انكشاف إيران في هرمز إذ يذكّر بانكشاف "حزب الله" في سوريا

عندما تتحول أدوات النفوذ إلى أدوات استنزاف

رويترز
رويترز
أحد المشيعين يلوح بالعلم الإيراني خلال موكب جنازة المرشد علي خامنئي، في طهران، إيران، 6 يوليو، 2026

انكشاف إيران في هرمز إذ يذكّر بانكشاف "حزب الله" في سوريا

بعد شهر تقريباً على توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو المنطقة وقد انتقلت إلى مرحلة جديدة من الصراع. فاستئناف الضربات العسكرية في الخليج لا يعكس انهيار المذكرة تلك فحسب، وإنما يكشف اختلالاً متزايداً في ميزان القوة، تميل كفته لمصلحة الولايات المتحدة. بينما تحاول إيران تعويض تراجع قدرتها على فرض إيقاع ناري متناسب بالانتقال إلى ساحات أخرى، يتقدمها مضيق هرمز. وذلك كله بالتزامن مع مؤشرات متزايدة على احتدام التجاذب والصراع داخل بنية النظام حول كيفية إدارة هذه المرحلة، بين من يدفع نحو احتواء الاستنزاف ومن يراهن على التصعيد لتحسين شروط التفاوض أو لنسف التفاوض من أساسه.

وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: لماذا تصعّد إيران في لحظة تبدو فيها أقل قدرة على تغيير ميزان القوة عسكريا؟

يبدو أن جانبا مهماً من السلوك الإيراني الحالي ينطلق من قراءة "خاصة" لنتائج المواجهة، فداخل دوائر القرار في طهران ثمة من يعتقد على ما يبدو أن امتلاك القدرة على تهديد مضيق هرمز يمنح "الجمهورية الإسلامية" موقعا تفاوضيا متقدما، حتى لو جاء ذلك على حساب مكاسب اقتصادية مباشرة كان يمكن أن يوفرها تخفيف العقوبات من خلال التفاوض. ويقوم هذا التصور على أن السيطرة على عقدة جغرافية تتحكم بجزء كبير من تجارة الطاقة العالمية توفر نفوذا استراتيجيا أكثر استدامة من أي مكسب مالي مؤقت، كما أن إظهار الاستعداد لتحمل كلفة التصعيد يرفع قدرة إيران على ممارسة الإكراه السياسي تجاه خصومها، الولايات المتحدة ودول الخليج. لكن هذا السلوك الإيراني يشبه إلى حد بعيد سلوك صدام حسين في معاندة الظرف الإقليمي والدولي عندما اجتاح الكويت في عام 1990، وفي النهاية انقلب رهانه على الهيمنة الإقليمية ضده.

كما اضطرت إيران إلى كشف جزء أساسي من قواتها في مضيق هرمز، كان "الحزب" قد اضطر أو استدرج إلى كشف جانب كبير من بنيته العسكرية عندما انخرط في الحرب السورية

وعلى المنوال نفسه يتحول الرهان الإيراني على مضيق هرمز إلى سلاح ذي حدين، إذ يمنح طهران أوراق ضغط وهيمنة إقليمية في المدى القصير، لكنه يسرّع في الوقت نفسه مشاريع الممرات البديلة في الخليج وخارجه، ويقلص تدريجيا القيمة الاستراتيجية للمضيق. ولذلك لم تعد مشاريع إعادة تشغيل خطوط الأنابيب الممتدة من العراق إلى البحر المتوسط عبر سوريا، مثلا، مجرد مشاريع اقتصادية، وإنما أصبحت جزءا من استراتيجية أميركية أوسع لإعادة توزيع طرق الطاقة وتقليص الاعتماد على مضيق هرمز.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية، بالنسبة لإيران؛ فكلما اضطرت إلى إظهار قدرتها على التحكم بالمضيق، كشفت في الوقت نفسه حدود هذه القدرة، ودفعت خصومها إلى تسريع مشاريع تتجاوزه. وهكذا تتحول ورقة الردع نفسها إلى عامل يستنزف قيمتها على المدى البعيد. وهذا فضلا عن أن نشر طهران المزيد من قواتها في المضيق يساهم في انكشافها وبالتالي تعريضها للقصف الأميركي، وهو ما يجعل استثمار إيران في المضيق يرتد أيضا ضدها لهذه الناحية.

