واشنطن -بيروت... أربعون عاما بين رئيسين ولقاءين

الدلالات السياسية للثناء على دور نبيه بري… كيف سيعامل لبنان ب"احترام"؟

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون عند مدخل الجناح الغربي للبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 21 يوليو 2026

واشنطن -بيروت... أربعون عاما بين رئيسين ولقاءين

تفوق الرئيس دونالد ترمب خلال استقباله الرئيس جوزيف عون على مبعوثه توم باراك في الظهور على معرفة بتفاصيل منطقة المشرق العربي، أو بزعمائها الذين التقى ثلاثا منهم خلال أسبوع تقريبا، الرئيس السوري أحمد الشرع في أنقرة، ثم رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في البيت الأبيض، والثلاثاء الرئيس اللبناني في البيت الأبيض أيضا، حتى إنه بدأ يكوّن فكرة عن ملامح أهل المنطقة، فيقارن بين وجوه العراقيين واللبنانيين والسوريين، وفي حال لم يكن يتبع نظاما غذائيا صارما ربما سيتذوق الدولما العراقية، أو الكبة اللبنانية، أو الكباب الحلبي، أو المنسف الأردني. وربما يصل به التخصص بأهل المنطقة، إلى التمييز بين المنسف الكركي جنوب الأردن وبين منسف سهل حوران بين الجنوب السوري وشمال الأردن. غير أن ترمب مهما بلغ اهتمامه ومعرفته في المنطقة فهو لن يتفوق على إلمام مبعوثه اللبناني الأصل في التاريخ وعلم الاجتماع السياسي، عندما تحدث عن انهيار سايكس-بيكو، وعن انضمام طرابلس إلى سوريا، ومن حينها ثمة رصد دائم لمطابقة هذا التصريح مع الوقائع الميدانية وما إذا كانت واشنطن تطمح حقا إلى تغيير الخرائط في المنطقة، أم إن الأمر مجرد مزاج للمبعوث المخلص لرئيسه. تماما كما هي الحال مع التصريحات الكابوسية لترمب عن تدخل سوريا في لبنان، لكن يبدو أنه تراجع عنها حتى الآن.

في مطلق الأحوال فإن اللقاء بين الرئيسين الأميركي واللبناني قد فاق التوقعات لمجرد حصوله، حتى إنه تفوق على لقاء ترمب بالشرع لهذه الناحية إذا ما أخذنا في الاعتبار حجم سوريا وإمكاناتها للمستقبل والتغيير الذي حصل فيها بمجرد سقوط نظامها السابق، والذي كان بمثابة انقلاب جيوسياسي في المنطقة عنوانه خروج دمشق من تحت المظلة الإيرانية، ولعل هذا هو المشترك الأساسي بين اللقاءين بالنسبة لواشنطن، أي إن استقبال الشرع ثم استقبال عون هو إعلان أميركي بأن كلا البلدين دخلا تحت المظلة الأميركية، بعد عقود طويلة جدا. ولذلك فإن هاتين الزيارتين هما في المقابل إعلان بفشل الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة والتي كان عنوانها إخراج الولايات المتحدة منها، ولكن هذا العنوان لم يكن يستبعد استعداد طهران للتقاطع مع واشنطن حول الملفات الإقليمية لا بل سعيها إلى هذا التقاطع، غير أن المواجهة المفتوحة بين الجانبين وكأنها تجاوزت هذه المرحلة، أو أنها حصلت لتجاوزها، أي انتقال الاستراتيجية الأميركية من احتواء النفوذ الإيراني إلى محاصرته وتطويعه.

