ترمب يحيي قوانين من القرن الماضي ليضغط على التجارةhttps://www.majalla.com/node/332197/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D8%AA%D8%B1%D9%85%D8%A8-%D9%8A%D8%AD%D9%8A%D9%8A-%D9%82%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B6%D9%8A-%D9%84%D9%8A%D8%B6%D8%BA%D8%B7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A9
في 20 يوليو/تموز 2026، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ثلاثة قرارات رئاسية فرضت رسوما جمركية بنسبة 50 في المئة على عشرات المنتجات الكندية، من النبيذ والمشروبات الكحولية وعصي الهوكي وزلاجات الجليد، إلى الأسمنت والأثاث الخشبي والملابس والسترات المحشوة بالريش، وحتى الشعر المستعار.
بعد ذلك بثلاثة أيام، أعلن مكتب الممثل التجاري الأميركي (USTR) في 23 يوليو/تموز 2026 فرض رسوم جمركية إضافية تراوح بين 10 و12.5 في المئة على واردات من 60 شريكا تجاريا بموجب المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، مبررا الخطوة بإخفاق تلك الاقتصادات في فرض أو التطبيق الفعال لحظر استيراد السلع المنتجة بالعمل القسري.
وتقع كندا ضمن الدول التي خضعت للحد الأدنى من الرسوم (10 في المئة)، على الرغم من امتلاكها تشريعات تحظر واردات العمل القسري، في حين فرضت نسبة 12.5 في المئة على الاقتصادات التي اعتبرت واشنطن أنها لم تعتمد مثل هذه الإجراءات. كما استُثنيت من القرار فئات محددة من السلع، من بينها بعض منتجات الطاقة والمواد الخام والسلع الخاضعة لاستثناءات خاصة، حفاظا على استقرار الإمدادات وسلاسل التوريد.
بداية مع كندا
لم تكن هذه الرسوم مجرد تصعيد روتيني في التوترات التجارية بين الجارين. فهي بدت كفصل جديد في استراتيجيا ترمب التجارية القائمة على الانتقال من الحروب التجارية الواسعة النطاق إلى "الاستهداف الاقتصادي الدقيق" الذي يركز على قطاعات ذات حساسية سياسية وانتخابية في كندا، مع استثناء حذر لتلك التي قد تؤذي الاقتصاد الأميركي نفسه.
فاللافت في هذه الجولة لم يكن ارتفاع نسبة الرسوم بحد ذاته، إنما طبيعة السلع المختارة، إذ تبدو قائمة المنتجات كأنها صُممت بعناية لتحقيق أكبر أثر سياسي داخل كندا، مع تقليل التكلفة الاقتصادية على الولايات المتحدة.
اختيار منتجات مثل عصي الهوكي وزلاجات الجليد يمنح الرسوم بعدا رمزيا، لأنها ترتبط بثقافة المستهلك الكندي، مما يزيد أثرها السياسي والاجتماعي إلى جانب أثرها التجاري
وتحويل التجارة إلى سلاح ضد حليف تاريخي مثل كندا يبعث برسالة إلى بقية شركاء واشنطن (كالاتحاد الأوروبي واليابان) مفادها أن الشركاء الاستراتيجيين لم يعودوا بمعزل عن سياسات الحماية الجمركية الصارمة.
قطاعات "مؤلمة" سياسيا
بدأت الإدارة الأميركية بتحديد نقاط الضعف الكندية. فيمكن قراءة إدراج النبيذ والمشروبات الكحولية في سياق التصعيد المتبادل، بعدما أزالت عدة مقاطعات كندية المنتجات الأميركية من متاجرها الحكومية ردا على الرسوم السابقة، وإن لم تربط واشنطن رسميا بين الإجراءين. ويأتي استهداف منتجات الألبان في سياق نزاع تجاري مزمن بين البلدين في شأن نظام إدارة المعروض الكندي الذي تعتبره واشنطن مقيداً لنفاذ المنتجات الأميركية إلى السوق الكندية.
أما اختيار منتجات مثل عصي الهوكي وزلاجات الجليد فيمنح الرسوم بعدا رمزيا، لأنها ترتبط بثقافة المستهلك الكندي، مما يزيد أثرها السياسي والاجتماعي إلى جانب أثرها التجاري.
