ما إن رفع النقاب عن المكتشفات التاريخية لمدينة حران الأثرية الواقعة على الحدود السورية التركية، وبالقرب من منابع نهر البليخ، أحد روافد الفرات، حتى تهافت الدارسون والباحثون وعلماء الآثار على كتابة الدراسات والبحوث التي من شأنها تسليط الضوء على هذه المدينة الموغلة في القدم، وتدوين تاريخها المنقوش على الألواح وعلى الجدران والأعمدة والمعابد، وما إلى ذلك من مقالات وصور توثق تاريخها وحضارتها وديانتها، آخرها صدور رواية تاريخية بعنوان "الحراني" للكاتب السوري السويدي خلف علي الخلف، عن دار "رياض الريس للكتب والنشر"، في 432 صفحة من القطع الكبير. يعتمد المؤلف في الرواية على أكثر من 200 مصدر بلغات متعددة تشمل العربية والإنكليزية واليونانية والسريانية والعبرية، مما يجعلها رواية تاريخية توثيقية، بحيث يقدم نصا يمزج بين البحث التاريخي والتخييل الروائي لسيرة مدينة اندثرت تحت غبار الزمن.
ينأى الكاتب بنفسه وكتابه عن سرد الاكتشاف، إنما يعمد إلى سرد تاريخها بحسب رؤيته وقراءاته للأحداث على لسان شخصياتها متنقلا بين الأماكن وماضي هذه الشخصيات التي جمعتهم المدينة بحبها وعلمها وفلسفتها، ولكنه يكتبها وفق منهجه الروائي، فالتاريخ يحدث لمرة واحدة ولكن القراءات والتأويلات تتعدد بحسب كاتبها وراويها، فجاءت الرواية سردا تاريخيا لشخصيات عاشت في حران وعشقتها ونهلت من علومها وفنونها حتى بات يطلق عليهم "الحراني". بمعنى آخر، أن الحراني ليس لقبا لشخص واحد، بل هو صفة لكل عالم وفلكي تعلم في مدينة حران وعشقها حد الوله.
بين الماضي والتأويل
تعد حران، بحسب موسوعة الآثار السورية، من أهم مدن ميزوبوتاميا القديمة، وأول من مسح عنها غبار الزمن كان عالم الآثار البريطاني توماس إدوارد (1888-1935)، المعروف بلورنس العرب منذ بداية القرن العشرين حين كان مستكشفا للآثار في بداية حياته، تبعه مسح آخر أكثر تركيزا في عام 1951 على يد عالم الآثار الإنكليزي سيتون لويد بيد (1902-1996)، وكان الاكتشاف الأهم هو العثور في عام 1956 على أنصاب حجرية في أرضية المسجد كانت تستخدم درجات عند المداخل الشمالية والشرقية والغربية، وتحمل نقوشا تعود إلى نبونائيد، آخر ملك حكم بابل، وإلى أمه أدا – غوبي، كبيرة كاهنات سين في حران. إذ كانت المدينة مركزا رئيسا من مراكز عبادة سين، إله القمر الرافدي المشهور.