(رويترز)
لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في العاصمة الإيرانية طهران، 26 يناير 2026

ذلك كله يذكّر بتجربة "حزب الله" في سوريا؛ فكما اضطرت إيران إلى كشف جزء أساسي من قواتها في مضيق هرمز، كان "الحزب" قد اضطر أو استدرج إلى كشف جانب كبير من بنيته العسكرية عندما انخرط في الحرب السورية. وقد قدم تدخله آنذاك باعتباره دفاعا استباقيا عن لبنان و"المقاومة". هذا التدخل في سوريا عزز خبراته العسكرية، لكنه كشف أيضا هيكليته، ومسارات إمداده، وطبيعة انتشاره، ما أتاح لإسرائيل الاستثمار في هذا الانكشاف بصورة منهجية، فراكمت خلال السنوات التي سبقت حرب 2026 كماً كبيراً من المعلومات العملياتية والاستخبارية عن "حزب الله" مكنها من استهداف بنيته القيادية وكوادره العسكرية بشكل غير مسبوق. وبذلك تكررت المفارقة نفسها مع إيران، إذ تحولت أدوات التوسع والهيمنة إلى أدوات انكشاف قاتل.

من هنا تكتسب المقارنة بين حرب يوليو/تموز 2006 والحرب الحالية أهمية تتجاوز الجانب العسكري. ففي عام 2006 جاءت الحرب في لحظة كان المشروع الإيراني يعيش ذروة صعوده الإقليمي. العراق خرج لتوه من مرحلة ما بعد صدام حسين، والنظام السوري كان يشكل الحلقة الأساسية في الجسر الممتد بين طهران وبيروت، فيما كانت شبكة الحلفاء الإقليميين تتوسع باطراد. لذلك خرج "حزب الله" من تلك الحرب لاعبا أكثر قوة داخل لبنان، وخرجت إيران بصورة القوة الصاعدة في المشرق.

الولايات المتحدة سبق أن اعتمدت، في السبعينات، مقاربة مشابهة في لبنان، عندما تقاطعت مصالحها مع إسرائيل وسوريا على احتواء "منظمة التحرير الفلسطينية" وإخراجها من المعادلة اللبنانية

أما حرب 2026 فجاءت في بيئة استراتيجية مختلفة تماما، فإيران وحلفاؤها، تحديدا "حزب الله"، يخوضونها بعد سنوات من الاستنزاف، وبعد انهيار عمقهم السوري، وفي ظل تقلص هامش الحركة أمام "حزب الله" داخل لبنان والإقليم. ولهذا لم تتحول الحرب إلى محطة جديدة في صعود المشروع الإيراني كما كانت عليه الحال في 2006، بل على العكس تماما فهي قطعت شوطا بعيدا في انتكاسة هذا المشروع.

وإذا كان هذا التحول يفسر تبدل موقع إيران في الإقليم، فإنه يفسر أيضا التحول الذي طرأ على الاستراتيجية الأميركية نفسها. فمن الصعب فهم ما يجري اليوم بوصفه مجرد سياسة لاحتواء إيران، لأن المؤشرات المتراكمة توحي بأن واشنطن تستهدف البنية الجيوسياسية التي سمحت للنفوذ الإيراني بالتمدد منذ عام 2003، وليس أدوات هذا النفوذ وحدها.

