هرمز لم يعد مغلقاً... لكنه ليس مفتوحاً بالكامل أيضاً

إدارة ترمب تستعير أساليب "أسطول الظل" الروسي لتحريك السفن

(رويترز)
(رويترز)
ناقلة نفط راسية في ميناء الفجيرة وسط تراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، 6 مايو 2026

هرمز لم يعد مغلقاً... لكنه ليس مفتوحاً بالكامل أيضاً

حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيفتح مضيق هرمز، كان يعني في الواقع أن واشنطن ستسمح، وربما تشجع، ممارسات رمادية تشبه تلك التي تعتمدها "أساطيل الظل" التابعة لروسيا وإيران وفنزويلا. فكثير من السفن التي تدخل المضيق أو تغادره اليوم تتحرك في العتمة، بعد إطفاء أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها، في محاولة لتفادي الرصد الإيراني. فطهران تطلق النار بين حين وآخر على ما تعتبره سفنا مارقة، بينما تفرض رسوما على سفن أخرى.

وهكذا، لا يبدو مضيق هرمز مغلقا بالكامل كما ظن العالم، لكنه لا يزال بعيدا عن أن يكون مفتوحا على نحو كامل.

فخلال الأيام الأخيرة، عبرت عشرات السفن المضيق، بينها عدد كبير من ناقلات النفط، تحت أنظار البحرية الأميركية، سالكة ممرا غير معتاد يلاصق الساحل العماني، بدلا من الطريق التقليدي في الوسط، أو المرور عبر نقطة الجباية التي أقامتها طهران على الضفة الشمالية. وكان ذلك من بين العوامل التي أبقت أسعار النفط في حدود 90 دولارا تقريبا، بدلا من قفزها إلى مستويات أعلى، كما أشار ترمب نفسه، رغم تراجع المخزونات العالمية وتراكم العجز بعد 100 يوم من الحرب.

لكن ما يصعب تفسيره أكثر هو بقاء أسعار النفط تحت السيطرة، رغم تصعيد ترمب تهديداته باستئناف العمليات العسكرية ضد إيران، بما في ذلك التلويح بالسيطرة على صناعتها النفطية، قبل أن يتراجع عن تلك التهديدات بعد ساعات قليلة فقط.

(أسوشييتد برس)
شخص يقف في المياه الضحلة فيما ترسو سفن تجارية وناقلات شحن في مضيق هرمز قبالة بندر عباس الإيرانية، 8 يونيو 2026

ورغم خطر انزلاق المنطقة إلى الحرب مرة أخرى، تحدثت تقارير في الأيام الأخيرة عن مناقصات لزيادة صادرات النفط من دول مثل الإمارات والعراق، في مؤشر إلى أن بعض النفط لا يزال يجد طريقه إلى خارج منطقة الخليج. وقال ترمب إن العملية الأميركية سمحت بمرور 100 مليون برميل من النفط عبر الطوق الإيراني، أي ما يعادل نحو 2.5 مليون برميل يوميا منذ مطلع مايو/أيار، أو ما يقارب سدس الكمية الإجمالية التي كانت تعبر قبل الحرب. إنها بداية جيدة، لكنها لا تعني أن الأمور عادت إلى مسارها الطبيعي.

مضيق هرمز لا يبدو مغلقا بالكامل كما ظن العالم، لكنه لا يزال بعيدا عن أن يكون مفتوحا على نحو كامل

وقال غريغوري برو، محلل شؤون إيران في "مجموعة أوراسيا": "لم نصل إلى تلك المرحلة بعد. كان هناك دائما هامش يسمح للسفن بالتسلل إلى الخارج، لكن سقفه لا يتجاوز على الأرجح مليونين إلى 3 ملايين برميل يوميا".

حدث هذا "الفتح الظاهري" بسرعة كبيرة، رغم أن ترتيباته كانت تجري، على ما يبدو، خلف الكواليس منذ أسابيع. ففي الأسبوع الماضي، أفادت وكالة "بلومبرغ" بأن القيادة المركزية الأميركية رصدت عبور نحو 1000 سفينة عبر المضيق خلال الشهرين الماضيين، وهو عدد يفوق بكثير ما أحصته جهات تتبع حركة الملاحة البحرية، التي سجلت نحو 600 عملية عبور فقط. وفي حين تستخدم بعض جهات التتبع صور الأقمار الاصطناعية، يعتمد كثير منها على أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بـ"نظام التعرف الآلي" لمراقبة تحركات السفن، التي تبقيها معظم السفن التي تمارس أنشطة تجارية مشروعة قيد التشغيل.

