويلسون إلى أن هذه الأفكار عبرت الحدود على أقدام مدربين رحالة، من بينهم الإنكليزي جيمي هوغان الذي زرع مدرسته في فيينا وبودابست فأينعت هناك ثمارا حرم منها في موطنه، ويمتد خيطها إلى زمن الضغط العالي والمهاجم الوهمي الذي يعيد اليوم خلط الأوراق كلها.

يمنح القارئ بصيرة جديدة تتجلى في طريقة مشاهدته للمباراة عقب قراءته

تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يمنح القارئ بصيرة جديدة تتجلى في طريقة مشاهدته للمباراة عقب قراءته، فتلمح البنية الخفية تحت فوضاها الظاهرة وتتابع حوارا صامتا بين مدرسة وأخرى عبر العقود. يخاطب الكتاب من يريد فهم اللعبة أكثر مما يخاطب من يريد التدريب فيها، إذ يجعل التكتيك لغة تكتب بها كل ثقافة كروية هويتها على المستطيل الأخضر.

3. البرتقالي الساطع (Brilliant Orange - 2000) – ديفيد وينر

تتلخص كرة هولندا عند ديفيد وينر في كلمة واحدة: المساحة. في بلد انتزع أرضه من البحر بالسدود والاستصلاح، وحسب فيه كل شبر وصممه، ولدت كرة مهووسة بالفراغ، تتقن خلقه وتضييقه وتحريك اللاعبين لتوسيع الملعب أو خنقه، وهي "الكرة الشاملة" التي ابتكرها رينوس ميخيلس وبلغ بها يوهان كرويف ذروة الكمال الكروي.

غلاف "البرتقالي الساطع"

يقيم وينر جسرا طريفا بين مدرجات أمستردام ولوحات الفن الهولندي وعمارة المدن وهندسة المناظر، فيرى في هوس الهولنديين بتنظيم الفراغ على الملعب امتدادا لهوسهم التاريخي بترويض الطبيعة وترتيب المكان، حتى تستحيل الكرة الشاملة فلسفة جمالية قبل أن تكون خطة رياضية. تتردد الذائقة ذاتها في تجريد الفن الهولندي الحديث وصرامته الهندسية، ثم تمتد من "أياكس أمستردام" إلى برشلونة التي نقلها إليها كرويف مدربا فصارت مدرسة تتوارثها الأجيال.

كتاب يفسر سر بقاء تلك الكرة الأعمق أثرا في الذاكرة الجمالية للعبة

يحمل العمق الفكري للكتاب روحا ساخرة خفيفة يفصح عنها عنوانه الفرعي، "العبقرية العصابية لكرة القدم الهولندية". ثمة مفارقة تسكن النص: أمة صنعت أجمل كرة عرفها التاريخ وخسرت نهائيي مونديالي 1974 و1978 على عتبة المجد، حتى صار منتخبها أشهر خاسر جميل في الذاكرة، فالكمال الجمالي يقف أحيانا حائلا دون الكمال العملي. يتأمل وينر هذا التوتر بين الإبداع والانكسار حتى يخرج بكتاب عن هولندا بمقدار ما هو عن كرتها، كتاب يفسر سر بقاء تلك الكرة الأعمق أثرا في الذاكرة الجمالية للعبة.

4. الكرة ضد العدو (Football Against the Enemy - 1994) – سايمون كوبر

في مطلع تسعينات القرن الماضي حمل الصحافي الشاب سايمون كوبر فكرة واحدة وطاف بها العالم: كرة القدم مرآة صادقة للأمم تفضح ما تخفيه عن نفسها. زار اثنتين وعشرين دولة، من حطام الاتحاد السوفياتي إلى أرجنتين ما بعد الديكتاتورية، ومن أزقة القاهرة إلى ملاعب جنوب أفريقيا الخارجة لتوها من الفصل العنصري، جامعا شهادات على تشابك الكرة بالسلطة والقمع والهوية.

