"الذهب الأبيض" يتحوّل إلى ورقة استراتيجية في سباق التسلح

الطلب العسكري المتزايد يدفع القوى الكبرى للبحث عن مصادر جديدة للينترز والسليلوز

سارة بادوفان
سارة بادوفان

"الذهب الأبيض" يتحوّل إلى ورقة استراتيجية في سباق التسلح

في زمن تشتعل فيه الحروب وتتسارع فيه عجلة التسلح، يعود "الذهب الأبيض" إلى واجهة المشهد بقوة غير متوقعة ومن باب لم يكن ليخطر على البال. فقد اكتسب القطن بعدا إضافيا فضلا عن كونه عنصرا أساسيا يغذي مصانع الملابس والأقمشة. فتحولت أليافه القصيرة، المعروفة باسم "اللينترز" (Cotton Linters)، إلى مصدر مهم للسليلوز العالي النقاوة، الذي يُستخدم في إنتاج النيتروسليلوز، وهو مكوّن أساس في تصنيع كثير من الدوافع العديمة الدخان (smokeless propellants) المستخدمة في الذخائر، بما فيها قذائف المدفعية.

واللينترز هي الألياف القصيرة جدا التي تبقى ملتصقة ببذور القطن بعد إزالة الألياف الطويلة المستخدمة في صناعة المنسوجات. وتمتاز اللينترز بارتفاع محتواها من السليلوز، الذي يمكن أن تصل نقاوته إلى 98 في المئة أو أكثر بعد التنقية، مع انخفاض مستويات اللجنين والشوائب، مما يجعلها مادة خاما عالية الجودة لإنتاج مشتقات السليلوز، ومن بينها النيتروسليلوز المستخدم في الصناعات الدفاعية. فغدا ما كان يُلبس الجيوش في الماضي يمكّنها اليوم من القتال، مما يرفع قيمته الاستراتيجية ليصبح شبيها بالمعادن النادرة في أهميته للأمن القومي.

ومع ذلك، فإن تحويل اللينترز إلى نيتروسليلوز يتطلب عملية نترتة كيميائية صناعية باستخدام أحماض قوية ومركزة، أبرزها حمض النيتريك وحمض الكبريتيك، إلى جانب مراحل لاحقة للمعالجة والتنقية والتحكم في المخلفات. لذلك، فإن إنتاج النيتروسليلوز ليس عملية معالجة زراعية بسيطة، بل صناعة كيميائية متخصصة تتطلب بنية تحتية وتجهيزات ومعايير سلامة صارمة.

تواجه دول "الناتو"، ولا سيما في أوروبا، تحديات في تأمين اللينترز القطنية اللازمة لإنتاج النيتروسليلوز، مما يشكل أحد الاختناقات التي تحد من قدرة القارة على توسيع إنتاج الذخائر المدفعية، في وقت تسعى فيه إلى زيادة إنتاج قذائف 155 ملم وتعويض مخزوناتها المستنزفة

وتكمن الأهمية الحقيقية للنيتروسليلوز في تصنيع الوقود الدافع للقذائف المدفعية والذخائر الصغيرة ومحركات الصواريخ الصلبة وبعض أنواع المتفجرات العسكرية، ولذلك يُعد من أكثر المواد الكيميائية الاستراتيجية حساسية في الصناعات الدفاعية الحديثة.

هل أوروبا في قبضة الصين؟

لم يبرز النيتروسليلوز قبل الحرب الروسية - الأوكرانية باعتباره اختناقا استراتيجيا واسعا في سلاسل إمداد الذخائر الغربية، لكن الاستهلاك الهائل للذخائر منذ عام 2022 كشف محدودية القدرات العالمية لإنتاج الدوافع وموادها الخام. وبرزت قذائف المدفعية، ولا سيما عيار 155 ملم المستخدم على نطاق واسع في الأنظمة الغربية، إلى جانب قذائف 152 ملم المستخدمة في الأنظمة السوفياتية والروسية، باعتبارها أحد أبرز مصادر الضغط على سلاسل إمداد الدوافع والمتفجرات.