حاويات بضائع صينية تتجهز للتصدير من ميناء تشينغداو شرق الصين، بعد الاتفاق على خفض الرسوم الجمركية بين الصين والولايات المتحدة الأميركية، 11 مايو 2025
أما إدراج منتجات تبدو بعيدة عن النزاعات التجارية التقليدية، مثل أحواض السباحة، فيعكس اتساع نطاق القوائم الجمركية التي لم تعد تقتصر على السلع الاستراتيجية، بل امتدت إلى منتجات استهلاكية متنوعة.
ويعكس إدراج الأسمنت والأثاث والملابس اتساع نطاق الرسوم ليشمل قطاعات صناعية وإنشائية واستهلاكية متعددة، بما يزيد تأثيرها على سلاسل الإمداد والتجارة الثنائية، بدلا من اقتصارها على السلع الزراعية أو المواد الخام.
اللافت أن سلعا مستهدفة كثيرة ليست من أكبر بنود التجارة الثنائية من حيث القيمة، لكنها تتمتع بحضور رمزي أو تتركز صناعتها في مقاطعات ومناطق انتخابية محددة. وذلك مؤشر الى انتقال الرسوم الجمركية من أداة تستهدف الميزان التجاري إلى وسيلة لممارسة ضغط سياسي داخلي على الحكومات الحليفة.
وبعيدا عن الأرقام الكلية، فإن الرسوم على الأثاث والملابس والأسمنت تمتد إلى قطاعات تضم عددا كبيرا من الشركات الصغيرة والمتوسطة، ولا سيما في مقاطعات صناعية مثل أونتاريو وكيبك. ونظرا إلى محدودية هوامش أرباح كثير من هذه الشركات مقارنة بالمجموعات الكبرى، فقد تضطر إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد أو توسيع استثماراتها داخل الولايات المتحدة لتقليل أثر الرسوم، وهو ما ينسجم مع أحد الأهداف المعلنة لإدارة ترمب، والمتمثل في جذب التصنيع وإعادة توطين الإنتاج والوظائف داخل الولايات المتحدة.
كما أن الممثل التجاري الأميركي، جاميسون غرير، أكد خلال مفاوضات مراجعة اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA) أن أحد أهداف الإدارة هو إعادة التصنيع إلى الولايات المتحدة (reshoring manufacturing) وزيادة المحتوى الصناعي المنتج داخل أميركا الشمالية.
أخشاب اللين الشمالية في مقاطعة ألبرتا الكندية، وهي من المنتجات الكندية التي استهدفتها الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالقرب من مدينة فورت ماكموري في ألبرتا، كندا، 6 مايو 2026
وكانت وُلدت هذه الاتفاقية قبل ست سنوات، لتسهيل التجارة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، أما اليوم فتبدأ أول مراجعة لها في ظل موجة جديدة من الرسوم الجمركية والنزاعات التجارية، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الاتفاقية ستظل إطارا لتحرير التجارة أم ستتحول إلى أداة لإعادة رسم قواعدها بما يتوافق مع أولويات إدارة ترمب.
وتخدم السياسة الجمركية الجديدة تجاه كندا الخطاب السياسي الداخلي للرئيس ترمب، إذ تعزز صورته بوصفه مدافعا عن الصناعات والعمال الأميركيين، حتى في ظل استمرار الجدل بين الاقتصاديين حول الحصيلة الصافية للرسوم على الاقتصاد الأميركي. وفي هذا السياق، لا تمثل الرسوم أداة تجارية فحسب، بل تحمل أيضا بعدا سياسيا يعزز رسائل ترمب إلى قاعدته الانتخابية، ولا سيما في الولايات الصناعية والزراعية، كما تعكس استعداد الإدارة لاستخدام النفوذ التجاري حتى في التعامل مع أقرب الشركاء الاقتصاديين للولايات المتحدة.
