لوبينا حميد رسامة حياة يحاصرها الإحباط

فنانة من زنجبار تمثل بريطانيا في بينالي البندقية

 MARCO BERTORELLO / AFP
MARCO BERTORELLO / AFP
"هل يمكن الذباب أن يحط هنا؟" للفنانة لوبينا حميد في الجناح البريطاني

لوبينا حميد رسامة حياة يحاصرها الإحباط

"هل يمكن الذباب أن يستوطن هنا؟" و"هل يمكن أن يكون طعم السم لذيذا؟"، سؤالان من ضمن 26 سؤالا ألصقتها الفنانة لوبينا حميد على الجدار وهي الأسئلة التي يتمحور حولها معرضها الشخصي، "نبوءة التاريخ: اختبار الترجمة"، في الجناح البريطاني ضمن فعاليات الدورة الحادية والستين للمعرض الدولي للفنون في بينالي البندقية الذي يستمر حتى أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.

أسئلة ذات صبغة سوريالية تهكمية تكشف عن قلق وجودي لا تجيب عنه الفلسفة بقدر ما تمكننا حياة عادية من ملاحقة تجلياته في سير أناس مقتلعين يطل اختلافهم مع كل لحظة عيش ويكون شرطهم الوحيد في عملية العثور على أبجدية انهماكهم في البحث عن الجزء الحقيقي الذي يتصل بهم روحيا ويكون في الوقت نفسه ممرهم إلى المجتمع الذي يحتضنهم باعتبارهم غرباء. لا شيء مؤكدا من الماضي الذي يظل مع ذلك رهين التاريخ، ولا شيء مبسطا من المستقبل الذي يلح على ترجمة رؤاه.

لوبينا حميد الحائزة وسام الإمبراطورية البريطانية ولدت في زنجبار يوم كانت تابعة لسلطنة عمان ولم تكن جزءا من تنزانيا في عام 1954، وهي لا تكتفي بالرسم باعتباره محاولة لإحياء هوية عملت آلية الفعل الإستعماري على طمسها، بقدر ما تعتبره وسيلة لسرد قصصي وبحث تاريخي تتحدى من خلالها الروايات الأوروبية المركزية المبنية أساسا على الانتقاص من العرق الأسود الذي تعيده إلى المركز من خلال روايات مصورة مستلهمة من موضوعات يومية هي ليست جزءا مقتطعا من ماض اندثر بفعل التقادم. غادرت وطنها وهي في الرابعة من عمرها بعدما مات والدها على أثر إصابته بالملاريا. درست حتى أصبحت استاذة للفن المعاصر في جامعة سنترال لانكشاير ورسمت حتى حازت جائزة "تيرنر "وهي كبرى الجوائز البريطانية عام 2017. ولأنها صاحبة قضية، وسعت نشاطها لتكون منسقة معارض، فنظمت معارض كثيرة تدعم فكرتها عن الاختلاف، منها معرض "خمس نساء سوداوات" (1983) في "مركز أفريقيا" بلندن ومعرض "الخط الأسود الرفيع" (1985) في معهد الفنون المعاصرة بلندن.

الإقامة في المكان الخطأ

تعرض لوبينا حميد في أعمالها صورة عما لا يمكن تصديقه من الواقع. هناك شرخ في مكان ما. هوة من غير الممكن تجسيرها هي التي تفصل بين الإنسان المقتلع ومكانه الجديد، وهو وطنه البديل. إنه يقوم بعمله بكل كفاءة وشرف، غير أنه يشعر بأنه في المكان الخطأ. سنخطئ لو أننا وصفنا الحالة بالانتهازية. كل شيء ينبض بالحياة في مكان ما على الرغم من أن الأفكار والذكريات تستدعي مكانا آخر، هو المكان البعيد الذي صار أشبه بخزانة أحلام.