بالتوازي مع ترسيخ دمشق نفوذها في لبنان كانت إيران تبني حضورها فيه من خلال "حزب الله" الذي نشأ في ظروف الحرب الأهلية والاحتلال الإسرائيلي وبرعاية سورية

هنا لا بدّ من الرجوع إلى مطلع الثمانينات حين دخل الرئيس أمين الجميل إلى البيت الأبيض في ديسمبر/كانون الأول عام 1983 للقاء الرئيس الأميركي رونالد ريغان؛ وقتذاك كان لبنان يقف أمام لحظة مفصلية انتهت بتغيير مساره ومسار المنطقة برمتها، إذ جاء اللقاء في نهاية مرحلة كانت فيها الولايات المتحدة تحاول تثبيت نفوذها في الدولة اللبنانية بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، لكنه جاء أيضاً بعد تفجير مقر المارينز في بيروت والذي دفع واشنطن إلى الانسحاب من لبنان إذ أظهر أن الوجود العسكري الأميركي لم يعد قادرا على توفير البيئة الأمنية والسياسية لإعادة تشكيل المعادلة اللبنانية بعد رحيل "منظمة التحرير" عن بيروت وانسحاب إسرائيل منها. ومع تراجع الدور الأميركي، توسعت قدرة سوريا على التحكم باللعبة اللبنانية إلى أن تحولت دمشق إلى اللاعب الخارجي الأكثر قدرة على إدارة التناقضات اللبنانية وتفجيرها بحسب الحاجة، قبل أن تترسخ الوصاية السورية على لبنان وبغطاء أميركي استمر حتى عام 2005، عام اغتيال رفيق الحريري.

أ.ف.ب
أنصار "حزب الله" يقطعون طريق المطار القديم في الضاحية الجنوبية لبيروت، بإطارات مشتعلة احتجاجا على الاتفاق الثلاثي الموقع بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان في 27 يونيو 2026

وبالتوازي مع ترسيخ دمشق نفوذها في لبنان كانت إيران تبني حضورها فيه من خلال "حزب الله" الذي نشأ في ظروف الحرب الأهلية والاحتلال الإسرائيلي وبرعاية سورية، بعدما رسخت الحرب العراقية-الإيرانية التحالف السوري الإيراني، ولذلك انتهت الحرب الأهلية اللبنانية إلى تثبيت معادلة إقليمية في لبنان تقوم على تعدد مستويات النفوذ داخل الدولة اللبنانية التي كانت تعمل وفق معادلات تفرضها دمشق و"حزب الله". ثم لم يلبث هذا النفوذ الإيراني أن ورث النفوذ السوري بعد عام 2005، فأصبحت بيروت ودمشق تدوران في فلك واحد، فغدت الحدود شكلية أمام قوافل الرجال والسلاح ذهابا وإيابا بين البلدين طيلة 15 عاما من الحرب الأهلية السورية، في وقت كانت الحدود السورية-العراقية معبر الأسلحة الإيرانية إلى سوريا ولبنان، ليتحول هذا الطريق إلى شريان حياة النفوذ الإيراني في المشرق، ولذلك شكل "الانقلاب" في دمشق ضربة قاضية لهذا النفوذ بقطعه لهذا الطريق.

حمل حديث عون عن رئيس مجلس النواب نبيه بري خلال لقائه ترمب، ثم الثناء الذي خص به الأخير بري، دلالة سياسية تعكس، على الأرجح، توجهاً عاما لاستيعاب "المكوّن الشيعي" داخل المعادلة الجديدة

وللتذكير فإن الرئيس الجميل كان قد زار واشنطن مرتين قبل ذلك اللقاء الأخير له في البيت الأبيض، واللقاءات الثلاث حصلت خلال نحو عام تقريبا، بين 24 أكتوبر/تشرين الأول 1982، و1 ديسمبر/كانون الأول عام 1983. ففي اللقاءين الأولين كان هدف واشنطن ضم لبنان إلى فضائها الاستراتيجي بعد خروج "منظمة التحرير" من بيروت وتوقيع اتفاق 17 مايو/أيار، لكن اغتيال بشير الجميل قبل أقل من شهرين على اللقاء الأول بين ريغان والجميل كان قد أذن بأن الاستراتيجية الأميركية تواجه تحديات كبيرة في لبنان، إلى أن حسم تفجير المارينز الأمر مرة واحدة، إذ أظهر أن محاولة واشنطن فرض توازن جديد في لبنان تواجه كلفة مرتفعة جدا. ولذلك يمكن القول إنه في اللحظة التي خرج فيها أمين الجميل للمرة الأخيرة من باب البيت الأبيض كانت دمشق تفتح له باب "قصر المهاجرين"، لأن كلا الطرفين، أي الجميل وحافظ الأسد، كانا يدركان أن مشروع واشنطن في لبنان قد سقط بخروج آخر جندي أميركي من بيروت.  

