ولكن... ما هي الأوديسة؟

نشيد العودة المتجدد في كل عصر

Axel Rangel García
Axel Rangel García

ولكن... ما هي الأوديسة؟

تشهد هذه الأيام خروج الناس من صالات السينما وفي رؤوسهم صورة بحر صاخب ورجل يبحث عن طريقه إلى بيته، صورة حملهم إليها فيلم كريستوفر نولان الجديد الذي أعاد إلى الأذهان قصة ظنها كثيرون حبيسة الكتب المدرسية، حتى عادت إلى الحياة على الشاشة ورفعت مبيعات الكتاب في المكتبات، فأقبل ملايين القراء يتعرفون فجأة إلى مسافر قديم اسمه أوديسيوس (أو أوديسفس حسب النطق اليوناني).

في هذا الإقبال مفارقة تستحق التأمل. فقصة نظمت قبل نحو ثلاثة آلاف عام وماتت لغتها الإغريقية وتحولت آلهتها إلى أساطير واندثرت الممالك الصغيرة التي كانت تنشد فيها، ما زالت اليوم تملأ قاعة مظلمة في القرن الحادي والعشرين. إنها تعود مرة بعد مرة بلغات جديدة على هوميروس ووسائط تفوق خياله.

أما "الأوديسة" نفسها فحكاية عودة في جوهرها: ملحمة شعرية يونانية تنسب إلى هوميروس، تروي محاولة أوديسيوس ملك جزيرة إيثاكا الصغيرة أن يعود إلى بيته بعد سقوط طروادة، بعدما حارب عشر سنوات أمام أسوار المدينة ثم قضى عشرا أخرى تائها في البحر، بينما تنتظره في الوطن زوجته بينيلوبي وابنه تيليماخوس. لكن هذه الحكاية البسيطة في ظاهرها اتسعت على مر القرون حتى صارت حكاية كل إنسان حاول أن يعود إلى مكان فقده أو زمن مضى أو وجه غاب، وفي هذا الاتساع يكمن أول أسرار بقائها.

نشيد يتوارثه الجميع

أول ألغاز "الأوديسة" يخص صاحبها قبل متنها، فهوية هوميروس نفسها تظل غامضة: زمنه مجهول، وشخصه موضع شك حتى في كونه رجلا واحدا. هذه الحيرة هي ما يسميه الدارسون "المسألة الهوميرية" (Homeric Question)، وقد شغلت الباحثين قرونا وهم يترددون بين أن تكون الملحمتان (أي الأوديسة والإلياذة) ثمرة عبقرية فرد، وأن تكونا حصيلة تقليد شفهي طويل تناقله منشدون كثيرون جيلا بعد جيل حتى استقر في صورته الأخيرة. أيا كان أصلها، تتألف "الأوديسة" من نحو اثني عشر ألف بيت موزعة على أربعة وعشرين نشيدا يعود نظمها إلى القرن الثامن قبل الميلاد تقريبا، وهي ثانية ملحمتين كبيرتين لهوميروس تأتي بعد "الإلياذة" التي روت فصلا من حرب طروادة. "الإلياذة" ملحمة الحرب وغضبها، و"الأوديسة" ملحمة العودة وحيلتها، وتبدأ من حيث انتهت الأولى: من مدينة سقطت، ومنتصر لم يعد يريد سوى رؤية دخان بيته.

"الإلياذة" ملحمة الحرب وغضبها، و"الأوديسة" ملحمة العودة وحيلتها، وتبدأ من حيث انتهت الأولى: من مدينة سقطت، ومنتصر لم يعد.

تنتمي الملحمة إلى عالم إغريقي قديم سابق للفلسفة والمدن الكبرى، عالم بحارة وملوك صغار تفصل بين ممالكهم بحار غادرة. حكمت الضيافة ذلك العالم حكما مقدسا، فقد يكون الغريب الطارق على الباب إلها متنكرا، ولهذا قامت الملحمة كلها على قاعدة واحدة: من يكرم ضيفه ينجو، ومن يهين حرمته يهلك. يكفي مثالا على ذلك العملاق الذي يلتهم ضيوفه فيجلب على نفسه العمى واللعنة.