أكد الممثل التجاري الأميركي، جاميسون غرير، خلال مفاوضات مراجعة اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا أن أحد أهداف الإدارة هو إعادة التصنيع إلى الولايات المتحدة (reshoring manufacturing) وزيادة المحتوى الصناعي المنتج داخل أميركا الشمالية
ويكتسب هذا الخطاب أهمية مضاعفة في الولايات الصناعية والحدودية، ولا سيما الولايات المتأرجحة انتخابيا، حيث تحظى قضايا الوظائف والتصنيع والتجارة بحساسية سياسية كبيرة، وتؤثر في توجهات الناخبين ونتائج الانتخابات.
كما تزيد هذه الخطوة من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين، ولا سيما في أميركا الشمالية، حيث استندت استثمارات وسلاسل توريد عابرة للحدود، على مدى العقود الثلاثة الماضية، إلى توقعات باستقرار الإطار التجاري بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ومع تكرار اللجوء إلى الرسوم الجمركية كأداة تفاوض وضغط سياسي، أصبحت الشركات أكثر ميلا إلى إعادة تقييم قراراتها الاستثمارية الطويلة الأجل، حتى في إطار علاقات تربطها اتفاقيات تجارة حرة.
تسييس المناخ، الرسوم الجمركية كعقاب بيئي
لم تتوقف الاستراتيجيا الجمركية عند الحدود الاقتصادية، بل امتدت إلى ملفات بيئية، إذ هدد الرئيس دونالد ترمب بإضافة التكلفة الاقتصادية الناجمة عن دخان حرائق الغابات الكندية العابرة للحدود إلى الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات الكندية، متهما أوتاوا بـ"الإهمال المتعمد" في إدارة الغابات والحرائق. ويعكس هذا الموقف اتجاها نحو توظيف أدوات التجارة في قضايا تتجاوز الخلافات التجارية التقليدية، بما يحول الرسوم الجمركية إلى وسيلة ضغط سياسي يمكن استخدامها في ملفات طارئة لا ترتبط مباشرة بالتبادل التجاري. كما حمل الخطاب بعدا سياسياً يمكن أن يلقى صدى لدى الناخبين في الولايات الأميركية المتضررة من دخان الحرائق.
حريق نهر ويست كيسكاتيناو (West Kiskatinaw River) الواقع على بعد 10 كيلومترات شرق بلدة تمبلر ريدج في كندا، 8 يونيو/حزيران 2023
الاستثناءات الاستراتيجية: حماية الاقتصاد الأميركي
في المقابل، استُثنيت واردات الطاقة الكندية، إلى جانب المعادن الحيوية والبوتاس والأسماك والمأكولات البحرية، وكذلك السيارات وقطع غيارها (باستثناء بعض الحالات الخاضعة لقرارات جمركية سابقة).
ويعكس هذا الاستثناء درجة التكامل العميق لسلاسل التوريد في صناعة السيارات بأميركا الشمالية، إذ قد تعبر بعض المكونات الحدود الأميركية والكندية، وأحيانا المكسيكية، أكثر من مرة خلال مراحل التصنيع المختلفة قبل خروج المنتج النهائي. لذلك، فإن فرض رسوم شاملة على هذا القطاع قد يرفع تكاليف الإنتاج على الشركات الأميركية نفسها، وينعكس في نهاية المطاف على أسعار المركبات للمستهلكين.
فلو شملت الرسوم النفط الكندي، لارتفعت تكاليف استيراده على المصافي الأميركية، وهو ما كان سيزيد احتمالات انتقال جزء من هذه التكلفة إلى أسعار الوقود التي يدفعها المستهلك الأميركي.
فقد أصبح النفط الخام الكندي أكثر أهمية لمصافي التكرير الأميركية، إذ شكّل 60 في المئة من إجمالي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام في عام 2023، مقارنة بـ33 في المئة فقط في عام 2013، حسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA). وجاء هذا الارتفاع بالتزامن مع زيادة الإنتاج الكندي، إذ نمت صادرات النفط الخام إلى الولايات المتحدة بمعدل سنوي متوسط بلغ 4 في المئة خلال الفترة بين 2013 و2023، حتى أصبحت تمثل نحو 24 في المئة من إجمالي النفط الذي تعالجه المصافي الأميركية، ارتفاعا من 17 في المئة قبل عشر سنوات.