ولذلك أيضا فإنه حين جلس جوزيف عون إلى جانب دونالد ترمب في البيت الأبيض بعد أكثر من أربعة عقود على آخر زيارة لأمين الجميل إلى البيت الأبيض، لم يكن الأمر مجرد لقاء إشكالي ومفارق بين رئيس لدولة صغيرة تقيم على حدود الحرب والإفلاس ورئيس لدولة بحجم ونفوذ الولايات المتحدة، بل كان مؤشراً إلى لحظة انتقال تاريخية معاكسة في المنطقة عنوانها خروج لبنان من المظلة الإيرانية، ودخوله في المظلة الأميركية، وذلك بعد سلسلة التطورات الإقليمية التي أضعفت المحور الإيراني، بدءا من سقوط النظام السوري إلى الضربات التي أضعفت "حزب الله"، وصولاً إلى انتقال المواجهة بين واشنطن وطهران إلى عمق الأراضي الإيرانية، وتحولها إلى حرب استنزاف طويلة المدى.

أ ب
جنود من الجيش اللبناني يقفون عند نقطة تفتيش في قرية فرون بجنوب لبنان، يوم الخميس 16 يوليو 2026

بالتالي فإن المسافة الزمنية بين الزيارتين تختصر مسار أربعين عاماً من تاريخ المشرق، فالأولى ارتبطت ببدايات صعود النفوذ السوري والإيراني في لبنان والمنطقة، أما الثانية فتؤشر إلى بداية انحسار هذا النفوذ، وحتى إنهائه، وإعادة تعريف موقع لبنان وسوريا داخل النظام الإقليمي الجديد.

وهنا لا بد من طرح سؤال رئيس حول طبيعة الدور الأميركي في سوريا، وتحديدا عما إذا كانت واشنطن ستوفر مظلة أمنية لدمشق في مواجهة التهديدات الإيرانية لها، في إطار تهديد طهران بتوسيع دائرة المواجهة الإقليمية، وقد كان قصف "الحرس الثوري" لقاعدة التنف مؤشرا أوليا في هذا الاتجاه. هذه المعادلة الأمنية الجديدة تجعل لبنان وسوريا جزءاً من مقاربة استراتيجية أميركية واحدة، قوامها تثبيت المعادلات السياسية الجديدة على أنقاض معادلات النفوذ الإيرانية الآفلة.

وهنا ثمة زاوية داخلية لبنانية ينبغي النظر فيها لقراءة كيفية تعامل واشنطن مع التوازنات اللبنانية، فقد حمل حديث عون عن رئيس مجلس النواب نبيه بري خلال لقائه ترمب، ثم الثناء الذي خص به الأخير بري، دلالة سياسية تعكس، على الأرجح، توجهاً عاما لاستيعاب "المكوّن الشيعي" داخل المعادلة الجديدة، وليس التعامل معه كطرف مهزوم يُدفع إلى خارج النظام السياسي، كما حصل مع "المكون المسيحي" بعد انتهاء الحرب الأهلية. إذ تقوم المقاربة الأميركية والعربية، كما توحي المؤشرات، على الفصل بين إنهاء وظيفة سلاح "حزب الله" وبين احتواء الشيعة في النظام السياسي والدولة. وتختلف هذه المقاربة عن تلك التي نشأت بعد انتهاء الحرب الأهلية، تحت المظلة السورية وبدعم أميركي ودولي، إذ انتهت إلى  موازين قوى أخرجت مراكز الثقل المسيحي من مركز القرار داخل الدولة خلال سنوات طويلة.