Wikimedia Commons
غلاف "عوليس والصفارات"

من المرجح أن الملحمة ولدت للإنشاد قبل القراءة، إذ كانت تلقى في الأعياد على أنغام آلة وترية، يرتجلها المنشد ويعيد تشكيلها في كل مرة، لذلك تفتتح "الأوديسة" نفسها بنداء إلى ربة الشعر: "أنشدي أيتها الربة سيرة الرجل الكثير التقلب والحيل"، فيعلن النص من كلمته الأولى أنه صوت حي ينشد ويستعاد. حتى أوصافها المتكررة تشهد على هذا الأصل الشفهي، من ذلك البحر الخمري الداكن والفجر الوردي الأصابع، عبارات جاهزة أعانت المنشد على الحفظ فبقيت أثرا يدل على أنها غنيت قبل أن تكتب. في هذا الأصل الشفهي يختبئ سر أول، فالنص الذي شارك في نظمه منشدون كثيرون، ونما وتحول في كل مجلس، حمل في تكوينه استعداده لأن يعاد إنشاده إلى الأبد. حين دونت الملاحم صارت أول كتاب يتعلم منه الإغريق لغتهم وأخلاقهم وصورة عالمهم، حتى أن هوميروس لقب بمعلم الإغريق، ونص بهذه المكانة يصعب نسيانه.

مملكة الحيلة والحنين

غاب بطل "الأوديسة" عشرين سنة فامتلأ قصره في إيثاكا بأكثر من مئة خاطب يطمعون في زوجته بينيلوبي وفي عرشه، بينما خرج ابنه تيليماخوس يطلب أثر أبيه الغائب، فيصير بحثه عن الأب بحثا عن ذاته. ثم نلتقي أوديسيوس أسيرا عند الربة كاليبسو، فتتدخل أثينا حاميته لتطلقه في حين يلاحقه إله البحر بوسيدون بغضبه، ويروي البطل مغامراته الكبرى بلسانه حين يستضيفه قوم كرماء في طريق عودته، فتأتي أعجب فصول الملحمة ذكريات يحكيها، إلى أن يبلغ إيثاكا وينتقم من الخطاب ويسترد بيته. هكذا يمضي مسار الرحلة من غياب، إلى تيه يرويه صاحبه، إلى عودة يعقبها حساب.

يقوم عالم "الأوديسة" على توتر جميل بين قوتين: حيلة تدفع البطل إلى الأمام، وحنين يشده إلى الوراء. لم يكن أوديسيوس أقوى المحاربين، لكنه كان أذكاهم وسلاحه الأول عقله، ويظهر هذا الذكاء في أشهر مشاهده حين يحبسه في كهفه العملاق بوليفيموس صاحب العين الواحدة ويأكل رفاقه، فيغلبه بالحيلة وحدها: يقول له إن اسمه "لا أحد"، ثم يسقيه الخمر ويفقأ عينه، فيصرخ العملاق يستنجد بجيرانه أن "لا أحد" يؤذيه، فينصرفون ظانين أنه يهذي. غير أن لهذه الحيلة ثمنا، فما إن تبتعد سفينته حتى يصيح باسمه الحقيقي متفاخرا، فيثير غضب إله البحر الذي يطيل تيهه سنوات. في هذه اللحظة تتلخص مسألة الهوية كلها: اسم نخفيه لننجو، واسم نعلنه ولو كلفنا إعلانه كل شيء. هذا التوتر نفسه يحرك الملحمة إلى آخرها، إذ يمضي أوديسيوس بقية طريقه متخفيا يبحث عمن يعرفه باسمه الحقيقي، فتتصل لحظة الكهف بمشاهد التعرف اليه في نهايتها.

 REUTERS/Manuel Silvestri
لوحة بابلو بيكاسو "عوليس والصفارات" في معرض بقصر غراسي في البندقية

يمتلئ البحر الذي يعبره بإغراءات النسيان، ففي جزيرة آكلي اللوتس يذوق رفاقه ثمرة تمحو من ذاكرتهم بيتهم ورغبتهم في العودة فيرضون بالبقاء هناك، وفي جزيرة الساحرة كيركي يشربون شرابا يحولهم إلى خنازير، فيفقدون صورتهم البشرية ويبقون في أجساد الحيوان. المحنة الكبرى في هذا العالم هي نسيان المرء من كان أو فقدانه صورته. ثم يقترب أوديسيوس من جزيرة العرائس المغنيات اللواتي يقتل صوتهن كل من يسمعه، فيأمر رجاله أن يسدوا آذانهم بالشمع وأن يربطوه هو إلى الصاري، وذلك لأنه يريد سماع الأغنية والبقاء حيا في آن. على أن أعظم الإغراءات عرضته عليه الربة كاليبسو، وهو الخلود إن بقي معها، فيرفض ويختار زوجته الفانية وجزيرته الصغيرة على أن يصير إلها، فيجلس على الشاطئ باكيا يتطلع نحو إيثاكا. هنا يكمن قلب الملحمة، إذ تصير العودة إلى ما هو إنساني وزائل أغلى من الخلود نفسه.