غلاف "الكرة ضد العدو"

يمزج كوبر في أسلوبه فضول الرحالة بذكاء المحلل وخفة الظل، فيروي الوقائع رواية حية بدل أن يثقلها بأطروحة أكاديمية. يكشف كيف استثمرت الديكتاتورية الأرجنتينية مونديال 1978 لتلميع وجهها أمام العالم، وكيف ظلت مباريات هولندا وألمانيا تستعاد فيها جراح الاحتلال النازي بعد عقود، وكيف صارت أندية ملاذا لهوية مقموعة وصوتا لمن حرم الصوت.

يصعب على من أنهاه مشاهدة لقاء بين منتخبين دون استحضار التاريخ والجراح والعداوات الراقدة خلف التسعين دقيقة

يقف المؤلف عند غلاسكو حيث تختصر مواجهة "سلتيك" و"رينجرز" قرونا من الانقسام الديني، وعند أفريقيا حيث تتشابك الكرة بالاستقلال والفساد والآمال المعقودة على المنتخبات الوطنية. يكتشف في كل محطة أن ما يجري على المدرجات صدى مكثف لما يجري في الشوارع والقصور.

أرسى الكتاب نوعا أدبيا كاملا يوم نال جائزة أفضل كتاب رياضي: قراءة العلاقات الدولية والصراعات القومية من بوابة الملعب. يصعب على من أنهاه مشاهدة لقاء بين منتخبين دون استحضار التاريخ والجراح والعداوات الراقدة خلف التسعين دقيقة، فيتحول المتفرج على يديه قارئا للعالم.

5. حروب كرة القدم (Wojna futbolowa - 1978) – ريتشارد كابوشينسكي

في يوليو/ تموز 1969 اندلعت حرب حقيقية بين الهندوراس والسلفادور حصدت آلاف القتلى في أيام معدودة عرفت بـ"حرب المئة ساعة"، حرب أشعلتها مباريات في تصفيات كأس العالم فوق فتيل قديم من نزاعات الهجرة والأرض. وقف البولندي ريتشارد كابوشينسكي وسط النار شاهدا ومراسلا، يدون كيف تفجر كرة ما تراكم من احتقان بين بلدين، ومن تلك الواقعة استمد كتابه عنوانه.

غلاف "حروب كرة القدم"

يضم "حروب كرة القدم" تقارير كتبها أحد أعظم مراسلي القرن العشرين متنقلا بين انقلابات أفريقيا وثورات أميركا اللاتينية وحروب الاستقلال، من الكونغو إلى الجزائر إلى أدغال أميركا الوسطى، تنتظم حول خيط رفيع من اللعبة: مباراة هنا تفضح قنبلة اجتماعية، وجمهور هناك يبوح بما تكتمه الرقابة. تتحول الصحافة على يده أدبا ويرتقي الخبر العابر مشهدا إنسانيا باقيا بفضل لغة شاعرية مكثفة جعلت منه أحد آباء أدب التحقيق الحديث. يكتب عن لاجئين يفرون تحت القصف وعن مدن تحترق، ثم يلتفت إلى ملعب أو هتاف يكشف الجذر الإنساني للكارثة.

ما من كاتب لامس هذه الحقيقة بمقدار ما لامسها بولندي رأى الحرب عن قرب وسمع في هتاف المدرجات نذرها

يستمد الكتاب تفرده في مكتبة الكرة من انتمائه الملتبس إليها: عمل صحافي كوني جعل اللعبة إحدى عدساته لقراءة الفوضى. في الأماكن المشتعلة تكشف الكرة عن وجهها الآخر، عن صوت عنيف للغضب والانتماء والكرامة الجريحة، وما من كاتب لامس هذه الحقيقة بمقدار ما لامسها بولندي رأى الحرب عن قرب وسمع في هتاف المدرجات نذرها.