وقد أفادت تقارير "وول ستريت جورنال" ومصادر دفاعية أوروبية بأن دول "الناتو"، ولا سيما في أوروبا، تواجه تحديات في تأمين اللينترز القطنية اللازمة لإنتاج النيتروسليلوز، مما يشكل أحد الاختناقات التي تحد من قدرة القارة على توسيع إنتاج الذخائر المدفعية، في وقت تسعى فيه إلى زيادة إنتاج قذائف 155 ملم وتعويض مخزوناتها المستنزفة. ومع إعلان الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خططا لرفع إنتاج الذخائر وتعويض المخزونات المستنزفة، برزت المواد الأولية اللازمة لإنتاج مساحيق الدفع، وفي مقدمتها النيتروسليلوز والنيتروغليسرين، باعتبارها أحد أبرز الاختناقات في سلاسل إمداد الذخائر.

رويترز
نماذج لقنابل "إس إم هامر 250 إكس إل آر" و"1000 إكس إل آر" بعيدة المدى من إنتاج شركة "سافران"، معروضة في معرض "يوروساتوري" الدولي للدفاع والأمن البري والجوي في فيلبانت قرب باريس، فرنسا، 16 يونيو/حزيران 2026

تعتمد أوروبا بشكل كبير على واردات اللينترز القطنية من الصين، إذ تتجاوز حصة الصين 70 في المئة من احتياجات أوروبا من هذه المادة، وفق تصريحات سابقة للرئيس التنفيذي لشركة "راينميتال" أرمين بابيرغر. وتمثل هذه التبعية نقطة ضعف استراتيجية في سلسلة إمداد النيتروسليلوز، وهي تثير مخاوف بشأن قدرة أوروبا على تأمين إمداداتها في حال حدوث قيود تجارية أو توترات جيوسياسية مع الصين.

وأشار تقرير نُشر عام 2025 للمركز الأوروبي للسياسات، الى ان قدرات إنتاج النيتروسليلوز في أوروبا تتركز لدى عدد محدود من الشركات، أبرزها "راينميتال" في ألمانيا و"يورينكو" في فرنسا، إلى جانب منتجين آخرين في التشيك وبولندا. وتتراوح الطاقة الإنتاجية الإجمالية لهذه الشركات بين 4,500 و10 آلاف طن سنويا، وهو مستوى لا يزال بعيدا من تلبية الطلب المتزايد.

تعتمد أوروبا بشكل كبير على واردات اللينترز القطنية من الصين، إذ تتجاوز حصة الصين 70 في المئة من احتياجات أوروبا من هذه المادة

فاحتياجات تزويد أوكرانيا وحدها قد تتجاوز 6 آلاف طن سنويا، في حين أن تحقيق هدف أوروبا لإنتاج أكثر من 13 ألف طن من الذخائر يرفع الاحتياجات الإجمالية من النيتروسليلوز إلى نحو 20 ألف طن سنويا. وبذلك تواجه القارة فجوة في الإمدادات تتراوح بين 10 آلاف طن على الأقل وربما أكثر من 14 ألف طن سنويا، مما يجعل زيادة إنتاج النيتروسليلوز أحد التحديات الرئيسة أمام خطط توسيع القدرات الدفاعية الأوروبية.

وأضاف التقرير أن أوروبا تسابق الزمن لإعادة بناء قدراتها في إنتاج هذه المادة الحيوية. فقد أعادت شركة "يورينكو" تشغيل خط إنتاج النيتروسليلوز في منشأتها بمدينة بيرجيراك الفرنسية، فيما تعمل "راينميتال" على تحويل منشأة مدنية في لينغن بألمانيا إلى مصنع لإنتاج النيتروسليلوز بالمواصفات العسكرية.

أ.ف.ب
شاحنة تابعة للجيش الألماني تحمل شعار شركة "راينميتال"، في مدينة أونا غرب ألمانيا، في 21 يوليو/تموز 2026

وفي ألمانيا أيضا، استحوذت مجموعة "شيكوسلوفاك غروب" (Czechoslovak Group) على منشأة "والسرود" (Walsrode) لإنتاج النيتروسليلوز، بينما تمضي بولندا في إنشاء مركز إنتاج جديد بالتعاون مع "غروبا أزوتي" (Grupa Azoty). ومع ذلك، لا يزال بعض هذه المشروعات في مراحله الأولى، ومن المتوقع أن يدخل حيز التشغيل اعتبارا من عام 2026 أو بعده.