في هذا السياق بالذات يمكن استعادة نظرية حلف الأقليات التي سادت في المشرق العربي طيلة العقود الماضية، وقد كانت الحرب الأهلية اللبنانية مسرحا رئيسا لها. فهي ليست مفهوما ولد مع الغزو الأميركي للعراق، ولكن هذا الغزو خلق لها أرضية سياسية وأمنية لم تعرفها من قبل؛ فقد أدى إسقاط نظام صدام حسين إلى انهيار أحد أهم مراكز الثقل السني في المشرق العربي، ما فتح المجال أمام صعود قوى شيعية مرتبطة بإيران داخل العراق، فيما حافظ النظام السوري على موقعه باعتباره الحلقة التي تربط طهران بلبنان، وتولى "حزب الله" تثبيت هذا الامتداد على شاطئ المتوسط متحالفا مع زعيم "الأقلية" المارونية ميشال عون. لم يكن ذلك تحالفا عقائديا خالصا، بقدر ما كان تقاطعا بين مصالح أمنية وجيوسياسية أنتج للمرة الأولى فضاء إقليميا متصلا يمتد من طهران إلى البحر المتوسط.

أ ب
امرأة تسير بين أنقاض المباني المدمرة في الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان، في 17 أبريل 2026، عقب وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله"

من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الحرب الحالية باعتبارها بداية تفكيك هذا الفضاء. فسقوط النظام السوري السابق لم يحرم إيران من حليف استراتيجي فحسب، بل قطع أهم حلقة في مشروعها الإقليمي. ولم يعد العراق يؤدي الوظيفة نفسها التي أداها لإيران بعد عام 2003، فيما تحول لبنان من منصة متقدمة للنفوذ الإيراني إلى الساحة التي يواجه فيها هذا النفوذ أقسى اختبارات تقليصه، ولاسيما بعد توقيع مذكرة الإطار بين لبنان وإسرائيل، والتي فصلت، إلى حد بعيد، المسار اللبناني عن مسار التفاوض الأميركي-الإيراني؛ فما بدا أنه مكسب استراتيجي لإيران من خلال الربط بين التفاهم مع واشنطن ووقف إطلاق النار في جنوب لبنان، سرعان ما اصطدم بسحب دونالد ترمب لهذه الورقة من يد إيران من خلال دفع إدارته لتوقيع مذكرة الإطار تلك، والتي سيظل مضمونها عنوان جدل وانقسام في لبنان.

هذا التحول يحمل دلالات تتجاوز الملف اللبناني نفسه، فكما فقد مضيق هرمز جزءا من قيمته الاحتكارية مع البحث عن ممرات بديلة للطاقة، يفقد لبنان تدريجيا موقعه كورقة إيرانية قابلة للاستخدام في أي عملية تفاوض إقليمية أو دولية. إنها الحلقة نفسها من دائرة أوسع، تتحول فيها أدوات النفوذ الإيرانية إلى أدوات استنزاف، أو تفقد تدريجيا قدرتها على إنتاج المكاسب التي وفرتها خلال العقدين الماضيين.

لكن ذلك كله لا يلغي السؤال عما تريده واشنطن حقا في المشرق العربي والمنطقة عموما، فإصرار ترمب على تدخل الجيش السوري في لبنان للقضاء على "حزب الله"، يعيد طرح السؤال عما إذا كانت الإدارة الأميركية تريد الاستمرار في إدارة الفوضى الإقليمية عوض البحث عن صيغ للاستقرار. فالولايات المتحدة سبق أن اعتمدت، في السبعينات، مقاربة مشابهة في لبنان، عندما تقاطعت مصالحها مع إسرائيل وسوريا على احتواء "منظمة التحرير الفلسطينية" وإخراجها من المعادلة اللبنانية. وقتذاك جاء دخول الجيش السوري عام 1976 ضمن تفاهمات إقليمية دقيقة، عززها ما عرف بـ"اتفاق الخطوط الحمراء"، الذي بدد الهواجس الإسرائيلية من الوجود العسكري السوري عبر تحديد سقف حركته ومنع تحوله إلى تهديد مباشر لإسرائيل. وقد تغيرت التحالفات بعد "كامب ديفيد"، لكن دمشق بقيت جزءا من المسار الذي انتهى بخروج منظمة التحرير من بيروت، ولكن ثمن ذلك كان عقودا من الهشاشة الأمنية والسياسية الاقتصادية في لبنان.