أصبح النفط الخام الكندي أكثر أهمية لمصافي التكرير الأميركية، إذ شكّل 60 في المئة من إجمالي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام في عام 2023
ويرجع ذلك إلى أن كندا تنتج نفطا خاما يفوق كثيراً قدرتها المحلية على التكرير، إذ بلغ متوسط إنتاجها 4.6 ملايين برميل يوميا في عام 2023، مقابل طاقة تكريرية لا تتجاوز 1.7 مليون برميل يوميا. كما أن العديد من المصافي الأميركية صُمم لمعالجة النفط الخام الثقيل المستخرج من الرمال النفطية الكندية، وتحويله إلى البنزين والديزل والبتروكيماويات والبلاستيك.
وفي أبريل/نيسان 2025، أوضحت "رويترز" عند إعلان إعفاءات الرسوم الجمركية أن واردات النفط والغاز أُعفيت لأن مصافي أميركية، خصوصا في الغرب الأوسط، تعتمد على الخام الكندي، لتجنب ارتفاع تكاليف الطاقة كما تعتمد الصناعات الأميركية المتقدمة، ولا سيما بطاريات السيارات الكهربائية والإلكترونيات والصناعات الدفاعية، على إمدادات كندية من المعادن الحيوية. وقد بلغت قيمة صادرات كندا من المعادن الحيوية إلى الولايات المتحدة 30.7 مليار دولار كندي في 2024، وهو ما يمثل 63 في المئة من إجمالي صادرات كندا من المعادن الحيوية، فيما بلغ إجمالي التجارة الثنائية في هذه المعادن 39.2 مليار دولار كندي. وتؤكد هيئة الموارد الطبيعية الكندية أن هذه المعادن تدخل في سلاسل تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية، وأشباه الموصلات والإلكترونيات، والطاقة النظيفة، والفضاء والدفاع، وأن الولايات المتحدة هي الشريك التجاري الأول لكندا في هذا القطاع.
كل ذلك يجعل فرض رسوم واسعة عليها يرفع تكاليف الإنتاج المحلي. وينطبق الأمر أيضا على البوتاس، الذي يمثل مدخلا أساسيا في صناعة الأسمدة والزراعة الأميركية. وحسب هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، 79 في المئة من واردات الولايات المتحدة من البوتاس جاءت من كندا في 2020-2023، مما يجعلها المصدر المهيمن لهذا المعدن المستخدم في صناعة الأسمدة.
ويشير نمط هذه الإعفاءات إلى محاولة تقليص الأضرار على القطاعات الحيوية للاقتصاد الأميركي، مع إبقاء أدوات الضغط التجاري تجاه كندا.
التداعيات على الشركات العاملة في سلاسل التوريد الأميركية-الكندية، خاصة السيارات، تبقى محدودة نسبيا بفضل الاستثناءات، لكن الشركات ستشهد زيادة في التكاليف الإدارية والامتثال، مع مخاطر انتقال التأثيرات غير المباشرة إلى الأسعار والاستثمارات.
حسب هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، 79 في المئة من واردات الولايات المتحدة من البوتاس جاءت من كندا في 2020-2023، مما يجعلها المصدر المهيمن لهذا المعدن المستخدم في صناعة الأسمدة
بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات بين الولايات المتحدة وكندا نحو 909 مليارات دولار في عام 2024، وفق أحدث بيانات مكتب الممثل التجاري الأميركي (USTR)، مما يجعل العلاقة التجارية بين البلدين من أكبر العلاقات التجارية الثنائية في العالم. ولذلك فإن أي اضطراب واسع في حركة التجارة بينهما لا يقتصر أثره على الصادرات والواردات، بل يمتد إلى قرارات الاستثمار، وسلاسل التوريد والإنتاج، وسوق العمل على جانبي الحدود، في ظل التشابك العميق بين اقتصادي البلدين.
العودة إلى "سموت-هاولي"
ما يميز هذه الجولة هو لجوء الإدارة الأميركية إلى المادة 338 من قانون التعرفة الجمركية لعام 1930 المعروف بـ(Smoot–Hawley Tariff Act). وهي مادة ظلت معطلة عمليا لعقود، ولم يسبق استخدامها لفرض رسوم جمركية من قبل أي رئيس أميركي، بعدما أصبحت أدوات أحدث، مثل المادة 232 الخاصة بالأمن القومي والمادة 301 الخاصة بالممارسات التجارية غير العادلة، الإطار القانوني الرئيس للسياسة التجارية الأميركية. لذلك يمثل إحياؤها اليوم تحولا لافتا في الأدوات القانونية التي تعتمدها واشنطن في إدارة النزاعات التجارية.