وتعتمد إيطاليا على استيراد الجزء الأكبر من احتياجاتها من النيتروسليلوز ذي المواصفات العسكرية من الولايات المتحدة وألمانيا وآسيا. حتى كبار منتجي القذائف، مثل شركة "نامو" (Nammo) النروجية، لا يزالون يعتمدون على موردين أجانب للنيتروسليلوز، مما يبرز الحاجة إلى تنسيق أوروبي عابر للحدود في بناء المخزونات والتخطيط للإنتاج. وتسهم سويسرا أيضا في إمدادات أوروبا من النيتروسليلوز عبر منشأة "نيتروشيمي" (Nitrochemie) في فيمّيس، التي تدعم توسع "راينميتال" في إنتاج الدوافع.

أما المملكة المتحدة، فلا تمتلك حاليا طاقة محلية لإنتاج النيتروسليلوز، وتعتمد على الواردات للحفاظ على إنتاج الذخائر. لكن شركة "بي أيه إي سيستمز" (BAE Systems) تعمل على تقنية تصنيع جديدة قد تلغي الحاجة إلى النيتروسليلوز والنيتروغليسرين في بعض عمليات إنتاج الدوافع. ولا تزال التقنية في المرحلة التجريبية، وقد تصل إلى مرحلة النضج الصناعي في أواخر عام 2026.

لا تقتصر أهمية الصين في هذه السلسلة على إنتاج اللينترز القطنية، بل تمتلك أيضا قاعدة صناعية لإنتاج النيتروسليلوز، بما في ذلك درجات تدخل في التطبيقات الدفاعية والصناعية

وفي يوليو/تموز 2026 أعلن بابيرغر أن شركته نجحت في تأمين إمداداتها الخاصة من النيتروسليلوز وبناء احتياطيات تكفي لأربع سنوات مقبلة، بحيث ما عاد النقص يمثل مشكلة مباشرة أمام "راينميتال"، فضلا عن كون الشركة تعمل بنشاط على تأهيل السليلوز الخشبي كبديل من اللينترز القطنية.

إلا أن هذه الخطوة لا تعني انتهاء أزمة الإمدادات الأوروبية، بل تعكس انتقال الشركات الكبرى من الاعتماد على السوق الفورية إلى بناء مخزونات وعقود توريد طويلة الأجل، في محاولة لتحصين سلاسل الإمداد الدفاعية.

أ.ف.ب
عامل في مصنع للقطن في قندهار، أفغانستان، 11 سبتمبر/أيلول 2024

ولا تقتصر أهمية الصين في هذه السلسلة على إنتاج اللينترز القطنية، بل تمتلك أيضا قاعدة صناعية لإنتاج النيتروسليلوز، بما في ذلك درجات تدخل في التطبيقات الدفاعية والصناعية. وقد جعل ذلك الصين لاعبا مهما في سوق النيتروسليلوز العالمي، ومنحها نفوذا غير مباشر في إحدى سلاسل الإمداد الحساسة للصناعات الدفاعية الغربية، ولا سيما في ظل اعتماد أوروبا الكبير على المدخلات الصينية.

ويتقاطع هذا الواقع مع الجهود الأوروبية لتعزيز أمن إمدادات الذخائر، ولا سيما "قانون دعم إنتاج الذخيرة" (Act in Support of Ammunition Production – ASAP)، الذي أطلقه الاتحاد الأوروبي لزيادة القدرات الإنتاجية ومعالجة الاختناقات في سلاسل إمداد الذخائر، إلى جانب مبادرات وكالة الدفاع الأوروبية (EDA) في الشراء المشترك وتعزيز القدرات الصناعية الأوروبية.

تتمتع دول مثل أوزبكستان وتركيا ومصر وكازاخستان بمزايا متفاوتة في سلسلة قيمة القطن، سواء من حيث توافر المادة الخام أو جودة بعض الأصناف أو البنية الصناعية القائمة

على الجانب الآخر، تشير تحقيقات دولية، من بينها تحقيقات "مؤسسة مكافحة الجريمة المنظمة والفساد" (OCCRP) وتقارير شبكة "بي بي أس" (PBS)، إلى أن روسيا وسّعت منذ بدء الحرب قنوات حصولها على اللب القطني (cotton pulp) والنيتروسليلوز، مستفيدة من موردين في آسيا الوسطى، ولا سيما أوزبكستان وكازاخستان، ومن شركات ووسطاء تجاريين يعيدون توجيه الإمدادات إلى مصانع روسية تنتج البارود والدوافع والذخائر. وتُظهر الوثائق أن بعض هذه الإمدادات دخل في إنتاج مواد دافعة تستخدم في الذخائر ووقود الصواريخ.