هنا يكمن قلب الملحمة، إذ تصير العودة إلى ما هو إنساني وزائل أغلى من الخلود نفسه

على أن العودة تتجاوز مجرد الوصول، لأن البيت الذي يقصده أوديسيوس تغير عما تركه: امتلأ بالخطاب الطامعين يأكلون خيره ويلحون على زوجته أن تختار أحدهم، منتهكين حرمة الضيافة المقدسة، حتى صارت العودة تطهيرا للبيت قبل استرداده، وصار المنفى الحقيقي أن يجد المرء داره وقد أصبحت غريبة عنه. تضاهي بينيلوبي زوجها حيلة، فهي تقاوم الخطاب بمكر صبور، إذ تعدهم أن تختار أحدهم متى أتمت نسج ثوب للموتى، ثم تنسجه نهارا وتحله ليلا سنوات طويلة، فيلتقي الزوجان في الحيلة قبل أن يلتقيا تحت سقف واحد.

 Handout / Greek Culture Ministry / AFP
لوح طيني يحمل نقشا يضم أبياتا من ملحمة "الأوديسة" عُثر عليه في أولمبيا القديمة باليونان

مع عودته متنكرا في زي شحاذ تتوالى مشاهد التعرف اليه لتجعل من الذاكرة بطلة خفية: يرفع كلبه العجوز أرغوس الذي انتظره عشرين عاما رأسه ويحرك ذيله لحظة يلمح صاحبه ثم يموت، ومربيته التي ربته صغيرا تعرفه وهي تغسل قدميه من ندبة قديمة خلفها جرح الطفولة. أما بينيلوبي فتحتفظ له باختبار أخير، إذ تأمر خادمتها بنقل سريرهما من مكانه فينتفض أوديسيوس غاضبا، فذلك السرير يستحيل نقله لأنه نحته بيده من جذع زيتونة حية راسخة في الأرض، وبهذا السر الذي يعرفانه وحدهما تتأكد من عودته. في هذه العلامات الصغيرة تقيم الملحمة برهانها الأخير: تكتمل العودة حين تعرفنا الذاكرة ونعرفها، فوق ما تبلغه الأقدام من أبواب.

Photo by DENIS CHARLET / AFP
زائرة تلتقط صورا لتماثيل في معرض عن هوميروس في متحف اللوفر، لنس

كل عصر ينشدها من جديد

في طليعة ما يتجدد به هذا الإنشاد تأتي الترجمة، وكانت العربية من الموانئ التي رست فيها الملحمة. عرف القارئ العربي هوميروس أول مرة يوم نقل سليمان البستاني "الإلياذة" مطلع القرن العشرين شعرا موزونا مقفى، في عمل ضخم بلغ آلاف الأبيات، فظل علامة في تاريخ الترجمة العربية، على ما وجد فيه بعضهم من ثقل. أما "الأوديسة" فقد حملتها إلى العربية عنبرة سلام الخالدي، رائدة الترجمة النسائية في عصر النهضة، التي نقلت الملحمتين معا نثرا واضحا عن الإنكليزية وقدم طه حسين لإلياذتها، وقد اختارت النثر لتيسر النص على قارئ أتعبه وزن البستاني. سلك آخرون طريقا أكثر حرية، فأعاد دريني خشبة صوغ الملحمة صوغ روائيا معتمدا على ترجمات إنكليزية قديمة ورتب أحداثها حسب تسلسلها الزمني لتناسب القارئ الحديث، حتى جاءت نسخته أقرب إلى الحكاية منها إلى النص الحرفي، بينما ترجمها أمين سلامة ترجمة رافقتها شروح للأساطير تعين من يجهل آلهة اليونان وأبطالها. يكشف هذا التنوع معضلة قديمة يواجهها كل من ينقل هوميروس، بين وزن مهيب يثقل على القارئ ونثر سهل يخسر بعض الموسيقى، ولأن الحسم بينهما صعب تبقى كل ترجمة عودة جديدة بالنص إلى موطن لغوي جديد.