وتجدر الإشارة إلى أن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) وصف استخدام ترمب للمادة 338 تجاه كندا تحديدا بأنه لم يكن بسبب حجم الخلاف التجاري فقط، بل لأنها كانت الدولة الوحيدة (باستثناء الصين في ظروف خاصة) التي اتخذت إجراءات انتقامية رسمية ضد الرسوم الأميركية. ومن ثم، فإن المادة 338 تتحول من أداة لمعالجة ممارسات تجارية تمييزية إلى أداة ردع ورسالة سياسية موجهة إلى جميع الشركاء التجاريين، فالرد على الرسوم الأميركية قد يقود إلى عقوبات أشد وأسرع.
ويُعد قانون سموت-هاولي من أكثر القوانين إثارة للجدل في التاريخ الاقتصادي الأميركي، إذ رفع الرسوم الجمركية على آلاف السلع خلال الكساد الكبير عام 1930، مما دفع عددا من الدول إلى اتخاذ إجراءات انتقامية، وأسهم في تعميق انكماش التجارة العالمية خلال الثلاثينيات، وفق تقديرات العديد من المؤرخين الاقتصاديين. بعد ذلك اتجهت الولايات المتحدة إلى تبني نهج أكثر اعتمادا على الاتفاقيات التجارية وخفض الرسوم، مما جعل اللجوء إلى الأدوات التي أتاحها القانون يتراجع لعقود طويلة.
يمنح هذا النص الرئيس صلاحيات واسعة لفرض رسوم تصل إلى 50 في المئة كرد على أي "تمييز" ضد التجارة الأميركية، دون الحاجة إلى تحقيقات مطولة كما في المادتين 232 (الأمن القومي) أو 301 (الممارسات غير العادلة).
تمنح إعادة تفعيل المادة 338 الإدارة الأميركية أساسا قانونيا داخليا لفرض رسوم جمركية حتى على واردات من شركاء تربطهم بالولايات المتحدة اتفاقيات تجارة حرة، وهو ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية في شأن مدى توافق هذه الخطوة مع التزامات واشنطن في إطار اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
يمنح هذا النص الرئيس صلاحيات واسعة لفرض رسوم تصل إلى 50 في المئة كرد على أي "تمييز" ضد التجارة الأميركية، دون الحاجة إلى تحقيقات مطولة كما في المادتين 232 (الأمن القومي) أو 301 (الممارسات غير العادلة)
ويرى بعض خبراء القانون التجاري أن العودة إلى المادة 338 قد تعيد فتح النقاش داخل الولايات المتحدة حول حدود السلطة التنفيذية في فرض الرسوم الجمركية دون موافقة الكونغرس، ولا سيما في ظل الجدل القانوني الذي أثارته الطعون الأخيرة على استخدام الرئيس سلطات الطوارئ لفرض الرسوم الجمركية، وما إذا كان الكونغرس قد فوّض السلطة التنفيذية بهذه الصلاحيات على هذا النحو.
ووصف سكوت لينسيكوم، نائب رئيس الاقتصاد في معهد كاتو، لجوء إدارة ترمب إلى المادة 338 بأنه "الخيار النووي" في السياسة التجارية الأميركية، نظرا لما تمنحه من صلاحيات واسعة للرئيس لفرض رسوم جمركية بسرعة ومن دون الإجراءات المطولة المنصوص عليها في قوانين أخرى. قال أيضاً: "لقد تجاوزنا نقطة اللاعودة" (We crossed the Rubicon).