قاعدة إنتاجية وفرص تصنيعية واعدة

هنا تكمن الفرصة الحقيقية أمام دول الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ليس في زيادة صادرات القطن الخام فحسب، إنما في بناء أجزاء من سلسلة القيمة الممتدة من اللينترز والسليلوز العالي النقاوة إلى الصناعات الكيميائية التحويلية.

وتتمتع دول مثل أوزبكستان وتركيا ومصر وكازاخستان بمزايا متفاوتة في سلسلة قيمة القطن، سواء من حيث توافر المادة الخام أو جودة بعض الأصناف أو البنية الصناعية القائمة.

وتبرز أوزبكستان خصوصا كمنتج رئيس في المنطقة، إذ تتوقع وزارة الزراعة الأميركية إنتاج نحو 750 ألف طن من القطن المحلوج في موسم 2025/26، مع ارتفاع التوقعات إلى 780 ألف طن في موسم 2026/27.

أ.ف.ب
امرأة تقطف زهور القطن وسط حقل زراعية في ضواحي مدينة طشقند، أوزبكستان، 18 سبتمبر/أيلول 2023

وتظهر البيانات أن أوزبكستان اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تعميق تصنيع القطن محليا، والانتقال تدريجيا من تصدير الغزل إلى إنتاج الأقمشة والملابس الجاهزة ذات القيمة المضافة. ومع توسع قدرات المعالجة المحلية، ارتفع استهلاك القطن المحلوج إلى نحو 670 ألف طن في موسم 2025/26، متجاوزا الإنتاج المحلي المتوقع البالغ 620 ألف طن، مما دفع البلاد إلى زيادة واردات القطن لتلبية احتياجات مصانعها. ويعزز هذا التحول قاعدة أوزبكستان الصناعية في معالجة السليلوز والقطن.

كما أظهرت بيانات التجارة أن صادرات أوزبكستان من اللب القطني إلى روسيا ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية، إذ بلغت نحو 8.7 مليون دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2023، بزيادة تجاوزت 70 في المئة مقارنة بإجمالي صادرات العام السابق. وتشير التحقيقات إلى أن جزءا من هذه الإمدادات وصل إلى مصانع روسية تنتج البارود والدوافع والذخائر، مما يبرز أهمية أوزبكستان في إحدى حلقات سلسلة الإمداد التي تعتمد عليها الصناعات الدفاعية الروسية.

على الرغم من أن شهرة القطن المصري عالميا ترتبط خصوصا بأصنافه الطويلة التيلة المستخدمة في المنتجات النسيجية العالية الجودة، فإن بذوره واللينترز الناتجة منها تمثلان موردا صناعيا قابلاً للتطوير، نظرا إلى غناهما بالسليلوز

أما كازاخستان، فتتمتع بقاعدة تصديرية مهمة للقطن واللب القطني، وإن كانت تجارتها تتركز في عدد محدود من الأسواق. ففي 2024، بلغت صادراتها من القطن نحو 160.8 مليون دولار، توجّه 71.6 مليون دولار منها إلى الصين و47.7 مليون دولار إلى تركيا و16.8 مليون دولار إلى روسيا. وفي سوق اللب القطني تحديدا، ارتفعت صادراتها إلى روسيا بنحو 60 في المئة في 2022 مقارنة بالعام السابق، وفق بيانات الأمم المتحدة التي حللتها مؤسسة مكافحة الجريمة المنظمة والفساد، مما يعكس قدرتها على توفير إمدادات ملموسة لأسواق إقليمية محددة.