6. ركلة فاروق الأخيرة (L'ultimo rigore di Faruk - 2016) – جيجي ريفا

في فلورنسا صيف عام 1990، تقدم البوسني فاروق هادجيبغيتش نحو نقطة الجزاء حاملا على كتفيه بلدا بأكمله. كانت تسديدة واحدة تفصل يوغوسلافيا عن نصف نهائي كأس العالم، فأمسك بها الحارس الأرجنتيني سيرخيو غويكوتشيا وأخرج "الجيل الذهبي" من البطولة في ركلة ظلت آخر ما جمع ذلك المنتخب على الإطلاق.

غلاف "ركلة فاروق الأخيرة"

بلغ ذلك الفريق ذروة في التعدد: ستويكوفيتش الصربي، الكرواتيان بروسينيتشكي وشوكر، البوسني فاروق ابن سراييفو التي ستحاصر وتقصف بعد عامين، المقدوني بانتشيف، السلوفيني كاتانيتش، وسافيتشيفيتش ابن الجبل الأسود. جاؤوا إلى إيطاليا وبلدهم يتصدع أصلا بعد أسابيع من أعمال شغب ملعب "مكسيمير" في زغرب التي صارت نذير الحرب. في غضون سنتين تفرق هؤلاء على جبهات متحاربة: رفع بانتشيف وسافيتشيفيتش كأس أوروبا مع النجم الأحمر البلغرادي في آخر مجد لكرة بلد يحتضر، وصار بروسينيتشكي وشوكر بطلي كرواتيا الجديدة في مونديال 1998، فيما استحال زملاء الأمس أبناء أعلام يقتتل بعضها بعضا.

هل كانت تلك تسديدة ضائعة أم آخر ما تقاسمه أبناء بلد واحد قبل أن يصير اسمه ذكرى على خريطة قديمة؟

من هذا الجرح ينسج الصحافي الإيطالي خبير الشأن البلقاني جيجي ريفا كتابه: عودة إلى أولئك الرجال بعد سنوات يجمع شهاداتهم، وقراءة في ركلة مهدرة تختصر لحظة أخيرة جمعت اليوغوسلاف قبل أن يبتلعهم الدم. تنزلق صفحاته من تقرير رياضي إلى مرثية هادئة لوطن متعدد تبدد، يخطها قلم يعرف الحرب معرفته بالملعب. يقف فاروق في قلب الكتاب رمزا موجعا: قائد بوسني حمل آخر ركلة لبلد موحد، ثم شهد مدينته سراييفو تغرق في أطول حصار عرفته أوروبا الحديثة.

حين تطوى الصفحة الأخيرة يظل سؤال معلقا: هل كانت تلك تسديدة ضائعة في مباراة، أم آخر ما تقاسمه أبناء بلد واحد قبل أن يصير اسمه ذكرى على خريطة قديمة؟

7. الرجل الأسود في كرة القدم البرازيلية (O negro no futebol brasileiro - 1947) – ماريو فيليو

في مطلع القرن العشرين احتكرت النخبة البيضاء كرة القدم في البرازيل وأوصدت أبوابها أمام السود والفقراء، ومن تلك الحقبة تنحدر حكاية صارت رمزا: لاعب هجين يطلي وجهه بمسحوق الأرز ليبدو أبيض البشرة، فيرث فريقه لقب "مسحوق الأرز" (Pó-de-arroz) في سخرية موجعة، وهذا الفريق هو نادي "فلومينينسي"، واحد من أشهر أندية كرة القدم في البرازيل، لعب له أساطير على غرار أديمير وريفيلينو وكارلوس ألبرتو وروماريو ومارسيلو وتياغو سيلفا وغيرهم.

غلاف "الرجل الأسود في كرة القدم البرازيلية"

على هذه التفاصيل الجارحة يبني الصحافي ماريو فيليو كتابه المؤسس عن العرق وكرة القدم في بلده، ففيه يؤرخ لرحلة اللاعب الأسود من الإقصاء إلى السيادة: من آرثر فريدنرايش، ابن المهاجر الألماني والأم الأفرو-برازيلية وأول النجوم الهجناء، إلى ليونيداس دا سيلفا "الماسة السوداء" الذي شاع عنه ابتكار المقصية وأبهر مونديال 1938، مرورا باللحظة التي كسر فيها نادي "فاسكو دا غاما" الحاجز عام 1923 بصفه لاعبين سودا وعمالا وإحرازه اللقب، فردت أندية النخبة بانشقاق وبقوانين في القراءة والاحتراف تقصي الفقراء والسود. من رحم هذا الصراع خرجت الكرة البرازيلية بأسلوبها الراقص الحر الذي صار علامتها لدى العالم، على حد قول فيليو.

