ما بعد هرمز... اقتصاد عالمي جديد يُولد من قلب الحرب

أسواق الطاقة والتجارة العالمية والبنوك المركزية تدخل مرحلة جديدة عنوانها ترقب المخاطر الدائمة وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد

رويترز
رويترز
سفن تقف في مضيق هرمز بالقرب من ميناء بندر عباس في إيران، 30 يونيو/حزيران 2026

ما بعد هرمز... اقتصاد عالمي جديد يُولد من قلب الحرب

هناك تساؤلات مشروعة حول المسار الذي سيسلكه الاقتصاد العالمي بعد انتهاء الحرب مع إيران. فما الذي يمكن أن يخلّفه إغلاق مضيق هرمز لأكثر من مئة يوم على أسواق الطاقة العالمية وتوازناتها؟

يرى كثيرون أن هذه الأزمة قد تسرّع التحول نحو مصادر الطاقة البديلة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها من مصادر الطاقة النظيفة، مع توقعات بارتفاع الطلب عليها خلال السنوات المقبلة، في إطار سعي الدول إلى تقليل اعتمادها على الممرات البحرية الحساسة جيوسياسيا.

وفي المقابل، لا يُستبعد أن تشهد بعض الدول الغنية بالفحم، مثل الصين والهند، عودة مؤقتة إلى الاعتماد على هذا المصدر لتأمين احتياجاتها من الطاقة، على الرغم من التوجهات العالمية الرامية إلى خفض الانبعاثات الكربونية.

أما في قطاع النفط والغاز، فمن المرجح أن تتعزز القدرات الإنتاجية في دول مثل فنزويلا والبرازيل وكندا، وربما كولومبيا، إلى جانب الولايات المتحدة التي تمتلك طاقات كبيرة في إنتاج النفط والغاز الصخريين، في محاولة لتعويض أي اضطرابات مستقبلية في الإمدادات.

قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي، كان يعبر مضيق هرمز يوميا ما بين 90 و110 سفن، إلا أن حركة الملاحة انهارت بأكثر من 90 في المئة في ذروة الاضطرابات

وعلى الرغم من انتهاء الحرب والتأكيد أن ناقلات النفط والسفن التجارية ستعبر مضيق هرمز بأمان ومن دون رسوم أو إتاوات، فإن شركات التأمين وملاك السفن لا يزالون يتعاملون بحذر مع الأوضاع في المضيق. وقد يستغرق الأمر وقتا طويلا قبل أن تستعيد الأسواق ثقتها الكاملة بأمن الملاحة في الخليج العربي وخليج عُمان، بعدما تركت الحرب آثارا عميقة ليس فقط على أسواق النفط، بل أيضا على سلوك المستثمرين وحسابات المخاطر لدى العاملين في قطاع الطاقة.

أ.ف.ب
الأضرار التي لحقت بحقل نهر بن عمر للنفط والغاز عقب سقوط صاروخ مجهول، البصرة، العراق، 29 أبريل/نيسان 2026

لذلك، لا يقتصر إرث الحرب على الخسائر المباشرة أو تقلبات الأسعار، بل يمتد إلى إعادة تشكيل تصورات الدول والشركات في شأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد. ويتزايد الاعتقاد بأن مرحلة ما بعد الحرب لن تكون امتدادا لما قبلها، وبأن النظام العالمي للطاقة قد يكون مقبلا على تحولات استراتيجية تتجاوز حدود الأزمة نفسها.

دول الخليج تترقب عودة نشاطها

بعد التوصل إلى اتفاق إعادة فتح مضيق هرمز في منتصف يونيو/حزيران 2026، بدأت دول الخليج المنتجة للنفط والغاز تستعيد تدريجيا قدرتها على تصدير النفط الخام والغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى المنتجات المكررة والبتروكيماويات والأسمدة. كما استعادت البحرين تدريجيا قدرتها على تصدير منتجات الألمنيوم، التي تعتمد بصورة كبيرة على انسيابية حركة الشحن البحري.

قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي، كان يعبر مضيق هرمز يوميا ما بين 90 و110 سفن، إلا أن حركة الملاحة انهارت بأكثر من 90 في المئة في ذروة الاضطرابات. فيما تشير أحدث البيانات إلى أن الملاحة بدأت تستعيد نشاطها تدريجيا، مع عبور عشرات السفن في بعض الأيام، غير أن الحركة لا تزال أدنى بكثير من مستوياتها الطبيعية قبل الأزمة، كما أنها تبقى عرضة لانتكاسات مفاجئة إذا تجددت التوترات. ولا يزال حجم الشحنات المصدّرة لم يلامس نصف مستويات صادرات النفط الخام المسجلة قبل الحرب، وهو ما يعكس استمرار القيود التشغيلية والمخاطر الأمنية.