يكشف هذا التنوع معضلة قديمة يواجهها كل من ينقل هوميروس، بين وزن مهيب يثقل على القارئ ونثر سهل يخسر بعض الموسيقى

على أن أعمق ما تصنعه الملحمة يتجاوز الترجمة إلى إعادة الخلق، وهو ما رأيناه عند دانتي الذي رأى في "الكوميديا الإلهية" (La Divina Commedia) أوديسيوس شيخا يبحر بأصحابه نحو المجهول طلبا للمعرفة حتى يبتلعه البحر، فصار رمزا للعطش الذي يفوق كل ارتواء. في حين رسم اللورد تينيسون عام 1824 في قصيدته "عوليس" (Ulysses) بطلا بلغ بيته وشاخ فيه وظل يحن إلى رحلة أخيرة يأبى أن يخمد في الراحة. أما الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس فكتب قصيدته "إيثاكا" (Ιθάκη) ليقول إن الطريق إلى الجزيرة هو الهدية الحقيقية، وإن على المسافر أن يتمنى أن يطول سفره.

يبقى الأثر الأضخم لـ"الأوديسة" في الأدب الحديث ما تركه جيمس جويس في روايته الخالدة "عوليس" (Ulysses)، فقد جعل من يوم واحد في مدينة دبلن أوديسة كاملة وحول البطل الإغريقي إلى ليوبولد بلوم، وهو رجل عادي يتجول في المدينة ويعود مساء إلى زوجته، حتى صار كل فصل من الرواية موازيا لفصل من الملحمة. ثم امتد هذا التجديد بعده فنظم نيكوس كازانتزاكيس ملحمته الحديثة الطويلة "الأوديسة" (Οδύσσεια) التي يرسل فيها أوديسيوس إلى أسفار جديدة بعد إيثاكا، ونقل ديريك والكوت عالمها إلى صيادي الكاريبي في "أوميروس" (Omeros)، وأعادت مارغريت أتوود سرد الحكاية على لسان بينيلوبي وخادماتها لتسمعنا صوت من ظل صامتا على الهامش في "بينيلوبية" (The Penelopiad).

Photo by ANDREAS SOLARO / AFP
نسخة من تمثال تمثل عوليس وهو يقدم كأسا من النبيذ إلى بوليفيموس في مدينة بايا الغارقة بإيطاليا

تسرب أثر الملحمة إلى اللغة نفسها، فصارت كلمة "أوديسة" في لغات كثيرة اسما لكل رحلة طويلة مليئة بالمصاعب، واشتق الغربيون اسم المرشد الحكيم من منتور، صاحب أوديسيوس الذي تنكرت أثينا في هيئته لترشد ابنه، وبقيت العرائس المغنيات عنوانا لكل إغراء قاتل. كذلك دخلت الحكاية السينما مرارا، من أفلام أعادت حبكة التيه والعودة في قوالب شعبية وصولا إلى فيلم نولان اليوم. هكذا تبدلت القيثارة القديمة لتصير شاشة عملاقة، وتحول المجلس الملتف حول المنشد إلى صالة مظلمة تغص بالغرباء، بينما بقي الفعل واحدا: جماعة تجتمع لتسمع مرة أخرى حكاية رجل يحاول أن يعود.

في كل وصول رحيل

تنطوي "الأوديسة" على نبوءة قلما تذكر، وهي من أبلغ ما فيها. قيل لأوديسيوس إنه يوم يبلغ إيثاكا تبقى أمامه رحلة أخرى، إذ عليه أن يحمل مجدافا ويمضي في البر بعيدا عن البحر حتى يصل إلى قوم يجهلون الملح والسفن، فيظنون المجداف على كتفه أداة لتذرية القمح، وهناك في أرض غريبة عن البحر يغرس مجدافه ويقدم قربانا لإله البحر لينال رضاه. حتى العودة الظافرة إذن تحمل في طيها سفرا جديدا، فيلد الوصول رحيلا، وتنفتح كل غاية على غاية أبعد منها.

لعل سر هذه الملحمة الدائمة الترحال يكمن هنا: إنها تعدنا بالطريق أكثر مما تعدنا بالميناء، وتترك كل من يبلغ عتبتها مشدودا إلى ما وراءها

أما القارئ الذي يغلق الكتاب الآن، أو يخرج من الصالة المظلمة عائدا إلى بيته، فيمضي هو أيضا في عودة صغيرة تحمل بذرة سفر جديد. لعل سر هذه الملحمة الدائمة الترحال يكمن هنا: إنها تعدنا بالطريق أكثر مما تعدنا بالميناء، وتترك كل من يبلغ عتبتها مشدودا إلى ما وراءها.

font change

مقالات ذات صلة