تتساءل حميد مرارا هل يمكن لمكان ما أن يكون وطنا إذا كانت جذورك في مكان آخر

يضم جناح بريطانيا في معرض حميد لوحات ضخمة وجدارا من المجاديف المرسومة، مليئة بالخياطين والطهاة والمهندسين المعماريين. أولئك الذين يحيطون البلاد بصنيعهم المبدع ويؤمنون لها الغذاء والملبس والمأوى، ولكنهم ليسوا من أبنائها البيض الأصليين. تؤكد لوبينا مفارقة المكان "الذي لم يصمم لاستقبالنا".

 MARCO BERTORELLO / AFP
الزوار أمام عمل "المجاديف" للفنانة لوبينا حميد في الجناح البريطاني بـ"بينالي البندقية"

تبدو لافتة جملة كتبها أحد نقاد الفن البريطانيين في محاولة منه لقراءة شفاه الطباخين والخياطين والحوذيين والصياديين الذين رسمتهم لوبينا تقول: "ما الذي نفعله هنا بحق الجحيم؟". هناك مسافة واضحة بين كرم الضيافة وقسوة الحرمان. بالقوة نفسها يفعل المهندسون المعماريون الواقفون بجوار مخططات مسجد وكنيسة ومصنع، الشيء نفسه. وكذلك يفعل البستانيون والبحارة. تتساءل حميد مرارا عما إذا كان في إمكانك أن تكون صادقا في انتمائك حقا وهل يمكن لمكان ما أن يكون وطنا إذا كانت جذورك في مكان آخر. ذلك ما يمكن مناقشته فلسفيا، ولكن لوبينا حميد تملك أن تمدنا بأساليب رؤية مختلفة من خلال الصور. في أعظم لحظات إنسجامك الاجتماعي تشعر بالغربة. تلك مشكلة يعيشها ملايين البشر الهائمين الذين يستقرون في بلاد بعيدة عن أوطانهم غير أنهم يظلون أسرى عاطفة لا يمكن استبدالها كالثياب. في تلك الحالة، فإن الانتماء لا يشكل مشكلة بقدر ما يستدعي عدم الانتماء قلقا وجوديا، هو الخيط الخفي الذي يخترق حيوات مضطربة.

 MARCO BERTORELLO / AFP
زوار يتأملون عمل "المعماريون" للفنانة لوبينا حميد

رفعنا رؤوسنا فوق السور

لوبينا حميد استاذة فن معاصر ومنسقة معارض، وهذا يعني أنها تجيد تقديم فنها بوضوح يندر أن نجده لدى فنانين آخرين. فهي تصف بداياتها بما يكشف عن اختلافها على الرغم من أنها لم تعرف غير بريطانيا وطنا. تقول "في بداياتي كنت أصنع مجسمات من الورق المقصوص تصور عبيدا أفارقة يعملون في البلاطات الأوروبية (معروضة الآن في بريستول)، وأعمل أيضا على استخدام قطع مستعملة. تعتبر هذه الأعمال، من بعض النواحي، ذات طابع مسرحي. لكن مع مرور الوقت، قل اهتمامي بالمسرح، إلا إذا كان مسرحا هامشيا أو سياسيا". أما في مراحل تالية فقد تطور وعيها لكن في اتجاه تفكيك علاقتها بالجزء المترسب من ذاكرتها التي لا تقف عند حدود مكان بعينه. تقول "أسعى لاكتشاف التاريخ غير المروي للعبيد وتحديد آثار ثقافات أخرى كالأنماط التي أستخدمها والتي تشير إلى العمارة المغاربية في الروايات التاريخية السائدة. يقلقني كثيرا وجود ثغرات في التاريخ، لكنني أدرك تماما كيف تؤثر السياسة العالمية الكبرى على حياة الفرد الشخصية".

adovani/Getty Images
جانب من الجناح البريطاني في "بينالي البندقية" المخصص لأعمال لوبينا حميد

قالت الفنانة التي مثلت بريطانيا في بينالي فينسيا بفرح "لقد رفعنا رؤوسنا فوق السور". بالنسبة اليها، الرسم وصنع الفن أمران شخصيان، "لكن من خلال الحوار والتعاون يمكن المرء أن يحاول التأثير في هذه الأحداث الكبرى. يتمحور فني حول هذه العوالم المتداخلة أو على الأقل المتشابكة. أسعى إلى إطلاق حوار يشعر الناس بالتمكين ويحفزهم بطريقة ما على إدراك قدرتهم على أن يكونوا جزءا من شيء ما وأن يحدثوا فرقا".