أما تركيا، فتتمتع بقطاع قطني وصناعي متكامل نسبيا، إذ تُعدّ من كبار منتجي الغزل والمنسوجات والملابس، وتستخدم معظم كميات القطن المنتج محليا والمستورد في مصانعها المحلية. وتُظهر بيانات وزارة الزراعة الأميركية أن صادرات تركيا من غزل القطن بلغت نحو 203.1 ألف طن في 2025، بزيادة قدرها 53 في المئة على أساس سنوي، بينما بلغت صادرات أقمشة القطن نحو 210 ملايين متر مربع خلال النصف الأول من 2025 وحده. كما يمثل قطاعا المنسوجات والملابس نحو 15 في المئة من إجمالي صادرات البلاد، مما يعكس اتساع قاعدة التصنيع المحلية وقدرتها على تحويل القطن إلى منتجات ذات قيمة مضافة.

أ.ف.ب
مصنع للنيسج والملابس في مدينة رمضان، شمال مصر، 29 يوليو/تموز 2018

وفي مصر، يمتد التاريخ الحديث للقطن بوصفه "الذهب الأبيض" إلى عهد الوالي محمد علي (1805-1848)، الذي أسهم في تحويل القطن، ولا سيما الأصناف الطويلة التيلة، إلى محصول تجاري رئيس عبر توسيع زراعته وتطوير إنتاجه للتصدير منذ عشرينيات القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من أن شهرة القطن المصري عالميا ترتبط خصوصا بأصنافه الطويلة التيلة المستخدمة في المنتجات النسيجية العالية الجودة، فإن بذوره واللينترز الناتجة منها تمثلان موردا صناعيا قابلا للتطوير، نظرا إلى غناهما بالسليلوز. ويبلغ إنتاج مصر المتوقع نحو 325 ألف بالة (نحو 70.8 ألف طن متري) من القطن في موسم 2026/27، وفق تقديرات وزارة الزراعة الأميركية.

وتكشف هذه الأرقام عن تفاوت واضح بين دول المنطقة، ليس فقط في حجم إنتاج القطن الخام، وإنما أيضا في قدرتها على تحويله إلى منتجات ومدخلات صناعية ذات قيمة مضافة.

وتوفر قواعد بيانات "الفاو" (FAOSTAT) وبيانات اللجنة الاستشارية الدولية للقطن (International Cotton Advisory Committee) مرجعا لمقارنة الإنتاج والمساحات والتجارة بين الدول، في حين تشير تجربة أوزبكستان إلى توجه واضح نحو تعميق التصنيع، إذ تستهدف البلاد رفع صادراتها من المنتجات النسيجية من نحو 3 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار في حلول 2028.

تواجه دول المنطقة تحديات كبيرة تحول دون تحويل القطن بسهولة إلى "معدن استراتيجي"، في مقدمتها القيود البيئية والمائية

وتؤكد البيانات الدولية أن هذه الدول تمتلك قاعدة إنتاج مستقرة وأرضا خصبة وخبرة زراعية متراكمة، مما يمنحها ميزة لجذب استثمارات أوروبية تبحث عن سلاسل توريد أقصر وأكثر أمانا، شريطة تطوير الصناعات التحويلية وعدم الاكتفاء بزيادة الإنتاج الزراعي وحده.

وتسعى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بنشاط إلى الحد من الالتفاف على العقوبات المفروضة على روسيا عبر دول ثالثة، ولا سيما من خلال تشديد الرقابة على إعادة تصدير السلع والتكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج (Dual-Use). وقد شملت هذه الجهود دولا في آسيا الوسطى، بينها أوزبكستان وكازاخستان، اللتان تعرضت بعض الكيانات العاملة فيهما لعقوبات أو قيود أوروبية بسبب تورطها في توفير سلع حساسة لروسيا أو المساعدة في الالتفاف على القيود التجارية. ويضع ذلك الدولتين أمام ضغوط متزايدة لتشديد الرقابة على مسارات التجارة المتجهة إلى روسيا، مما قد يضيّق هامش المناورة بين موسكو والغرب.