وفي الوقت نفسه، تواصل شركات الشحن والتأمين التعامل بحذر مع المرور عبر المضيق، في انتظار استقرار الأوضاع الأمنية وانخفاض مستويات المخاطر وعودة أقساط التأمين إلى معدلاتها المعتادة.

ومع ذلك، فإن المؤشر الأكثر دلالة على مستقبل التجارة لا يُحصر في عدد السفن العابرة حاليا، بل في حركة السفن الفارغة المتجهة إلى الخليج. وتعكس هذه الحركة توقعات شركات الشحن في شأن الطلب المستقبلي، إذ إن الناقلات لا تتجه فارغة إلى المنطقة إلا عندما تتوقع وجود شحنات في انتظارها.

لم يعد أسطول الشحن العالمي يكتفي بالاستجابة لإشارات السوق، بل بدأ فعليا بإعادة توزيع سفنه على المستوى العالمي، مع انحسار الازدحام تدريجيا وتحسن إمكان الوصول إلى موانئ الخليج

ويحمل هذا التباين دلالة مهمة، فهو يشير إلى أن أسطول الناقلات بدأ يعيد تموضعه استعدادا لعودة الطلب، حتى قبل تعافي حركة الصادرات بالكامل. أي أن شركات الشحن تراهن على أن عودة السفن إلى الخليج اليوم ستتبعها زيادة في الشحنات التجارية خلال الفترة المقبلة.

ولا بد من الإشارة إلى أن السفن العالقة داخل الخليج ومحيطه بفعل واحدة من أكبر حالات التكدس في حركة الشحن البحري خلال السنوات الأخيرة، وقد تسببت باختناقات لوجستية قد يستغرق تفكيكها بالكامل أسابيع حتى في ظل استقرار الأوضاع الأمنية.

أ.ف.ب
دخان حريق يتصاعد من مطار دبي عقب استهداف إيراني، 16 مارس/آذار 2026

وتعكس أسعار الشحن هذه التحولات بوضوح. فوفقا لبيانات مجموعة "أل أس إي جي" (London Stock Exchange Group LSEG)، هبطت عوائد تشغيل ناقلات النفط العملاقة (VLCC) على المسارات الرئيسة من الشرق الأوسط إلى أدنى مستوياتها منذ ما قبل اندلاع الحرب. وانخفضت أجور استئجار ناقلة نفط عملاقة على خط الشرق الأوسط–الصين إلى نحو 287 ألف دولار يوميا، مقارنة بأكثر من 500 ألف دولار يوميا قبيل إعلان اتفاق السلام.

وفي المقابل، ارتفعت أجور استئجار الناقلات الأصغر حجما بشكل طفيف، نتيجة تمركز أعداد كبيرة من الناقلات العملاقة في منطقة الخليج، الأمر الذي قلّص الطاقة الاستيعابية المتاحة في مناطق أخرى من العالم، ودفع أسعار الشحن فيها إلى الارتفاع.

 ماذا عن الطلب على النفط؟

يبقى السؤال الأهم هل سيكون الطلب العالمي قويا بما يكفي للحفاظ على أسعار النفط عند مستويات مرتفعة؟

فخلال الحرب، قفزت أسعار خام برنت إلى نحو 126 دولارا للبرميل مدفوعة بمخاوف انقطاع الإمدادات وإغلاق مضيق هرمز، قبل أن تتراجع سريعا عقب إعلان الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح المضيق. ومع انحسار علاوة المخاطر الجيوسياسية، انخفضت الأسعار إلى ما دون 80 دولارا للبرميل، بل اقتربت في نهاية يونيو/حزيران من 73 دولاراً، وسط توقعات بتزايد المعروض العالمي وتباطؤ نمو الطلب، ولا سيما في الصين.