يقرأ المتمعن فيه تاريخ البرازيل الحديث برمته من زاوية الملعب، حيث تتقاطع الكرة بالعبودية والهجرة وبناء الأمة

يتجاوز الكتاب حدود التأريخ الرياضي إلى وثيقة في علم الاجتماع البرازيلي، يفكك أسطورة "الديمقراطية العرقية" ويكشف الثمن الذي دفعه السود ليصيروا أبطالا في بلد طالما أنكرهم. يحمل ملعب ماراكانا الأسطوري اسم مؤلفه رسميا تكريما لأثره، تذكيرا بأن "الكرة الجميلة" التي يتغنى بها العالم جاءت انتصارا انتزع من قلب التمييز بثمن إنساني باهظ. يقرأ المتمعن فيه تاريخ البرازيل الحديث برمته من زاوية الملعب، حيث تتقاطع الكرة بالعبودية والهجرة وبناء الأمة.

8. أنا أفكر إذن أنا ألعب (Penso quindi gioco - 2013) – أندريا بيرلو

تخيل لاعبا يمقت الجري ويعد التدريبات البدنية إهانة لذكائه ويصف نفسه بلاعب شطرنج حل في جسد رياضي. هكذا يقدم أندريا بيرلو نفسه في مذكراته بنبرة ساخرة متراخية تنبع من فلسفته في اللعب ذاتها: قدم هادئة، انفعال مكتوم، وتمريرة واحدة حاسمة تكفي.

غلاف "أنا أفكر إذن أنا العب"

يكتب بيرلو مونولوغا فلسفيا خفيف الظل عن صانع ألعاب يطل على الملعب من عل. يروي لحظاته الكبرى بالخفة ذاتها التي يلامس بها الكرة: تتويجه بكأس العالم 2006، سنواته ذهبية في "ميلان" ثم انبعاثه نجما في "يوفنتوس"، وركلته "البانينكا" المتغطرسة في مرمى إنكلترا بكأس أوروبا 2012 حين رفعها بثقة مستفزة. يتنقل بين العشب وكرومه ونبيذه وصداقاته وعداواته الصغيرة، ويسخر بخفة من قدسية اللعبة المفتعلة وجدية أهلها الزائدة، فيكشف القلق الساكن خلف قناع اللامبالاة.

يكسر رتابة "سيرة النجم" المثقلة بالألقاب، فيستبدل بسرد الإنجازات عقلا يتأمل اللعبة برهافة وسخرية

يكسر هذا الكتاب رتابة "سيرة النجم" المثقلة بالألقاب، فيستبدل بسرد الإنجازات عقلا يتأمل اللعبة برهافة وسخرية، ويرفع الغرور إلى مرتبة الفن والكسل إلى مرتبة الفلسفة. تضحك وأنت تقرأه، ثم تفاجأ بأنك أدركت من جوهر اللعب ما عجزت عن إدراكه في مجلدات جادة، فاللاعب حين يملك صوتا يغدو كاتبا يضاهي الروائيين طرافة.

9. يونايتد الملعون (The Damned Utd - 2006) – ديفيد بيس

أربعة وأربعون يوما. هذه كل المدة التي دام فيها عهد براين كلوف مدربا لنادي "ليدز يونايتد" عام 1974 يوم خلف غريمه وأسطورة النادي دون ريفي على رأس فريق يمقته ويمقته لاعبوه، وعليها يبني ديفيد بيس روايته. يغوص بيس في رأس كلوف فيخرج بنص محموم متكرر: جمل قصيرة، قصيرة وقاطعة، تدور وتدور حول هاجس واحد، كراهية كلوف لريفي، الرجل الذي بنى "ليدز" على صورته فجاء كلوف يهدمها حجرا حجرا.

