ما يتعين على أوروبا و"الناتو" فعله للاستعداد للحرب

قطاع الدفاع يستعيد زخمه... والآن يتعين على الصناعة أن تنتج أكثر وبجودة أفضل وبسرعة أكبر

(أ.ف.ب/"المجلة")
(أ.ف.ب/"المجلة")

ما يتعين على أوروبا و"الناتو" فعله للاستعداد للحرب

نشأنا كلانا في ظل الحرب الباردة، حين كانت أوروبا محمية ويقظة وملتزمة بالسلام. كان شعار جيلنا: "لن يتكرر ذلك أبدا". وبعد قرون من الصراع، تشكلت أوروبا على قناعة راسخة بأن التعاون الاقتصادي شرط لا غنى عنه لتحقيق سلام دائم.

وحين انهارت معالم قارة منقسمة مع سقوط الشيوعية، تلاشى الخوف من الحرب، وتقلصت ميزانيات الدفاع، وتراجعت قواتنا المسلحة، وأُغلقت كثير من منشآت الصناعات الدفاعية التي كانت تزودها باحتياجاتها، وراحت أوروبا تعتمد بقدر أكبر على أميركا، من خلال "الناتو"، في القدرات التي ستحتاج إليها إذا تعرض أمنها للخطر.

ومع مرور الوقت، اعتاد كثيرون في أوروبا هذا الترتيب المتمثل في إسناد قدر كبير من قدرات القارة الدفاعية والأمنية إلى الخارج، لكن الواقع القاسي ومخاطر عالم اليوم أنهيا هذا النمط من التفكير.

انتهى الآن عصر إسناد أوروبا قسما كبيرا من دفاعها إلى الخارج، ويعيد الحلفاء الأوروبيون في "الناتو" والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تعلّم حقيقة مفادها أننا إذا أردنا منع الحرب، فعلينا أن نكون مستعدين لها، ولذلك يعيدون التسلح ويضخون طاقة جديدة في القاعدة الصناعية الدفاعية، حتى نستطيع حماية مواطنينا وحريتنا وأمننا، وترتفع نفقات الدفاع والإنتاج معا: تفتح مصانع جديدة أبوابها، وتضيف المصانع القائمة ورديات عمل وخطوط إنتاج.

(رويترز)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين تتحدث مع الأمين العام لحلف "الناتو" مارك روته خلال قمة بشأن أوكرانيا في لندن، 2 مارس 2025

ولا تقتصر زيادة الإنتاج على شركات الدفاع التقليدية، بل نشهد على نحو متزايد ابتكارا هائلا في هذا القطاع، وتطور شركات جديدة الأدوات والتقنيات التي تتطلبها الحرب الحديثة، فالمسيرات والمركبات البرية غير المأهولة ومنظومات الحرب الإلكترونية كلها ضرورية لقواتنا المسلحة كي تردع وتحمي وتدافع، لقد تبدلت الذهنية، حتى شركات تصنيع السيارات المدنية تعيد توظيف مصانعها لإنتاج مكونات لقطاع الدفاع، بما في ذلك الدفاع الجوي والمسيرات بعيدة المدى.

انتهى الآن عصر إسناد أوروبا لجزء كبير من دفاعها إلى الخارج

ونرى أثر هذا التحول في الذهنية على المنظومة الدفاعية من خلال رفع وتيرة الإنتاج، فبفضل الأساليب الجديدة والمبتكرة، نستطيع إنتاج المزيد، وبسرعة أكبر، وبتكلفة أقل.

وتحضر هذه البرغماتية وهذا الشعور بالإلحاح في صدارة تفكيرنا، لكن لا يزال أمامنا الكثير، فما زالت توجد فجوات في قدراتنا الدفاعية، ويحتاج حلفاء "الناتو" والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى مزيد من المقاتلات وطائرات التزويد بالوقود في الجو والسفن والغواصات والدفاع الجوي والصاروخي والمسيرات والمنظومات المضادة للمسيرات، وقد زاد كل من الدعم الذي نرسله إلى أوكرانيا والصراع في الشرق الأوسط الضغط على المخزونات العسكرية، بما في ذلك الصواريخ الاعتراضية وقدرات مكافحة المسيرات، ولا تستطيع طاقتنا الإنتاجية الحالية مواكبة الطلب.