خفضت الوكالة توقعاتها للطلب العالمي على النفط في عام 2026، متوقعة انكماشه بنحو 1.1 مليون برميل يوميا مقارنة بعام 2025، كما خفضت تقديراتها السابقة للطلب بمقدار 700 ألف برميل يوميا

أما دول الخليج، التي تكبدت خسائر كبيرة في إيرادات النفط والغاز خلال الأشهر الماضية، فلن تتمكن من استعادة مستويات الإنتاج والتصدير السابقة بين ليلة وضحاها. فإعادة تشغيل الحقول والآبار والمنشآت النفطية تتطلب أعمال فحص وصيانة مكثفة، إلى جانب إصلاح الأضرار التي لحقت ببعض البنى التحتية جراء الهجمات، فضلا عن تنفيذ معالجات فنية لإعادة الآبار إلى معدلاتها الإنتاجية الطبيعية. وينطبق الأمر ذاته على المصافي ومصانع البتروكيماويات ومنشآت معالجة الغاز، التي تحتاج إلى وقت قبل أن تعود للعمل بكامل طاقتها.

رويترز
حقل نفطي في راس تنورة، السعودية، 21 مارس/آذار 2018

وهذا يعني أن أسواق الطاقة ستدخل مرحلة انتقالية معقدة. فبينما يتعافى جانب العرض تدريجيا، تبدو آفاق الطلب أقل وضوحا في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي، وزيادة الإمدادات من خارج منطقة الخليج، واستمرار الضغوط نحو التحول إلى مصادر طاقة بديلة. ومن ثم، فإن استقرار الأسعار مستقبلا لن يتوقف على استعادة الإنتاج الخليجي فحسب، بل أيضا على قدرة السوق العالمية على استيعاب هذا المعروض دون أن تتحول من أزمة نقص الإمدادات إلى فائض في المعروض.

وترى وكالة الطاقة الدولية (IEA) أن سوق النفط قد تنتقل من حالة العجز التي سادت خلال الحرب إلى فائض كبير في المعروض خلال عام 2027، مع عودة إنتاج دول الخليج وإيران تدريجيا، وارتفاع الإمدادات العالمية بوتيرة تفوق نمو الطلب. وحسب الوكالة، من المتوقع أن ينخفض المعروض العالمي من النفط بمقدار 3.9 ملايين برميل يوميا ليصل إلى 102.4 مليون برميل يوميا في عام 2026، قبل أن يرتفع مجددا بمقدار 8 ملايين برميل يوميا إلى 110.3 ملايين برميل يوميا في عام 2027.

وفي الوقت نفسه، خفضت الوكالة توقعاتها للطلب العالمي على النفط في عام 2026، متوقعة انكماشه بنحو 1.1 مليون برميل يوميا مقارنة بعام 2025، كما خفضت تقديراتها السابقة للطلب بمقدار 700 ألف برميل يوميا، في ظل تأثير ارتفاع الأسعار واضطرابات الإمدادات على الاستهلاك العالمي.

ومن المرجح أن تعطي الدول الصناعية الكبرى أولوية لإعادة بناء مخزوناتها النفطية الاستراتيجية، تحسبا لاحتمال تجدد الاضطرابات الأمنية في الشرق الأوسط أو تعرض سلاسل الإمداد العالمية لصدمات جديدة. وقد اكتسبت هذه المخزونات أهمية متزايدة منذ تأسيس وكالة الطاقة الدولية عام 1974، استجابة لأزمة النفط الأولى التي اندلعت في أعقاب الحظر النفطي العربي عام 1973، ثم تعزز دورها عقب الصدمة النفطية الثانية عام 1979، عندما أدت الثورة الإيرانية إلى اضطرابات واسعة في الإمدادات العالمية. ومنذ ذلك الحين أصبحت المخزونات الاستراتيجية إحدى أهم أدوات أمن الطاقة لدى الدول الصناعية، إذ تُستخدم لتخفيف أثر الانقطاعات المفاجئة في الإمدادات وتهدئة تقلبات الأسواق.

منذ إعلان الاتفاق بين واشنطن وطهران في 15 يونيو/حزيران الماضي، عبر نحو 640 ألف طن متري من الكبريت مضيق هرمز، لى وجهات من بينها إندونيسيا والمغرب وتنزانيا والصين

لكن كيف ستنعكس هذه التطورات على أسعار النفط؟ تشير معظم التقديرات إلى أن السوق تتجه نحو مرحلة من الاستقرار النسبي بعد انتهاء الحرب، وإن كانت التوقعات لا تزال متفاوتة بين المؤسسات المالية. فبينما يرى بعض المحللين في "باركليز" أن خام برنت قد يستقر في نطاق يتراوح بين 85 دولارا في 2026 و96 دولارا في 2027، خفض بنك سيتي متوسط توقعاته لسعر خام برنت إلى 75 دولارا للبرميل في الربع الثالث من عام 2026 و70 دولارا للبرميل في الربع الرابع.