أ.ف.ب
الرئيس الأوكراني وقائد الجيش يتفقدان أول دفعة من صواريخ الطائرات المسيرة الأوكرانية "بيكلو"، للقوات الأوكرانية في كييف، 6 ديسمبر/كانون الأول 2024

وعلى الرغم من أن التركيز ينصب على الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، فإن المنافسة العالمية تضم لاعبين آخرين بوزن ثقيل، في مقدمتهم الولايات المتحدة، التي تجمع بين قاعدة زراعية ضخمة وصناعة كيميائية ودفاعية متقدمة. وتُظهر تقديرات وزارة الزراعة الأميركية أن إنتاج البلاد من القطن يُتوقع أن يبلغ نحو 14.5 مليون بالة، أو 3.16 مليون طن، في موسم 2025/26، فيما تصل صادراتها المتوقعة إلى نحو 12.5 مليون بالة، أي 2.72 مليون طن. ومع تصاعد الطلب العالمي على الذخائر والدوافع، تبرز كذلك أهمية تأمين المواد الخام الداخلة في إنتاج النيتروسليلوز وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وإن كانت الأدلة المتاحة لا تتيح تحديد حجم اعتماد الشركات الأميركية على اللينترز المستوردة أو مدى تنويعها لمصادرها بدقة.

وفي الهند، توجد قاعدة إنتاجية وصناعية ضخمة للقطن، لكن الاستهلاك المحلي المرتفع في قطاع الغزل والنسيج يحد من الكميات المتاحة للتصدير، إذ تتوقع وزارة الزراعة الأميركية استهلاك نحو 25.8 مليون بالة، أي قرابة 5.6 مليون طن، في موسم 2026/27، مقابل صادرات متوقعة عند نحو 1.2 مليون بالة، أو 327 ألف طن فقط.

وفي المقابل، برزت البرازيل كقوة صاعدة في سوق القطن العالمي، إذ يُتوقع أن ترتفع صادراتها إلى 15 مليون بالة في 2026/27، مما يبقيها في صدارة كبار مصدري القطن عالميا.

عقبات تحول دون التحول الكامل

وعلى الرغم من هذه الإمكانات، تواجه دول المنطقة تحديات كبيرة تحول دون تحويل القطن بسهولة إلى "معدن استراتيجي"، في مقدمتها القيود البيئية والمائية. ففي أوزبكستان، تعتمد الزراعة بدرجة كبيرة على مياه نهري آموداريا (جيحون) وسيرداريا (سيحون)، وتمثل الزراعة نحو 90 في المئة من استهلاك المياه في البلاد، بينما تستخدم منطقة كارشي، إحدى مناطق إنتاج القطن الرئيسة، نحو 4.5 إلى 5 مليارات متر مكعب من مياه الري سنويا، يأتي نحو 75 في المئة منها من آموداريا. وفي مصر، حيث يعتمد البلد على النيل لتوفير نحو 97 في المئة من احتياجاته المائية، يقدّر العجز المائي السنوي بنحو 54 مليار متر مكعب، مما يجعل التوسع في المحاصيل الكثيفة الاستخدام للمياه تحديا إضافيا أمام تعميق سلسلة القيمة القطنية.

تتركز نسبة مهمة من القدرات والإمدادات العالمية في عدد محدود من المنتجين، بينما تعتمد أوروبا بدرجة كبيرة على اللينترز القطنية الصينية

وتفرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قيودا متزايدة على دخول المنتجات المرتبطة بالعمل القسري إلى أسواقهما. ففي الولايات المتحدة، يفرض قانون منع العمل القسري للإيغور (UFLPA) حظرا على استيراد السلع المرتبطة بشينجيانغ أو بكيانات محددة، مع تطبيق افتراض قانوني بوجود العمل القسري، بينما يبدأ الاتحاد الأوروبي في تطبيق نظامه لحظر المنتجات المصنوعة بالعمل القسري في 14 ديسمبر/كانون الأول 2027. ويجعل ذلك القدرة على تتبع مصدر القطن والمواد الخام وإثبات سلامة سلسلة التوريد عاملا مهما أمام أي شراكات أو صادرات تستهدف الأسواق الغربية.

ويضاف إلى ذلك تحدٍ تمويلي يرتبط بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG)، إذ قد تؤثر سياسات البنوك والمستثمرين في شأن المخاطر البيئية والاجتماعية في تمويل مشروعات التصنيع الكيميائي، ولا سيما تلك المرتبطة بقطاع الدفاع. غير أن القواعد الأوروبية لا تفرض حظرا عاما على تمويل الصناعات الدفاعية؛ بل أكدت المفوضية الأوروبية في 2025 أن إطار التمويل المستدام لا يمنع تمويل القطاع، بالتزامن مع توجه أوروبي لتوسيع التمويل الدفاعي، بما في ذلك برنامج "سايف" (SAFE) الذي يوفر ما يصل إلى 150 مليار يورو من القروض. لذلك يتمثل التحدي بصورة أكبر في متطلبات الإفصاح والاستدامة وسياسات المؤسسات المالية الخاصة، وليس في حظر أوروبي شامل لتمويل هذه المشاريع.