غلاف "يونايتد الملعون"

تنتمي تقنية بيس إلى الأدب الخالص: متكلم محموم، زمن مضارع خانق، وتكرار يحول الصفحة دوامة نفسية. تشعر أثناء القراءة أنك سجين عقل يأكله الحسد والكبرياء والوحدة. تتجاوز الرواية حدود المباريات إلى أعماق النفس البشرية وهي تتآكل تحت سطوة الطموح والحقد.

يغدو كرسي المدرب وغرفة الملابس مسرحا للمأساة يضاهي أي بلاط شكسبيري

أثار العمل جدلا وملاحقات قضائية رفعها بعض من ظهروا فيه، ومع ذلك رسخ واحدا من أعظم ما كتب من روايات عن كرة القدم ثم تحول إلى فيلم شهير. تتضاعف مرارته حين نتذكر أن كلوف نفسه نهض من ركام تلك الأيام الأربعة والأربعين ليقود نادي "نوتنغهام فورست إلى لقبين أوروبيين متتاليين، في انتصار مدهش للرجل الذي صورته الرواية محطما. تكمن عظمته في رفعه الكرة إلى مادة للأدب الجاد، فيغدو كرسي المدرب وغرفة الملابس مسرحا للمأساة يضاهي أي بلاط شكسبيري.

يطوي القارئ الكتاب وقد عرف كلوف من الداخل أعمق مما تتيحه سيرة رسمية: إنسانا في هشاشته العارية، بطلا ووغدا في آن واحد.

10. خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء (Die Angst des Tormanns beim Elfmeter - 1970) – بيتر هاندكه

يقف حارس المرمى وحيدا. أمامه منفذ الركلة وعليه حسم وجهته قبل انطلاق الكرة، مراهنا على حدس قد يخونه. في تلك اللحظة المعلقة بين الفعل والانتظار، بين السيطرة والعجز، يكثف بيتر هاندكه قلق الإنسان كله.

غلاف "خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء"

تطل كرة القدم على روايته الصادرة سنة 1970 من عتبتها وحدها. بطلها يوزف بلوخ، حارس مرمى سابق ينجرف بعد فقدان عمله في تيه غامض يفضي إلى جريمة غامضة الدوافع، ويتحرك في عالم استحال فيه كل شيء غريبا عنه، اللغة والأشياء والوجوه. يصف هاندكه هذا الانفصال بدقة مرعبة، يلتقط تفاصيل الأشياء التقاطا يفرغها من معناها حتى تتقطع الصلة بين الكلمة والشيء. يجعل من المرمى استعارة وجودية: حارس مرغم على التخمين، ومتفرج يترقب اللحظة الفاصلة، وفرد معزول أمام مصير يملك حياله التخمين وحده. ينتمي الكتاب إلى موجة الأدب النمساوي بعد الحرب التي جعلت الاغتراب همها الأكبر، ويقرأ اليوم نصا مؤسسا في أدب القلق الحديث.

ينتمي الكتاب إلى موجة الأدب التي جعلت الاغتراب همها الأكبر، ويقرأ اليوم نصا مؤسسا في أدب القلق الحديث

يأتي أسلوب هاندكه باردا دقيقا، عينا تسجل تفاصيل العالم وتعجز عن فهمه، فيعدي القارئ باغتراب بلوخ. مع الجملة الأخيرة عن الحارس وضربة الجزاء يتبين أن العنوان حمل مفتاحه الفلسفي منذ البداية. حول المخرج فيم فيندرز هذا الكتاب عام 1972 إلى إحدى علامات السينما الألمانية الجديدة، وجاءت جائزة نوبل تتويجا لصاحبه عام 2019 تأكيدا أن اللعبة تتسع لأسئلة الأدب الكبرى: في حارس مرماه يقف الإنسان الحديث وحيدا، يخمن وينتظر.

font change