رافعات الشحن فوق سفن محملة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس، بولاية كاليفورنيا الأميركية، 20 فبراير 2026
ويرى بعض المراقبين أن إحياء هذه المادة قد يفتح نقاشا أوسع حول إمكان لجوء الإدارات الأميركية مستقبلا إلى قوانين تاريخية نادرا ما استُخدمت، إذا ما رأت أنها توفر هامشا أكبر للمناورة في السياسة التجارية. ويمثل اللجوء إلى المادة 338 تحولا لافتا في كيفية التعامل مع اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. فبينما تتطلب المادة 232 الاستناد إلى اعتبارات تتعلق بالأمن القومي، تمنح المادة 338 الرئيس سلطة فرض رسوم ردا على ما يعده "تمييزا" ضد التجارة الأميركية، دون الحاجة إلى تبرير الإجراء بدواعٍ أمنية. ويرى عدد من خبراء القانون التجاري أن هذا الاستخدام قد يضع الاتفاقية أمام اختبار قانوني غير مسبوق، ويثير تساؤلات في شأن مدى توافقه مع التزامات الولايات المتحدة بموجب اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
ضغط سياسي أكثر من تصحيح اقتصادي
تختلف هذه الجولة عن الحروب التجارية مع الصين والاتحاد الأوروبي. فقد ركزت تلك المواجهات على قضايا هيكلية واسعة، مثل الاختلالات التجارية، والملكية الفكرية، والدعم الصناعي. أما في الحالة الكندية، فيرى بعض المحللين أن التحرك يتجاوز الخلافات التجارية التقليدية إلى استخدام الرسوم الجمركية كورقة ضغط سياسية في العلاقة الثنائية، بهدف انتزاع تنازلات في ملفات مثل الدعم الزراعي والوصول إلى الأسواق، فضلا عن توجيه رسالة إلى الشركاء التجاريين في شأن تكلفة الرد بإجراءات انتقامية.
يرى بعض المحللين أن التحرك يتجاوز الخلافات التجارية التقليدية إلى استخدام الرسوم الجمركية كورقة ضغط سياسية في العلاقة الثنائية، بهدف انتزاع تنازلات في ملفات مثل الدعم الزراعي والوصول إلى الأسواق
ففي الحرب التجارية مع الصين، استهدفت واشنطن قطاعات استراتيجية مثل التكنولوجيا والإلكترونيات وأشباه الموصلات، بينما تبدو الرسوم الجديدة على كندا أكثر انتقائية، مع تركيز أكبر على السلع الاستهلاكية والقطاعات ذات الحساسية السياسية، وهو ما يعكس اختلاف أهداف المواجهتين.
وبذلك أصبحت الرسوم الجمركية جزءا من أدوات إدارة العلاقات السياسية بين الحلفاء، وليس فقط وسيلة لمعالجة الاختلالات التجارية، خاصة مع السياق الأوسع لعدم تجديد اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا وتصريحات ترمب المتكررة في شأن مستقبل العلاقة مع كندا وقضايا السيادة.
استراتيجيا الرد الكندي الانتقامية
في مواجهة هذا التصعيد، اعتمدت كندا نهجا يجمع بين فرض رسوم جمركية انتقامية على سلع أميركية محددة، مع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة سعيا إلى التوصل لتسوية تفاوضية.
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، بعد جولة في منشأة جنرال دايناميكس لتصنيع المعدات الدفاعية، في اليوم الذي أعلن فيه إجراءات جديدة لتعزيز القدرات الدفاعية لكندا، في مدينة لندن بمقاطعة أونتاريو، كندا، 16 يوليو 2026
وفي بيان رسمي صادر عن مكتب رئيس الوزراء الكندي، وصف مارك كارني الرسوم بأنها "الأحدث في سلسلة الإجراءات التجارية الأميركية الأحادية" التي بدأت، بحسب البيان، بفرض واشنطن رسوما تنتهك اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA/CUSMA). وأكد أن كندا مارست حقها في مضاهاة تلك الإجراءات، مشيرا إلى أن حكومته قدمت سلسلة من المقترحات المفصلة والشاملة لتسوية النزاع وتحديث الاتفاقية، مع استعدادها لتكثيف المفاوضات في الأسابيع المقبلة.
ويتمثل المحور الرئيس للاستراتيجيا الكندية حاليا في تكثيف المفاوضات خلال مهلة الثلاثين يوما التي تسبق دخول الرسوم حيز التنفيذ. ولم يعلن كارني جولة جديدة من الرسوم الانتقامية، بل أكد أن كندا "ستعمل بلا كلل وستتخذ كل الإجراءات اللازمة" لحماية العمال والمزارعين والشركات وبناء اقتصاد أكثر قوة.