وبينما تتحمل أوروبا مسؤولية متزايدة عن دفاعها، تواصل روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران تعزيز تعاونها وتوسيع قدراتها الصناعية الدفاعية، لقد وجهت روسيا اقتصادها، ببساطة، لخوض الحرب، وتنفق موسكو أكثر من 40 في المئة من موازنة الدولة على الدفاع، وتنتج المعدات العسكرية على مدار الساعة لخوض حربها الوحشية ضد أوكرانيا، وسيكون من السذاجة الاعتقاد بأن آلة الحرب هذه ستتباطأ في اليوم التالي للتوصل إلى السلام.

ومنذ عام 2022، قدمت إيران مسيرات وتكنولوجيا إلى روسيا، وشكل التهديد الذي تطرحه القدرات الصاروخية الإيرانية، وقدراتها النووية المحتملة، مصدر قلق طويل الأمد للاتحاد الأوروبي و"الناتو"، وبالنظر إلى الشرق الأقصى، تشهد صناعة الدفاع الصينية ازدهارا، فسبع من كبرى الشركات الخمس عشرة المرتبطة بالدفاع في العالم شركات صينية مملوكة للدولة، وتواصل ترسانة بكين النووية النمو أيضا.

(أ.ف.ب)
جنود يجرون محاكاة لإخلاء مصاب خلال مناورات "الاستجابة الباردة" لحلف "الناتو" في قاعدة إيفينيس الجوية بالنرويج، 11 مارس 2026

في هذا العالم الأكثر خطورة، تكتسب صناعة دفاع أوروبية أقوى، وقادرة على الإنتاج بحجم كبير وبسرعة، أهمية حاسمة لردع موثوق، ولا سبيل إلى ذلك إلا عبر التعاون، بتوحيد جهود الدول والصناعات والحلفاء والشركاء.

تنفق موسكو أكثر من 40 في المئة من موازنتها على الدفاع، وترسانة بكين النووية تنمو

ويمثل هذا مسعى حقيقيا على ضفتي الأطلسي، ولا تضاهى دفاعاتنا حين نوظف الموارد والخبرات والقدرات الابتكارية من كاليفورنيا إلى كييف، ومن كوبنهاغن إلى وارسو، ومن أوسلو إلى أنقرة. ويمكن، بل ينبغي، لشبكة شركائنا، بمن فيهم شركاؤنا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أن تسهم كذلك، وبوسع صناعاتنا، معا، تعزيز الابتكار وتسريع إنتاج القدرات والتقنيات الأساسية.

(أ.ف.ب)
جندي بولندي يشغل طائرة اعتراضية مسيرة ضمن نظام أميركي لمكافحة الطائرات المسيرة خلال اختبارات عسكرية في بولندا، 18 نوفمبر 2025

إن ما نقترحه طموح، لكنه قابل للتحقيق أيضا، ويملك "الناتو" والاتحاد الأوروبي، معا، كل ما نحتاج إليه للنجاح: القوة الاقتصادية، وأشد العقول إبداعا وابتكارا، وقطاعا ماليا متطورا، وصناعات دفاعية وتكنولوجية متقدمة، وتتمثل أولويتنا المشتركة في ضمان أن تقدم القاعدة الصناعية على امتداد أوروبا وأميركا الشمالية المزيد، وبجودة أفضل، وبسرعة أكبر، لأن هذا هو السبيل إلى ضمان أمننا.

أورسولا فون ديرلاين هي رئيسة المفوضية الأوروبية. مارك روته هو الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو).

font change

مقالات ذات صلة