كما خفض البنك توقعاته لسعر خام برنت في عام 2027 إلى 65 دولارا للبرميل، مقارنة بتوقعاته السابقة البالغة 80 دولارا، مشيرا في مذكرة بحثية إلى أنه بات يتبنى السيناريو الأكثر تشاؤما الذي كان يطرحه سابقا كاحتمال بديل.

أ.ف.ب
حركة مضيق هرمز في 27 يونيو/حزيران 2026

وفي جميع الأحوال، ستظل الأسعار رهينة ثلاثة عوامل رئيسة: سرعة استعادة الإمدادات النفطية العالمية، واستقرار الأوضاع الأمنية في الخليج والشرق الأوسط، وأداء الاقتصاد العالمي، ولا سيما وتيرة النمو في الصين والاقتصادات الصناعية الكبرى. فحتى مع انحسار المخاطر الجيوسياسية، قد يؤدي تباطؤ النشاط الاقتصادي أو فائض المعروض إلى الحد من أي ارتفاعات مستدامة في الأسعار.

ما هي أبرز القطاعات المتضررة؟

لم تقتصر تداعيات الحرب على قطاع الطاقة، بل امتدت إلى قطاع الصناعات التحويلية الذي واجه اضطرابات في سلاسل الإمداد ونقصا في المواد الأولية. كما تعرض القطاع الزراعي لضغوط متزايدة بسبب نقص إمدادات الأسمدة، ولا سيما اليوريا، التي تُعد أكثر الأسمدة النيتروجينية استخداما في العالم وعنصرا أساسا في رفع إنتاجية المحاصيل. فقد كان يمر عبر مضيق هرمز، قبل الحرب، نحو ثلث تجارة اليوريا العالمية ونحو نصف تجارة الكبريت المنقول بحرا، وهو أيضا مادة أولية رئيسة في صناعة الأسمدة. وأدى تعطل هذه الإمدادات إلى ارتفاع أسعار الأسمدة عالميا، ودفع كثيرا من المزارعين إلى خفض استخدامها، مما أثار مخاوف من تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء خلال المواسم المقبلة.

ومنذ إعلان الاتفاق بين واشنطن وطهران في 15 يونيو/حزيران الماضي، عبر نحو 640 ألف طن متري من الكبريت مضيق هرمز، إلى وجهات من بينها إندونيسيا والمغرب وتنزانيا والصين، وفقا لأحدث تحليل لتدفقات التجارة أجرته وكالة "أرغوس" (Argus) المتخصصة في تقارير أسعار السلع. ويقارن ذلك بإجمالي 80 ألف طن فقط تم شحنها طوال فترة الحرب التي استمرت ثلاثة أشهر ونصف الشهر. وفي الوقت نفسه، أظهرت أحدث بيانات شركة الاستشارات "سي آر يو" (CRU) أن نحو 427 ألف طن من اليوريا عبرت المضيق منذ الاتفاق المؤقت، مقارنة بـ275 ألف طن فقط خلال فترة الحرب.

انخفض عدد السياح في السعودية خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 بنحو 5 إلى 6 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق

وزير السياحة أحمد الخطيب

بالتالي، يترقب قطاع الصناعات التحويلية توفر الإمدادات اللازمة والمنتجات البترولية والكيماوية الأخرى التي تمثل مدخلات مهمة في هذه الصناعات التي تشمل الصناعات الانشائية وصناعة السلع المعمرة، والسيارات والصناعات الدوائية وغيرها.

ولم تقتصر تداعيات الحرب على قطاع الطاقة والصناعة، بل امتدت إلى قطاعات خدمية رئيسة، في مقدمتها الطيران والسياحة والضيافة. فقد أدى ارتفاع أسعار وقود الطائرات، وإغلاق أجزاء من المجال الجوي في الشرق الأوسط، وإطالة مسارات الرحلات، إلى زيادة ملموسة في التكاليف التشغيلية لشركات الطيران، الأمر الذي دفع العديد منها إلى رفع أسعار التذاكر أو فرض رسوم إضافية على الوقود، كما أدى إلى تراجع الطلب على السفر، ولا سيما الرحلات السياحية والترفيهية.