(أ.ف.ب)
أسعار الوقود معروضة في محطة وقود بمدينة شيكاغو الأميركية، 9 يونيو 2026

ويبدو أن بعض السفن العالقة، بما فيها ناقلات النفط، بدأت تتسلل إلى خارج الخليج محملة بشحنات نفط سحبت من مخزونات دول مثل العراق والكويت. فالنفط الذي يخرج بكميات ملحوظة ليس إيرانيا في الأساس، بعدما هبطت صادرات طهران إلى أقل من 250 ألف برميل يوميا، بل هو جزء من خام دول أخرى كبرى في "أوبك". وباختصار، تستخدم هذه السفن العالقة "مسار طوارئ" للخروج من اختناق ملاحي هائل. وقد لا يكون ذلك حلا مستداما، لكنه مفهوم في ظل الظروف الراهنة.

وقال سمير مدني، الشريك المؤسس لموقع "تانكر تراكرز": "ما زلنا في الأيام الأولى، لكن يمكن توقع قدر من التعافي. ما يحدث الآن ليس سوى خطوات صغيرة".

النفط الذي يخرج من مضيق هرمز ليس إيرانيا في الأساس، بعدما هبطت صادرات طهران إلى أقل من 250 ألف برميل يوميا

من الواضح أن بعض النفط لا يزال يجد طريقه إلى خارج الخليج. فقد طرحت شركة "بترول أبوظبي الوطنية" (أدنوك)، شركة النفط الحكومية في الإمارات، مناقصتها الثانية لبيع النفط في غضون أسبوع واحد. كما طرحت الكويت مناقصات لمنتجات نفطية، في خطوة تعد من أوائل خطواتها من هذا النوع منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. ويبدو أن معظم الصادرات الفعلية تجري عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى خارج الخليج، بما يسمح للناقلات التي تحمل الخام من داخله بالعودة سريعا لإعادة التحميل. وهذه بدورها تقنية أقرب إلى أساليب الأساطيل الملتوية، مثل الأسطولين الروسي والإيراني.

غير أن المشكلة أن الصادرات التي تنجح في الخروج تأتي من المخزونات، لا من إنتاج جديد، فالإنتاج لا يزال متوقفا، ومن المرجح أن يبقى كذلك لأشهر.

وهذا أشبه بتغطية عجز بعجز آخر. فإضافة بضعة ملايين من البراميل يوميا قد تكفي لإبقاء أسعار النفط دون عتبة المئة دولار، لكن ذلك لا يجدي نفعا حين تكون هذه البراميل مسحوبة من المخزون. ومن المفارقات أن إحدى الدول التي بدت الأكثر تحصنا أمام صدمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران، وهي الدولة التي أشعلت تلك الحرب، بدأت بدورها تحسب مخزوناتها بحذر متزايد.

(رويترز)
ضابط بحري أميركي يشرف على العمليات الجوية من برج المراقبة على متن السفينة الهجومية البرمائية "يو إس إس تريبولي" في بحر العرب، 5 مايو 2026

إذ ذكرت مؤسسة "إس آند بي غلوبال" يوم الخميس أن الولايات المتحدة تستنزف مخزوناتها النفطية بوتيرة مقلقة. ولا يمثل ذلك أزمة في الوقت الراهن، لكنه يمكن أن يتحول إلى واحدة لاحقا، فمخزونات النفط الأميركية المخزنة في قلب مناطق التكرير آخذة في التراجع. وهبط رصيد الولايات المتحدة هناك إلى نحو 325 مليون برميل، وهذا ليس مؤشرا جيدا.

إضافة بضعة ملايين من البراميل يوميا قد تكفي لإبقاء أسعار النفط دون عتبة المئة دولار، لكن ذلك لا يجدي نفعا حين تكون هذه البراميل مسحوبة من المخزون

وقال آرون برادي، المدير التنفيذي لخدمات أسواق الطاقة والنفط في "إس آند بي"، إن أي انخفاض إضافي "يعني على الأرجح دخول نظام التكرير الأميركي منطقة الخطر".

(رويترز)
ناقلة النفط "هيلغا" أثناء رسوها في أحد الموانئ النفطية البحرية جنوب البصرة استعداداً لتحميل النفط الخام، 24 أبريل 2026

وفي كل الأحوال، يبقى لافتا أن البحرية الأميركية تواصل العمل بلا هوادة لإخراج ما يعادل سدس تدفقات النفط التي كانت تمر عبر المضيق قبل الحرب. وقد لا يصمد هذا المسار طويلا، ولا سيما مع تهديدات ترمب المتذبذبة، لكنه يفي بالغرض في الوقت الراهن.

font change

مقالات ذات صلة