تعيش السياسة البريطانية أياما لافتة، وما حدث في دائرة "ميكرفيلد" يختصر الكثير من ملامحها. للوهلة الأولى، لم تكن الانتخابات الفرعية هناك سوى اقتراع عادي يغير هوية النائب عن دائرة واحدة. غير أن هذه الدائرة لم تكن عادية، ولا كان التغيير فيها عاديا. فبعد حصوله على أكثر من نصف الأصوات، ونجاحه في إحباط تقدم "حزب ريفورم"، أظهر آندي بورنهام أن وضع "حزب العمال" لم يبلغ حد اليأس.
بعد تسعة أعوام من الغياب عن وستمنستر، يعود بورنهام، عمدة مانشستر السابق واسع الشعبية، إلى البرلمان. وكانت محاولته السابقة للترشح قد تعثرت في ظل الحكومة الحالية برئاسة السير كير ستارمر، بعدما حال الجهاز التنفيذي في الحزب دون ترشيحه، في وقت كانت شعبية رئيس الوزراء تتراجع على نحو متسارع. واحتاج الأمر إلى استقالة النائب جوش سايمونز من مقعده في دائرة ميكرفيلد، بمنطقة ويغان في مانشستر الكبرى، كي تتاح لبورنهام فرصة ثانية.
كانت لدى بورنهام ورقة قوة أساسية، هي الاحترام الذي يحظى به محليا. أما ما كان يعمل ضده، فهو السجل الانتخابي الأخير للدائرة. فالقضية الطاغية في السياسة البريطانية اليوم هي صعود اليمين، ممثلا في "حزب ريفورم يو كيه" بزعامة نايجل فاراج، وفي حركة "ريستور بريتن" المنشقة بقيادة روبرت لو. وفي الانتخابات المحلية التي جرت في مايو/أيار، تلقى "حزب العمال" هزيمة قاسية على يد "ريفورم"، ولم يخرج ناخبو ميكرفيلد عن هذا الاتجاه. وبالنسبة إلى حكومة لم يمض على فوزها الكاسح عامان، كانت تلك لحظة خطر حقيقية، بلغت فيها الدعوات إلى رحيل ستارمر ذروتها.
كان وزير الصحة، ويس ستريتنغ، أول من غادر الحكومة. وقبل أيام قليلة فقط، لحق به وزير الدفاع جون هيلي. وقد شهدت بريطانيا هذا النمط من قبل، وخصوصا حين بدأت السلطة تنحسر عن بوريس جونسون. فمتى أخذت الأسئلة تدور حول قدرة رئيس الوزراء على البقاء، لا يطول الوقت قبل أن تتسع دائرة التشكيك. ومنذ أسابيع، وجد كير ستارمر نفسه في هذا الموقع الصعب. وهناك تضارب في الخيار الذي سيلجأ إليه ستارمر خلال الساعات القليلة المقبلة، فبينما ذكرت أنباء أنَّه من المتوقع أن يستقيل من منصبه، غدا الاثنين، ويُحدّد إطارا زمنيا لرحيله، قال مصدر حكومي إن ستارمر لا يزال يركز على المضي قدماً في مهام الحكم.
فمن هو آندي بورنهام، ولماذا تكتسب عودته إلى البرلمان كل هذه الأهمية؟

