فرنسا تخسر "حديقتها الخلفية" في أفريقيا

صعود المنافسين وانقلاب السياسات يغير قواعد النفوذ الاقتصادي الفرنسي في أفريقيا

رويترز
رويترز
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلتقط صورة جماعية مع قادة دول أفريقية خلال الحفل الختامي لقمة "أفريقيا إلى الأمام" (Africa Forward) 2026 في مركز كينياتا الدولي للمؤتمرات في نيروبي، كينيا، 12 مايو/أيار 2026

فرنسا تخسر "حديقتها الخلفية" في أفريقيا

لم تعد أفريقيا تُعامل بوصفها "الحديقة الخلفية" لفرنسا كما كان يُنظر إليها في حقبة "فرانس أفريك"، إذ تتجه دول عدة، خصوصا في غرب ووسط القارة، إلى إعادة صوغ علاقاتها الاقتصادية والمالية مع باريس عبر سياسات تستهدف تنويع الشركاء وتقليص الاعتماد على الإرث الاستعماري، بما في ذلك إصلاح المنظومة النقدية وتعزيز التكامل الإفريقي.

فبين تراجع النفوذ الفرنسي في قطاع اليورانيوم بالنيجر، وتصاعد الضغوط على منظومة الفرنك الأفريقي، وانحسار حضور بعض الشركات الفرنسية في أسواق أفريقية، تواجه باريس واحدة من أصعب مراحل تراجع نفوذها الجيو-اقتصادي في القارة منذ نهاية الحقبة الاستعمارية، في ظل توسع حضور قوى دولية منافسة مثل الصين وروسيا وتركيا ودول الخليج.

وقد بدأ الانكفاء الاستراتيجي الفرنسي من النيجر بانهيار احتكار اليورانيوم. وتسارع بعد انقلاب عام 2023، مع فقدان شركة "أورانو" امتيازاتها وسيطرتها التشغيلية على أبرز مناجم اليورانيوم. لتشغيل المفاعلات النووية الـ 57 في محطات الطاقة الـ21 بفرنسا، تحتاج شركة الكهرباء الفرنسية "أو دي إف" (EDF) إلى أكثر من 8 آلاف طن من اليورانيوم الطبيعي سنويا، مع العلم أن الدولة تولد نحو 70 في المئة من كهربائها من الطاقة النووية.

اتجهت النيجر إلى إعادة رسم خريطة شركائها في قطاع التعدين، فاتحة الباب أمام لاعبين دوليين جدد، وهو ما أنهى عمليا الامتياز التاريخي الذي تمتعت به الشركات الفرنسية في قطاع اليورانيوم لعقود

وبعد توقف عمليات تعدين اليورانيوم داخل الأراضي الفرنسية، مطلع الألفية الثالثة، اتجهت فرنسا إلى تنويع مصادر إمداداتها عبر الاستيراد من دول عدة في الوقت نفسه. ويُعد هذا التنويع في الموردين أحد أهم عناصر أمن الإمدادات النووية بالنسبة لشركة الكهرباء الفرنسية. وحسب تقرير نشرته صحيفة "لو موند" الفرنسية عام 2023، خلال العقد الماضي جاء نحو 27 في المئة من واردات فرنسا من اليورانيوم من كازاخستان، و20 في المئة من النيجر، و19 في المئة من أوزبكستان.

 بدأ الاستغلال الصناعي لليورانيوم في النيجر عام 1971 عبر شركة "كوجيما" (COGEMA)، الذراع التعدينية للمفوضية الفرنسية للطاقة الذرية (CEA)، التي أصبحت لاحقا جزءا من "أريفا" (Areva) قبل أن تحمل اسم "أورانو" (Orano) منذ عام 2018.

أ.ف.ب
شاحنات تنقل صخورًا تحتوي على الكعكة الصفراء المادة الأولية من اليورانيوم في منجم أرليت المكشوف في صحراء آير بالنيجر، 23 فبراير/شباط 2005

وتطورت عملياتها في مناجم "أرليت" و"أكوكان"، فيما حصل مشروع "إيمورارن" على رخصة استغلال عام 2009 قبل أن يُجمَّد بسبب ظروف السوق ثم تُسحب رخصته في عام 2024. واستند هذا الحضور إلى اتفاقيات تعدين طويلة الأجل أبرمت في مرحلة ما بعد الاستقلال، قبل أن يتعرض هذا الامتياز التاريخي لانتكاسة كبيرة عقب انقلاب 2023 وما تبعه من إجراءات اتخذتها السلطات النيجرية ضد "أورانو". ومن المآخذ التي كانت تُحسب على فرنسا بناء العلاقات التعدينية مع النيجر على اتفاقيات طويلة الأجل، منحت الشركات الفرنسية شروطا ضريبية ومالية مواتية.