إذا كانت آخر زيارة لأمين الجميل إلى البيت الأبيض قد ارتبطت ببدايات صعود النفوذ السوري ثم الإيراني في لبنان على حساب النفوذ الأميركي، فإن لقاء جوزيف عون وترمب يؤشر إلى العكس تماما

ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة: أي خيار سيتخذه "حزب الله"؟ هل يقرر التموضع خارج السلطة والانتقال إلى المعارضة، كما وجدت قوى مسيحية رئيسة نفسها خارج معادلة الحكم خلال سنوات الوصاية السورية مع احتفاظها بدورها السياسي والشعبي؟ أم يختار الانخراط في المعادلة الجديدة وفق شروطها، بما تتضمنه من تفكيك لجناحه العسكري؟

تتقاطع الإجابة عن هذا السؤال مع مستقبل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، فالمعطيات الحالية لا توحي بحرب شاملة تنتهي بحسم سريع، كما لا تشير إلى تسوية مستقرة تنهي الصراع بين الطرفين. فالأرجح أن المنطقة دخلت دورة طويلة من الهدن والتصعيد، تتخللها جولات تفاوض وضغوط اقتصادية وعمليات عسكرية محدودة، بما يجعل الاستنزاف المتبادل السمة الرئيسة لهذه المرحلة. ويمثل هذا المسار تحدياً متزايداً للنظام الإيراني، فالضغوط العسكرية والاقتصادية، ترفع كلفة المحافظة على شبكات النفوذ الخارجية، التي تلقت ضربات قوية تشكل بدورها عوامل ضغط على بنية النظام السياسية والاقتصادية،  ولذلك فإن السؤال الراهن هو عن قدرة طهران على امتصاص ضغوط تتزايد مع مرور الوقت.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس اللبناني جوزيف عون في المكتب البيضاوي للبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 21 يوليو 2026

ويبقى الدعم الروسي والصيني للنظام الإيراني عاملاً مؤثراً في تحديد سقف هذه التحولات، في ضوء التقارير التي تحدثت عن تزويد البلدين طهران بإحداثيات عسكرية "دقيقة". فالسؤال إلى أي حد تعتبر كل من موسكو وبكين أن بقاء النظام الإيراني يمثل مصلحة استراتيجية عليا؛ فإما أن تتحولا إلى مظلة سياسية واقتصادية تحد من آثار الضغوط الأميركية عليه، وإما أن يستمر دعمهما له محدودا دون الالتزام بالدفاع عن بقائه، وهو ما قد يدفع إيران إلى إعادة تعريف أولوياتها، وقد يفتح الباب أيضا أمام تحولات داخلية أعمق.

وتنعكس هذه المعادلة مباشرة على لبنان، لأنه شكل طيلة العقود الماضية الامتداد الأكثر أهمية للنفوذ الإيراني في المشرق، وبالتالي فكل تراجع يصيب قدرة طهران على إدارة مشروعها الإقليمي يفتح هامشاً أوسع أمام تعديل موازين القوى في بيروت. ولعل العبارة التي استخدمها دونالد ترمب، حين أكد أن الولايات المتحدة ستعامل لبنان باحترام، تحمل دلالة سياسية بالغة، إذ توحي بوجود إدراك سياسي (وليس أخلاقيا بطبيعة الحال) أميركي بأن مقاربات أميركية سابقة أسهمت في إنتاج البيئة التي كرست الوصاية السورية، ثم أتاحت لإيران توسيع نفوذها في لبنان ضمن شبكة أوسع من التقاطعات والتفاهمات الإقليمية التي حكمت إدارة أزمات الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة، ولا سيما بعد غزو العراق عام 2003.

ختاما، فإذا كانت آخر زيارة لأمين الجميل إلى البيت الأبيض قد ارتبطت ببدايات صعود النفوذ السوري ثم الإيراني في لبنان على حساب النفوذ الأميركي، فإن لقاء جوزيف عون وترمب يؤشر إلى العكس تماما، أي إلى ضمور النفوذ الإيراني في بيروت في مقابل انفلاش النفوذ الأميركي على نحو غير مسبوق منذ قيام لبنان الكبير عام 1920... والأمور في خواتيمها.

font change

مقالات ذات صلة