ثانياً، نقص البنية التحتية الصناعية المتقدمة للتصنيع الكيميائي، إذ يتطلب إنتاج النيتروسليلوز ذي المواصفات العسكرية منشآت متخصصة وخبرات تقنية ومعايير صارمة للجودة والسلامة. وتتركز نسبة مهمة من القدرات والإمدادات العالمية في عدد محدود من المنتجين، بينما تعتمد أوروبا بدرجة كبيرة على اللينترز القطنية الصينية، مما يجعل تنويع مصادرها وبناء قدرات محلية أولوية استراتيجية. كما أن إنشاء مصانع جديدة وتوسيع الطاقة الإنتاجية يتطلب استثمارات كبيرة وفترات زمنية طويلة، إلى جانب تأمين إمدادات مستقرة من السليلوز عالي النقاوة وتطوير الخبرات المتخصصة في التعامل مع مادة قابلة للاشتعال.

أ.ف.ب
آلة تحصد زهور القطن في حقول زراعية في كريستالينا، البرازيل، 14 يوليو/تموز 2022

في ظل هذه العقبات والمنافسة مع الاستخدامات التقليدية للقطن في النسيج، يُدرس حاليا اعتماد بدائل استراتيجية. يبرز السليلوز الخشبي الذي سبق وذكرناه كخيار أكثر توافرا واستدامة نسبيا. وقد استخدم تاريخيا في بعض التطبيقات العسكرية، وأصبح الآن أولوية عملية لدى شركات كبرى مثل "راينميتال"، علما أن التحول إلى السليلوز الخشبي لا يقتصر على استبدال المادة الخام، بل يتطلب تأهيلها وفق مواصفات الاستخدام النهائي وضبط عمليات التصنيع والتثبيت واختبارات الاستقرار والجودة، نظرا إلى اختلاف خصائص السليلوز باختلاف مصدره.

وعلى الرغم من إمكان إنتاج نيتروسليلوز من لب الخشب بخصائص قريبة من المنتج المصنوع من اللينترز القطنية، فإن تحقيق أداء متسق ومطابق للمواصفات المطلوبة يستلزم اختبارات وتأهيلا صناعيا قبل اعتماده على نطاق واسع. .

ولا يمثل السليلوز الخشبي بديلاً منخفض الأداء بالضرورة، فقد استُخدم منذ عقود كمصدر للسليلوز في إنتاج النيتروسليلوز، وأظهرت دراسات مقارنة إمكان الحصول من لب الخشب على نيتروسليلوز بخصائص حرارية قريبة من ذلك المصنوع من لينترز القطن. إلا أن استخدام السليلوز الخشبي على نطاق عسكري واسع يتطلب تأهيل المادة الخام وضبط خصائص المنتج النهائي واختبارات دقيقة للاستقرار والأداء، وهو ما يجعل الانتقال من القطن إلى الخشب تحديا صناعيا وتأهيليا أكثر منه مسألة تفوق مطلق لأحد المصدرين في الطاقة.

ارتفع الإنفاق العسكري في أوروبا بنسبة 14 في المئة إلى نحو 864 مليار دولار في 2025، فيما زاد في آسيا وأوقيانوسيا بنسبة 8.1 في المئة إلى 681 مليار دولار

أما السليلوز البكتيري، فيتميز بنقاوة عالية ودرجة تبلور وخصائص فيزيائية متميزة، مما يجعله مادة واعدة لتطبيقات صناعية متقدمة. إلا أن ارتفاع تكلفة إنتاجه مقارنة بالسليلوز النباتي، إلى جانب تحديات التوسع الصناعي وتحسين الإنتاجية، لا يزال يحد من قدرته على منافسة المصادر التقليدية على نطاق واسع. وفي المقابل، تتمتع اللينترز القطنية بميزة صناعية راسخة كمصدر عالي النقاوة للسليلوز، مما يجعلها في الوقت الراهن أكثر نضجا من الناحية التجارية، بينما تحتاج البدائل إلى مزيد من التطوير قبل أن تصبح منافسا واسع النطاق.