صدمة الطاقة

في 19 يونيو/حزيران 2025، أعلنت حكومة النيجر تأميم شركة "سوماير" (SOMAÏR)، المشغلة لأكبر منجم يورانيوم عامل في البلاد، ونقلت ملكية جميع أسهمها وأصولها إلى الدولة. وجاء القرار بعد أشهر من فقدان شركة "أورانو" الفرنسية السيطرة التشغيلية على المنجم، على الرغم من امتلاكها 63.4 في المئة من أسهم الشركة، منهيا أكثر من خمسة عقود من الهيمنة الفرنسية على تشغيل أهم أصول اليورانيوم في النيجر.

واتجهت النيجر إلى إعادة رسم خريطة شركائها في قطاع التعدين، فاتحة الباب أمام لاعبين دوليين جدد، وهو ما أنهى عمليا الامتياز التاريخي الذي تمتعت به الشركات الفرنسية في قطاع اليورانيوم لعقود. وبالنسبة إلى باريس، لم يكن التحدي البحث عن أسواق جديدة، بل تسريع تنويع مصادر إمدادات اليورانيوم والحد من اعتمادها على أحد أهم معاقل نفوذها التقليدية في أفريقيا.

لم تقف باريس مكتوفة الأيدي، بل بدأت منذ فترة رحلة بحث عن بدائل تعوض بها خسائرها المدوية في معاقلها الفرنكوفونية الضائعة

الدكتور شين خثير، الأستاذ الجامعي والباحث الأكاديمي في التسويق والابتكار

 لكن أخطر ما في هذه المعادلة، بحسب الدكتور شين خثير، الأستاذ الجامعي والباحث الأكاديمي في التسويق والابتكار، هو "تفكيك منظومة الحصانة التجارية للمواد الأولية. فالامتيازات التي اندثرت في عواصم الساحل الأفريقي تعني ببساطة أن المفاعلات النووية الفرنسية التي كانت تضمن لأجزاء كبيرة من طاقة البلاد، أصبحت مهددة أكثر بالوقوع تحت تقلبات البورصة العالمية الحرة".

ويستطرد خثير مفككا أبعاد هذه الأزمة في حديثه إلى "المجلة" أن "باريس لم تقف مكتوفة الأيدي، بل بدأت منذ فترة رحلة بحث عن بدائل تعوض بها خسائرها المدوية في معاقلها الفرنكوفونية الضائعة. فمن مساعي حثيثة لاختراق القارة الأفريقية الناطقة بالإنكليزية إلى التمدد نحو آسيا وكندا وأوستراليا وكازاخستان، ما كان لافتا هو أن هذه الأسواق لا تُعرف بالامتيازات ولا بالعقود الحصرية بالمجان".

وحسب قراءته التحليلية فإن "هذه الأسواق الحرة تتطلب استثمارات ضخمة ومخاطر مالية غير مضمونة العواقب. ومما لا شك فيه أن باريس لن تحقق مستويات الأرباح الطائلة والسهلة نفسها التي كانت تجنيها من القارة السمراء".

أ.ف.ب.
عنصر من القوات النيجرية يقف لحراسة منجم يورانيوم تابع لفرنسا، في مدينة أرليت، النيجر 26 سبتمبر/أيلول 2010

ولم يكن ما جرى في النيجر سوى أول حجر دومينو في تراجع النفوذ الفرنسي بمنطقة الساحل. فما إن بدأت باريس تستوعب تداعيات خسارة أحد أهم معاقلها في اليورانيوم، حتى واجهت انتكاسة جديدة في بوركينا فاسو، التي واصلت سياسة فك الارتباط مع فرنسا، منهية العلاقات الديبلوماسية بين البلدين.