ويرى محللون أنه إذا تعثرت المفاوضات، فقد تواصل أوتاوا نهج الردود الانتقائية الذي اتبعته في الجولات السابقة، عبر استهداف قطاعات أميركية محددة، بالتوازي مع تعزيز الطلب على المنتجات الكندية ضمن مبادرات "اشترِ منتجات كندية" (Buy Canadian)، وتسريع تنويع الأسواق التصديرية، وتعزيز التنسيق مع المقاطعات. كما قد تلجأ إلى آليات تسوية النزاعات المنصوص عليها في اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA) أو إلى منظمة التجارة العالمية، إذا رأت أن الإجراءات الأميركية تتعارض مع التزامات واشنطن التجارية.
يرى محللون أنه إذا تعثرت المفاوضات، فقد تواصل أوتاوا نهج الردود الانتقائية الذي اتبعته في الجولات السابقة، عبر استهداف قطاعات أميركية محددة، بالتوازي مع تعزيز الطلب على المنتجات الكندية ضمن مبادرات "اشترِ منتجات كندية" (Buy Canadian)، وتسريع تنويع الأسواق التصديرية، وتعزيز التنسيق مع المقاطعات
ويرى اقتصاديون أن محدودية حجم الاقتصاد الكندي مقارنة بالاقتصاد الأميركي تجعل أي مواجهة تجارية شاملة أكثر تكلفة على أوتاوا، وهو ما يفسر تركيز الحكومة على تعزيز متانة الاقتصاد الداخلي، وتنويع الأسواق، بالتوازي مع مواصلة التفاوض. كما يُرجح أن تستمر الحكومة في التنسيق مع حكومات المقاطعات لتوحيد أي رد اقتصادي أو قانوني محتمل.
الرسوم كمرآة لعصر جديد من التجارة السياسية
ومع اقتراب دخول الرسوم حيز التنفيذ في 19 أغسطس/آب 2026، لا تبدو المواجهة مجرد خلاف تجاري عابر بين أكبر شريكين في أميركا الشمالية. فهي اختبار فعلي لمستقبل النظام التجاري الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. فإذا أصبحت القوانين المنسية من ثلاثينيات القرن الماضي أدوات اعتيادية في النزاعات الحديثة، فقد لا تكون كندا سوى أول اختبار لنموذج جديد في السياسة التجارية الأميركية، لتصبح الرسوم الجمركية فيه أداة لإعادة رسم موازين القوة مع الحلفاء بقدر استخدامها في مواجهة الخصوم.
العلم الأميركي يرفرف بالقرب من رافعات الشحن في ميناء لوس أنجليس، بولاية كاليفورنيا الأميركية، 28 مايو 2026
ما الفرق بين المادة 301 والإجراء المتخذ ضد كندا؟
يكشف القرار الجديد اختلافا واضحا في الأساس القانوني مقارنة بالإجراءات المتخذة ضد كندا. ففي حالة الدول الستين، استندت واشنطن إلى المادة 301 بعد ربط الرسوم بملف محدد يتعلق بالعمل القسري وإنفاذ قواعد التجارة، وهو مسار قانوني يتطلب تحقيقا من مكتب الممثل التجاري الأميركي ويستهدف ممارسات تجارية بعينها. وبذلك، فإن الرسوم على الدول الستين ترتبط – من الناحية الرسمية – بملف حقوق العمال وإنفاذ قواعد التجارة، بينما تستند الإجراءات ضد كندا إلى صلاحيات رئاسية أوسع تقوم على تقدير وجود "تمييز" ضد المصالح التجارية الأميركية، من دون الحاجة إلى المرور بالمسار التحقيقي نفسه الذي تتطلبه المادة 301. وهذا ما يجعل الإجراء ضد كندا أقرب إلى استخدام استثنائي للصلاحيات الرئاسية، في حين تمثل المادة 301 إحدى الأدوات التقليدية في سياسة الضغط التجاري الأميركية.