رويترز
منظومة سارما راجمة الصواريخ في معرض الدفاع العالمي، في الرياض، 9 فبراير/شباط 2026

ثالثا، التحديات الجيوسياسية والتنظيمية، حيث تعرقل العقوبات الدولية على المواد ذات الاستخدام المزدوج حركة التجارة، كما يفاقم تغير المناخ من تهديد الإنتاج الزراعي.

نحو سباق موازٍ على "الذهب الأبيض"

مثلما أدى التحول إلى الطاقة النظيفة إلى سباق عالمي على الليثيوم والنحاس والمعادن النادرة، فإن التوسع في الصناعات الدفاعية قد يؤدي إلى سباق موازٍ على القطن والسليلوز.

وتشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) وتقديرات تقرير "التوازن العسكري" (Military Balance) الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى استمرار موجة الإنفاق العسكري وإعادة التسلح في أوروبا وآسيا. فقد ارتفع الإنفاق العسكري في أوروبا بنسبة 14 في المئة إلى نحو 864 مليار دولار في 2025، فيما زاد في آسيا وأوقيانوسيا بنسبة 8.1 في المئة إلى 681 مليار دولار، بينما يتوقع IISS استمرار نمو الإنفاق الدفاعي الأوروبي في 2026 وارتفاعه في آسيا بنحو 3.4 في المئة بالقيمة الحقيقية. وتدعم هذه الاتجاهات توقعات استمرار الطلب المرتفع على الأسلحة والذخائر والمدخلات المرتبطة بإنتاجها خلال السنوات المقبلة.

الأمر يشبه تماما سباق البطاريات في قطاع الطاقة النظيفة، حيث يصبح التحكم في التصنيع أكثر أهمية من مجرد استخراج المادة. ويمكن تركيا ومصر بفضل قربهما من أوروبا أن تصبحا مراكز لوجستية

ومع التقدم الذي أحرزته بعض الشركات الأوروبية في تأمين احتياطياتها وتنويع مصادرها، فإن السباق على بناء قدرات إنتاجية مستقلة ومستدامة للنيتروسليلوز لا يزال مفتوحا، مما يعزز فرص الدول المنتجة للقطن في المنطقة إذا ما نجحت في تقديم سلاسل توريد موثوق بها ومتكاملة.

وإذا نجحت الدول المنتجة في جذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير قدرات التصنيع المحلية، فإن القيمة الاقتصادية ستتحول من تصدير القطن الخام إلى الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة العالية، وهي قيمة قد ترتفع عدة أضعاف نظرا لأن الجزء الأكبر من الأرباح يتحقق في الصناعات الكيميائية المتقدمة.

أ.ف.ب
مزارع مصري يقطف نبات القطن في مدينة كفر الشيخ، 13 سبتمبر/أيلول 2018

وهذا الأمر يشبه تماما سباق البطاريات في قطاع الطاقة النظيفة، حيث يصبح التحكم في التصنيع أكثر أهمية من مجرد استخراج المادة. ويمكن تركيا ومصر بفضل قربهما من أوروبا أن تصبحا مراكز لوجستية، بينما تستفيد أوزبكستان وكازاخستان من شراكات استراتيجية. غير أن النجاح يتطلب سياسات حكومية داعمة تشمل الاستدامة المائية، وتطوير البحث العلمي، وتعزيز الشفافية لتلبية المعايير الدولية.

وإذا استمرت برامج إعادة التسليح بالوتيرة الحالية، فمن المرجح أن تتحول اللينترز القطنية إلى سلعة استراتيجية تخضع لاعتبارات الأمن القومي والقيود التصديرية، تماما كما حدث مع أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة. وعندها لن تكون المنافسة محصورة في حجم الإنتاج الزراعي، بل في امتلاك سلسلة القيمة الكاملة بدءا من السليلوز وصولا إلى المواد الدافعة، مما يمنح الدول المنتجة نفوذا جيوسياسيا أكبر في الصناعات الدفاعية.

font change