إلا أن نموذج تقليص الدور الفرنسي لم يقتصر فقط على تأميم أصول الشركات من قبل الدول الأفريقية. ففي بعض الحالات، باعت الشركات الفرنسية حصصها في شركات أفريقية في سياق "إعادة تحديد أولوياتها الاستثمارية"، حتى ولو كان الموضوع يصب إلى حد ما في خانة التخارج من هذه الدول. وفي هذا السياق أعلنت شركة "توتال إنرجي" (TotalEnergies) في فبراير/شباط 2025، بيع جميع أصولها في بوركينا فاسو إلى "كوريس للاستثمار" التي تعمل في مجال البنوك والعقارات والمناجم وتوسعت نحو مجالات الطاقة في السنوات الأخيرة، (Coris Investment Group) المملوكة لرجل الأعمال البوركينابي إدريسا ناسا، وذلك في إطار إعادة هيكلة محفظة الشركة في أفريقيا. شملت الصفقة شبكة محطات الوقود وأنشطة توزيع المنتجات النفطية والخدمات المرتبطة بها، مع انتقالها إلى المالك الجديد بعد استكمال الإجراءات التنظيمية.

وفي مايو/أيار 2024، واجهت شركة "ميريديام" (Meridiam) الفرنسية المتخصصة في تطوير وتمويل البنية التحتية انتكاسة جديدة في أفريقيا، بعدما ألغت الحكومة الكينية عقدا بقيمة 1.3 مليار يورو (1.4 مليار دولار) كانت قد وقعته معها عام 2020 لتحديث وتوسعة طريق سريع بطول 175 كيلومترا يربط بين نيروبي وناكورو وماو ساميت

كما يأتي هذا القرار بعد انسحاب الشركة في يناير/كانون الثاني 2025 من مالي، بعد بيعها أصولها لشركة "كولي إنرجي مالي"، وكذلك إنهاء عقودها في تشاد، النيجر، وجمهورية أفريقيا الوسطى.

وفي مايو/أيار 2024، أعلن بنك "بي إن بي باريبا" (BNP Paribas)، أنه سيتوقف عن تقديم الخدمات المصرفية للشركات والاستثمار في جنوب أفريقيا، وذلك في إطار خطته لإعادة هيكلة أعماله وتركيز أنشطته على أسواقه الأساس في أوروبا وآسيا. كما باع البنك الفرنسي شركاته التابعة في بوركينا فاسو ومالي وغينيا والسنغال وساحل العاج. والحال نفسه شهدته عمليات بنك "سوسيتيه جنرال".

وفي مايو/أيار 2024، واجهت شركة "ميريديام" (Meridiam) الفرنسية المتخصصة في تطوير وتمويل البنية التحتية انتكاسة جديدة في أفريقيا، بعدما ألغت الحكومة الكينية عقدا بقيمة 1.3 مليار يورو (1.4 مليار دولار) كانت قد وقعته معها عام 2020 لتحديث وتوسعة طريق سريع بطول 175 كيلومترا يربط بين نيروبي وناكورو وماو ساميت.

أ.ف.ب
محطة بوجيه للطاقة النووية في بلدة سان فولبا،شرق فرنسا، 25 يناير/كانون الثاني 2022

وكان المشروع يُعد أحد أكبر مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص في شرق أفريقيا، بمشاركة مجموعة "فينسي" (Vinci) الفرنسية التي كانت ستتولى تشغيل قسم الطريق برسوم عبور، إلا أن السلطات الكينية قررت إنهاء الاتفاق.

تحولت العلاقة بين فرنسا والغابون من نموذج قائم على تصدير المواد الخام إلى نموذج يركز على التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة، بدلا من التأميم أو إنهاء الاستثمارات الفرنسية

وجاء هذا التطور بعد أقل من عام على استبعاد "ميريديام" من مشروع مطار دونسين في بوركينا فاسو في أغسطس/آب 2023، في مؤشر إلى تصاعد التحديات التي تواجه بعض شركات البنية التحتية الفرنسية في القارة الأفريقية.