تحديات عديدة
تواجه الدول التي فرضت عليها الرسوم الإضافية بموجب المادة 301 ثلاثة تحديات رئيسة. أولها ارتفاع تكلفة النفاذ إلى السوق الأميركية، إذ تزيد الرسوم الجديدة أسعار صادراتها إلى الولايات المتحدة، مما يضعف قدرتها التنافسية ويضغط على الشركات المصدرة وسلاسل التوريد. وثانيها الامتثال التنظيمي، إذ تضطر الحكومات والشركات إلى تشديد أنظمة تتبع سلاسل الإمداد وإثبات خلو المنتجات من العمل القسري، وهو ما يتطلب استثمارات إضافية في أنظمة التدقيق والحوكمة. أما التحدي الثالث فيتمثل في حالة عدم اليقين التجاري، لأن المادة 301 تمنح الإدارة الأميركية مرونة في تعديل الرسوم أو توسيعها إذا رأت أن الشركاء لم يحققوا تقدما كافيا في تنفيذ متطلبات الحظر على السلع المنتجة بالعمل القسري.
تواجه الدول المشمولة برسوم المادة 301 ثلاثة تحديات مترابطة تتمثل في ارتفاع تكلفة النفاذ إلى السوق الأميركية، وتشديد متطلبات الامتثال لسلاسل التوريد، وتزايد حالة عدم اليقين بسبب إمكان تعديل الرسوم أو توسيعها مستقبلا
أما كندا فتواجه معضلة أكثر تعقيدا، لأن القضية لا تتعلق فقط برسوم جمركية، إذ ستتعرض لاختبار لطبيعة العلاقة الاقتصادية مع أكبر شريك تجاري لها.
ويذهب اقتصاديون إلى أن اعتماد كندا الكبير على السوق الأميركية يجعل قدرتها على الرد محدودة مقارنة بواشنطن، إذ يذهب نحو ثلاثة أرباع صادرات السلع الكندية إلى الولايات المتحدة، وقد استحوذت السوق الأميركية على نحو 72.5 في المئة من صادرات كندا السلعية في عام 2025، وفق مكتب كبير الاقتصاديين في وزارة الشؤون العالمية الكندية.
أحد العمال يفحص حذاء على خط الإنتاج في مصنع الأحذية البرازيلي كيسول، في مدينة فرانكا بولاية ساو باولو، البرازيل، في 17 يوليو 2026
وفي المقابل، تمثل كندا نحو 12-13 في المئة فقط من إجمالي تجارة السلع الأميركية، على الرغم من بقائها أحد أكبر شركاء الولايات المتحدة التجاريين.
لذلك، فإن أي تصعيد طويل الأمد قد يلحق ضررا أكبر بالاقتصاد الكندي، ويدفع الشركات إلى تأجيل الاستثمارات أو إعادة هيكلة سلاسل التوريد. وفي المقابل، تواجه الحكومة ضغوطا داخلية للدفاع عن اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا وعدم السماح بأن يتحول استخدام أدوات قانونية مثل المادة 338 إلى سابقة يمكن أن تقوض استقرار الاتفاقية مستقبلا. ولهذا، تحاول أوتاوا الموازنة بين مواصلة التفاوض، وابقاء خيار الرد القانوني أو التجاري، مع تسريع جهود تنويع الأسواق وتعزيز مرونة الاقتصاد المحلي.
ومن منظور أوسع، تكشف الإجراءات الأميركية الجديدة تحديا يتجاوز كندا والدول الستين، يتمثل في اتساع استخدام القوانين التجارية الأميركية لتحقيق أهداف تتداخل فيها السياسة التجارية مع الأمن القومي وحقوق الإنسان والسياسة الخارجية.
وتحذر منظمة التجارة العالمية (WTO) ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من أن تصاعد الرسوم الجمركية واللجوء المتزايد إلى الإجراءات الأحادية يزيد حالة عدم اليقين في السياسات التجارية، ويرفع تكاليف الشركات، ويعقد إدارة سلاسل التوريد، ويدفع الحكومات والشركات إلى إعادة تقييم اعتمادها على أسواق بعينها وتنويع شبكات الإنتاج والتوريد، في وقت تتراجع فيه قابلية النظام التجاري العالمي للتنبؤ والاستقرار.