إذا انتهت الأزمة الراهنة من دون تسوية تعيد دمج إيران في النظام الإقليمي وفق قواعد جديدة، فإن "حزب الله" سيجد نفسه أمام خيارات أكثر تعقيدا من أي وقت مضى

مع الأخذ في الاعتبار أن إسرائيل تتوجس من النظام السوري الجديد ولاسيما بسبب الدعم التركي له، في ظل تصاعد غير مسبوق في التوتر بين أنقرة وتل أبيب. وهذا يجعل أي تدخل سوري في لبنان أكثر تعقيدا مما كان عليه قبل نصف قرن، لأن ثمة في إسرائيل من يتحدث علنا عن منع تمدد النفوذ التركي إلى لبنان، وإن كان يفترض عدم استبعاد الإغراء الذي تقدمه لتل أبيب فكرة وضع الجيش السوري و"حزب الله" وجها لوجه على امتداد الأراضي اللبنانية والسورية.

وفوق ذلك، فإن أي تقدم سوري نحو مناطق نفوذ "حزب الله" لن يواجه "الحزب" وحده، بل قد يصطدم أولا ببيئات لبنانية، ولا سيما مسيحية، ما زالت تحمل ذاكرة مثقلة بتجربة الوصاية السورية الآفلة. وعندها قد تنقلب أولويات هذه البيئات، فيتحول تركيزها من نزع سلاح "حزب الله" إلى منع عودة النفوذ السوري إلى لبنان، وقد كشفت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان منذ نحو أسبوعين حجم "التعقيدات السورية" في لبنان.

تقود هذه المعطيات إلى جملة من الأسئلة التي تتجاوز مصير "حزب الله" نفسه، لتطال طبيعة الاستراتيجية الأميركية في المشرق. فإذا كانت واشنطن تسعى فعلا إلى الانتقال بالمنطقة من مرحلة المحاور الأيديولوجية إلى مرحلة الاستقرار، والممرات التجارية، وشبكات الطاقة، فإن أي دفع للجيش السوري نحو لبنان قد يفتح الباب أمام أزمة لبنانية-سورية طويلة، وربما أمام دورة جديدة من الصراعات الداخلية في لبنان.

أ.ف.ب
أنصار "حزب الله" يقطعون طريق المطار القديم في الضاحية الجنوبية لبيروت، بإطارات مشتعلة احتجاجا على الاتفاق الثلاثي الموقع بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان في 27 يونيو 2026

في المقابل، لا تقل الأسئلة المرتبطة بـ"حزب الله" تعقيدا، فقد دخل "الحزب" الحرب الأخيرة في محاولة لكسر الـ"ستاتيكو" القاتل الذي فرضه عليه اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل عام 2024، وإعادة خلط الأوراق على وقع الرهان على تدخل إيراني يبدل موازين القوى في المنطقة ككل. لكن التطورات اللاحقة أفضت إلى معادلة أكثر صعوبة بالنسبة إليه، بعدما أظهرت المواجهة في الخليج حدود القدرة الإيرانية على قلب قواعد اللعبة، واتجهت الضغوط الأميركية إلى محاصرة أدوات النفوذ الإيراني بدلا من توسيع هامش حركتها. وإذا انتهت الأزمة الراهنة من دون تسوية تعيد دمج إيران في النظام الإقليمي وفق قواعد جديدة، فإن "حزب الله" سيجد نفسه أمام خيارات أكثر تعقيدا من أي وقت مضى: هل يلتزم الواقع الجديد، أم يحاول استباق أي ضغوط داخلية وخارجية بإعادة خلط الأوراق في الساحة اللبنانية؟ وهل يبقى اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل قادرا على ضبط الجبهة الجنوبية بعد انهيار مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، أم يتحول الجنوب مرة أخرى إلى ساحة لتعديل موازين التفاوض؟ وهل يبادر "الحزب" إلى إسقاط اتفاق الإطار من خلال التصعيد في الجنوب وربما قصف الداخل الإسرائيلي، ما يعيد سيناريوهات الحرب المفتوحة؟ كلها أسئلة لا تتضح الإجابات عليها بعد بانتظار تطورات الأيام المقبلة في الخليج، بين سيناريوهات التصعيد ووساطات الاحتواء.

font change

مقالات ذات صلة