نموذج آخر يبرز في الغابون

تختلف الغابون عن مالي والنيجر وبوركينا فاسو. فحتى بعد انقلاب أغسطس/آب 2023، لم تتبنَّ ليبرفيل سياسة مواجهة مع الشركات الفرنسية أو تأميم أصولها، بل اتجهت إلى إعادة التفاوض على العلاقة الاقتصادية مع باريس مع الحفاظ على الاستثمارات القائمة. وقد وقعت الغابون وشركة "إيراميت" (Eramet) الفرنسية مذكرة تفاهم تمهد لتسوية خلاف استمر أشهرا في شأن معالجة خام المنغنيز محليا، وذلك خلال زيارة الرئيس الغابوني بريس أوليغي نغيما لباريس في 20 يوليو/تموز الجاري.

وتفتح الاتفاقية الباب أمام تأجيل حظر تصدير خام المنغنيز غير المعالج من عام 2029 إلى 2031، مقابل التزام "إيراميت" تنفيذ استثمارات صناعية داخل الغابون، تشمل تحديث مجمع مواندا المعدني وإنشاء مصنع جديد لأكسيد المنغنيز قرب ليبرفيل. لكن تنفيذ هذه المشاريع يبقى مشروطا بقدرة الغابون على تحسين إمدادات الكهرباء والطاقة، إضافة إلى تحديث سكة حديد ترانس-غابون التي تديرها شركة SETRAG التابعة لـ"إيراميت"، والتي يجري العمل على توفير تمويل بقيمة 225 مليون يورو لتطويرها.

أ.ف.ب
بنك "بي أن بي" (BNP) في مدينة سطاوالي، غرب الجزائر، 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2006

ويعكس الاتفاق تحولا في العلاقة بين الغابون والشركات الفرنسية من نموذج قائم على تصدير المواد الخام إلى نموذج يركز على التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة، بدلا من التأميم أو إنهاء الاستثمارات الفرنسية.

الجزائر تحجم وجود الاستثمارات الفرنسية

بينما كانت الشركات الفرنسية تفقد موطئ قدمها في عدد من دول الساحل، كانت الجزائر تعيد هي الأخرى صوغ علاقتها مع باريس على أساس "المعاملة بالمثل"، في ابتعاد متزايد عن الإرث الذي منح فرنسا لعقود موقعا استثنائيا في شمال أفريقيا.

توقف الإنتاج في مصنع "رينو" بوادي تليلات منذ عام 2020 بعد إلغاء منظومة التجميع القديمة واعتماد دفتر شروط جديد لصناعة السيارات يفرض نسب إدماج محلي أعلى، ليبقى المصنع في انتظار اعتماد جديد لاستئناف نشاطه

والبداية كانت من قطاع النقل، إذ انتهى في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2020 عقد شركة "راتب ديف" (RATP Dev) الفرنسية لتشغيل وصيانة مترو الجزائر العاصمة، بعدما تولت هذه المهمة منذ افتتاحه عام 2011، وقررت السلطات عدم تجديد العقد وإسناد التشغيل إلى شركة جزائرية مملوكة بالكامل للدولة. وبعد أقل من عام، لحق بها مجمع "سويز" الفرنسي، مع انتهاء عقد التسيير المفوض مع شركة المياه والتطهير للجزائر (سيال) في 31 أغسطس/آب 2021، بعد 15 عاما من الشراكة وثلاثة تجديدات متتالية منذ توقيع العقد الأول عام 2006، لتنتقل الإدارة بالكامل إلى كفاءات جزائرية.

ولم يكن قطاع التصنيع بمنأى من هذا التحول، إذ توقف الإنتاج في مصنع "رينو" بوادي تليلات منذ عام 2020 بعد إلغاء منظومة التجميع القديمة واعتماد دفتر شروط جديد لصناعة السيارات يفرض نسب إدماج محلي أعلى، ليبقى المصنع في انتظار اعتماد جديد لاستئناف نشاطه. كما تلقت الأوساط المالية الفرنسية ضربة أخرى عندما سحب مجلس النقد والقرض في 2021 ترخيص بنك "كريدي أغريكول كوربوريت آند إنفستمنت بنك الجزائر"، منهيا وجود المصرف الفرنسي المتخصص في تمويل الشركات والاستثمار داخل البلاد.