شاترستوك
جبل الفيل في العلا، السعودية

ومع إعلان اتفاق وقف الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، انخفضت أسعار وقود الطائرات بشكل حاد، إذ تراجعت في السوق الأميركية من نحو 4.88 دولارات للغالون إلى نحو 2.85 دولار للغالون، كما هبط سعر وقود الطائرات في الأسواق العالمية من مستويات تجاوزت 170 دولارا للبرميل أثناء الحرب، إلى نحو 119 دولارا للبرميل في نهاية يونيو/حزيران. غير أن هذا الانخفاض لم ينعكس بصورة مباشرة على أسعار التذاكر، إذ فضلت معظم شركات الطيران الاحتفاظ بمستويات الأسعار المرتفعة لتعويض خسائرها السابقة، في ظل استمرار محدودية السعة التشغيلية وتأخر تسليم الطائرات الجديدة وعودة الطلب تدريجيا إلى مستوياته الطبيعية.

كما امتدت تداعيات الحرب إلى قطاعي السياحة والضيافة، اللذين يعتمدان بصورة مباشرة على حركة الطيران وثقة المسافرين. فانخفضت معدلات الإشغال الفندقي وإيرادات الفنادق وبيوت الضيافة في عدد من دول الخليج. وأظهرت بيانات منظمة الأمم المتحدة للسياحة (UN Tourism) تراجع أعداد السياح الوافدين إلى الشرق الأوسط بنسبة 14 في المئة على أساس سنوي خلال الربع الأول من عام 2026، في وقت واصل فيه القطاع السياحي العالمي نموه بنحو 2 في المئة، بما يعكس الأثر المباشر للحرب على حركة السفر إلى المنطقة.

وفي السعودية، كشف وزير السياحة أحمد الخطيب أن عدد السياح خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 انخفض بنحو 5 إلى 6 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مرجعا ذلك إلى تداعيات الحرب، مع تأكيده أن السياحة الدينية حدّت من حجم التراجع.

أما في الإمارات، فقد أطلقت حكومة دبي حزمة دعم بقيمة 2.5 مليار درهم (681 مليون دولار) لمساندة القطاعات الأكثر تضررا، وفي مقدمتها السياحة والتجزئة، في ظل ضعف الإشغال الفندقي وتراجع ثقة المسافرين خلال ذروة الأزمة.

أكدت الحرب مجددا أن أسواق النفط والغاز لا تزال تمثل المحرك الرئيس للتضخم العالمي. ففي الولايات المتحدة بلغ معدل التضخم السنوي نحو 4.3 في المئة في مايو/أيار الماضي، بينما سجلت منطقة اليورو 3.2 في المئة في الشهر نفسه

غير أن المؤشرات بدأت تتحسن تدريجيا بعد اتفاق وقف الحرب، مع استعادة شركات الطيران الخليجية نحو 90 في المئة من طاقتها التشغيلية بحلول منتصف يونيو/حزيران الماضي، وبدء عودة المسافرين تدريجياً إلى استخدام مراكز العبور الخليجية، الأمر الذي انعكس على تحسن الحجوزات الفندقية، وإن بقيت دون مستويات ما قبل الحرب.

من صدمة الطاقة إلى معركة التضخم العالمية

أكدت الحرب مجددا أن أسواق النفط والغاز لا تزال تمثل المحرك الرئيس للتضخم العالمي. ففي الولايات المتحدة بلغ معدل التضخم السنوي نحو 4.3 في المئة في مايو/أيار الماضي، بينما سجلت منطقة اليورو 3.2 في المئة في الشهر نفسه، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة.

أ.ف.ب
أسعار مرتفعة للوقود في محطة "شل" للوقود في لوس أنجلوس، 9 مارس/آذار 2026

واستجابة لهذه الضغوط، أبقى مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي سعر الفائدة بين 3.5 و3.75 في المئة في اجتماعه الأول برئاسة كيفن وارش، مع الإشارة إلى أن عددا من صناع السياسة لا يزالون يتوقعون رفعا إضافيا للفائدة قبل نهاية العام إذا استمرت الضغوط التضخمية. وفي المقابل، رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في يونيو/حزيران لمواجهة انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى بقية مكونات التضخم.

لكن مع انتهاء الحرب، وتراجع أسعار النفط، بدأت الضغوط التضخمية بالانحسار. وتشير أحدث البيانات إلى أن التضخم في منطقة اليورو قد يتراجع إلى نحو 3.0 في المئة في يونيو/حزيران، مما خفف الضغوط على البنك المركزي الأوروبي لمواصلة رفع أسعار الفائدة.

لذلك، يترقب المستثمرون ما إذا كان استمرار استقرار أسواق الطاقة وتراجع التضخم سيفتح الباب أمام تثبيت أسعار الفائدة، وربما خفضها خلال عام 2027، إلا أن ذلك سيظل رهنا باستقرار الأوضاع الجيوسياسية واستمرار تراجع الضغوط التضخمية.

font change

مقالات ذات صلة