لذلك لم يكن مفاجئا أن ينحصر تمثيلها لبريطانيا من خلال معرضها في موضوع الهجرة والوضع العاطفي والاجتماعي للأشخاص الذين ينتقلون إلى بريطانيا. لكن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك. يكفي أن هناك شعورا بالغربة لكي تطلق من خلاله الفنانة أفكارها عن قضايا الجندر والجنسانية والطبقة الاجتماعية. شيء ما يتعلق بالشعور بعدم الارتياح الاجتماعي والقلق المجتمعي.

REUTERS/Darren Staples
الفنانة البريطانية لوبينا حميد بعد فوزها بجائزة "تيرنر" عام 2017

رسولة من عالم الغرباء

"لم لا تعودين إلى زنجبار إذن؟". هذا ليس سؤالا منصفا، ولا ينفع في عملية البحث عن الحقيقة. لا تشعر لوبيا حميد بعدم الانتماء لأنها تستعيد حلميا حياتها في مكان آخر. فهي لم تتعرف الى وطنها الأصلي إلا عام 1997. أي بعد أكثر من أربعين سنة من ولادتها. "شعرت أن كل شيء مألوف وسهل بشكل غريب لأنني رأيته كله في الكتب. لم أشعر وكأنني في بيتي بأي شكل من الأشكال، ومع ذلك لم أشعر بالغربة التامة. كان رد فعلي على المكان عبارة عن لوحات تجريدية كبيرة مرسومة بطبقات رقيقة، مع قطرات من الألوان، وبدون استخدام يذكر للفرشاة".

ما تقوله لوبينا حميد عن طريقتها في زنجبار يعكس حساسيتها لا إزاء ذلك المكان وحده حسب بل وأيضا في مواجهة ما نتج من تكلفة بسبب انفصالها عنه

على هذا الأساس، فإن فن لوبينا حميد في كل مراحله لم يتخذ من الذاكرة البعيدة أساسا له. فهو يقع بموضوعاته ومشكلاته ومشاغله ورؤاه وأفكاره في الحاضر. حاضر الناس الوافدين وفي الأخص الأفارقة في بيئتهم الجديدة. ما يلفت في أعمالها، ذلك الشعور بالقلق وبعدم الارتياح والإحباط في مواجهة مجتمع لا ينظر إلى أبنائه المختلفين بعين الرضا ولا يقابلهم بالقبول. تقر الفنانة بأن بريطانيا بلد جميل، وذلك ما تعبر عنه ألوانها المبهجة، غير أنها في الوقت نفسه لا تسمح لذلك الجمال بإخفاء حقيقة أن ذلك البلد ليس مستعدا أن يكون وطنا لكثير من الناس. ذلك ما يعبر عنه مصطلح عدم الانتماء.

ما تقوله لوبينا حميد عن طريقتها في رسم المكان في زنجبار يعكس حساسيتها لا إزاء ذلك المكان وحده حسب بل وأيضا في مواجهة ما نتج من تكلفة بسبب انفصالها عنه. تقول "رسمت انغماسي في ذلك المكان وكيف جعلني ذلك أشعر بدلا من رسم المكان نفسه. لم أكن أرغب في رسم صورة أفريقيا التي يتوقعها الجمهور الغربي. حاولت، بالأحرى، أن أرسم الأسباب التي جعلتني أتأخر في العودة. يبرز العديد من تلك اللوحات الخوف والحزن من الانوجا في مكان ما ثم الاضطرار إلى مغادرته فجأة، والشعور الدائم بعدم الانتماء".

وعلى الرغم من ذلك الموقف المتمرد، فإن لوبينا حميد تعتبر اليوم من أبرز الفنانين وهو ما أهّلها لتمثيل بريطانيا في البينالي الأبرز في العالم.

font change