أ.ف.ب
رجل يحصي أوراق نقدية منى فئات مختلفة من عملة الفرنك الإفريقي (CFA) في أبيدجان، ساحل العاج، 27 مارس/آذار 2024

ولم يقتصر التراجع على النقل والخدمات المالية، بل امتد إلى الصناعة الثقيلة. فبعد تعثر مشروع المجمع البتروكيميائي الذي كانت "توتال" تعتزم تطويره مع "سوناطراك" في أرزيو، اتجهت الجزائر إلى تنفيذ مشاريعها البتروكيميائية مع شركاء آخرين من بينهم شركة إيطالية وأخرى صينية. وفي قطاع الصناعة، أنهت "ميشلان" نشاط مصنعها التاريخي في باش جراح، لتطوي بذلك صفحة امتدت لنحو ستة عقود من الحضور الصناعي في الجزائر.

وفي واحدة من أكبر الخسائر التي مُني بها قطاع الحبوب الفرنسي، فقدت فرنسا تدريجيا موقعها التاريخي بوصفها المورد الأول للقمح إلى الجزائر، وهي سوق كانت تمثل لعقود إحدى أهم وجهات صادراتها الزراعية. وجاء هذا التحول بعدما عدّل الديوان المهني الجزائري للحبوب عام 2020 دفاتر الشروط الخاصة بمناقصات الاستيراد، بما سمح بدخول القمح الروسي وحبوب البحر الأسود إلى المنافسة. ومنذ ذلك الحين، أخذت الحصة الفرنسية في التراجع لصالح روسيا، قبل أن تتوقف شحنات القمح الفرنسي إلى الجزائر عمليا منذ منتصف عام 2024 بفعل المنافسة السعرية والتوتر الديبلوماسي بين البلدين.

وإذا كانت فرنسا قد خسرت جانبا مهما من نفوذها الاقتصادي والسياسي في دول الساحل، ولا سيما في النيجر ومالي وبوركينا فاسو، بما شمل تراجع حضور شركاتها وفقدان امتيازات في قطاعات استراتيجية مثل اليورانيوم، فإن هذه التحولات امتدت أيضا إلى إحدى أكثر أدوات النفوذ الفرنسي حساسية، وهو منظومة الفرنك الإفريقي. فرغم استمرار العمل بالعملة في دولها الأعضاء، فإن السنوات الأخيرة شهدت تصاعد الدعوات إلى تعزيز السيادة النقدية وتقليص الدور الفرنسي في إدارتها، في موازاة انحسار النفوذ السياسي والعسكري لباريس في المنطقة.

التراجعات الأخيرة للنفوذ الاقتصادي الفرنسي في أفريقيا لن تقود باريس إلى انهيار مالي مفاجئ نظرا لتنوع اقتصادها، غير أنها تشكل استنزافا تدريجيا لموارد الخزينة العمومية

الدكتور الهواري تيغرسي، أستاذ العلوم الاقتصادية

وقال الدكتور الهواري تيغرسي، أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة الجزائر في حديثه الى "المجلة" إن "التراجعات الأخيرة للنفوذ الاقتصادي الفرنسي في أفريقيا لن تقود باريس إلى انهيار مالي مفاجئ نظرا لتنوع اقتصادها، غير أنها تشكل استنزافا تدريجيا لموارد الخزينة العمومية".

وأوضح الخبير أن تراجع أرباح الشركات الفرنسية الكبرى في الأسواق الإفريقية لا يقتصر أثره على أداء تلك الشركات، بل قد ينعكس أيضا على المالية العامة الفرنسية، من خلال انخفاض الأرباح المحولة إلى الشركات الأم، وما قد يترتب على ذلك من تراجع في الحصيلة الضريبية المرتبطة بأرباحها داخل فرنسا.

أ.ف.ب
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يتحدث خلال قمة أفريقية - فرنسية، في العاصمة نيروبي، كينيا، 10 مايو/أيار 2026

وحذر تيغرسي من أن التكلفة لن تقف عند حدود الأرقام، بل قد تمتد إلى الاقتصاد الفرنسي عبر تقليص النشاط المرتبط بالأسواق الأفريقية، بما قد يؤثر في الوظائف المرتبطة بإدارة الاستثمارات الخارجية ويضعف أداء بعض القطاعات التي اعتمدت تاريخيا على تلك الأسواق. كما قد تزداد الضغوط على المالية العامة بصورة غير مباشرة إذا استدعى الأمر تعزيز أدوات دعم الصادرات ومساندة الشركات في تنويع أسواقها.

مبادرة ماكرون

خلال مشاركته في قمة "أفريقيا إلى الأمام" (Africa Forward Summit) في مركز كينياتا الدولي للمؤتمرات في نيروبي، كينيا، في 12 مايو/أيار 2026. أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن بلاده ستستثمر 23 مليار يورو (27 مليار دولار) في دول أفريقية، مع تركيز خاص على قطاعات الطاقة والذكاء الاصطناعي والثقافة. في المقابل، شدد الرئيس الكيني ويليام روتو مرارا على أن أي شراكة جديدة بين أفريقيا وفرنسا ينبغي أن تقوم على احترام سيادة الدول الأفريقية.

وقال روتو إن هذه الشراكة "يجب ألا تُبنى على التبعية، بل على المساواة بين الدول ذات السيادة، وألا تقوم على المساعدات أو الإحسان، وإنما على استثمارات تحقق منفعة متبادلة، وألا تستند إلى استخراج الموارد أو استغلالها، بل إلى تعاون يحقق مكاسب للطرفين".

وعلى الرغم من إعلان باريس حزمة الاستثمارات الجديدة، فإنها لم تحجب موجة الانتقادات التي طالت ماكرون على منصات التواصل الاجتماعي، والتي ألقت بظلالها على أعمال القمة.

عززت الصين موقعها أكبر شريك تجاري للقارة للعام السادس عشر على التوالي، مع وصول حجم تجارتها مع الدول الأفريقية إلى مستوى قياسي بلغ 295.6 مليار دولار في عام 2024

وفي المحصلة، يمكن التأكيد أن الانحسار الجيو _اقتصادي لباريس في القارة السمراء لا يُعتبر مجرد خسارة لصفقة تجارية. فهو إعلان رسمي لتقويض جدار التبعية الاقتصادية للإليزيه في القارة السمراء.

وقد دفع هذا التحول باريس إلى تسريع جهودها لتنويع أسواقها واستثماراتها خارج دوائر نفوذها التقليدية، حيث تواجه منافسة أشد ولا تتمتع بالمزايا التاريخية التي طالما استفادت منها في عدد من الأسواق الأفريقية الفرنكوفونية. ويعكس ذلك إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي في القارة، مع صعود قوى جديدة مثل الصين وتركيا والهند وروسيا.

فقد عززت الصين موقعها أكبر شريك تجاري للقارة للعام السادس عشر على التوالي، مع وصول حجم تجارتها مع الدول الأفريقية إلى مستوى قياسي بلغ 295.6 مليار دولار في عام 2024، وهو ما يعكس التحول المتسارع في موازين النفوذ الاقتصادي داخل القارة، في حين ارتفعت الصادرات التركية إلى الدول الأفريقية إلى 19.4 مليار دولار في العام نفسه. كما تجاوزت التجارة بين الهند وأفريقيا حاجز 100 مليار دولار في 2024-2025.

رويترز
الرئيس الغابوني بريس أوليغي نغيما والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يشهدان توقيع مذكرة تعدين بين البلدين، باريس، 20 يوليو/تموز 2026

وفي المقابل، بلغ حجم التجارة السلعية بين فرنسا وأفريقيا جنوب الصحراء نحو 24.1 مليار يورو في عام 2024، بانخفاض طفيف عن 24.3 مليار يورو في العام السابق. وقد واصلت حصة المنطقة من التجارة الخارجية الفرنسية اتجاهها التنازلي على المدى الطويل، على الرغم من احتفاظ باريس بحضور اقتصادي مهم في عدد من الأسواق الأفريقية، ولا سيما في ساحل العاج والسنغال، إلى جانب حضورها القوي في شمال أفريقيا، وخاصة المغرب.

 ومع انحسار نفوذها في عدد من دول الساحل، لم تتجه فرنسا إلى الانسحاب من القارة الأفريقية، بل إلى إعادة توزيع استثماراتها وتنويع أسواقها، بالتوازي مع إعطاء أولوية متزايدة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، ولا سيما الهند ودول جنوب شرق آسيا، إضافة إلى تعزيز حضورها في دول الخليج، سعيا لتعويض جزء من الفرص الاقتصادية التي فقدتها في أسواقها الأفريقية التقليدية.

font change

مقالات ذات صلة