5 كتب تتناول قضية الهجرة... نحن لا نحيا في بلد واحد اسمه العالم

مسألة معقدة تتجاوز أمن الحدود

 Sakis MITROLIDIS / AFP
Sakis MITROLIDIS / AFP
مهاجرون ينتظرون على الجانب التركي من الحدود التركية اليونانية قرب كاستانييس

5 كتب تتناول قضية الهجرة... نحن لا نحيا في بلد واحد اسمه العالم

كان لمفهوم اللجوء قبل آلاف السنين معنى مختلف في العالم اليوناني القديم. فقد اعتبر الإغريق أن من واجب الدولة الأخلاقي توفير ملاذ لكل من تتعرض حياته للخطر في مكان آخر. وكان السياسيون يخشون غضب الآلهة وسخط الناس إذا فشلوا في حماية الضعفاء والمطاردين. لذلك لم يكن حق اللجوء مجرد إجراء قانوني، بل كان مفهوما أساسيا في قلب التجارب الديمقراطية المبكرة. وتعود كلمة لجوء بالإنكليزية نفسها إلى اللغة اليونانية القديمة Asylia، التي تشير إلى الحماية التي تمنحها الآلهة لمن يبحث عن الأمان.

إلا أن الأمر تغير الآن. فقد صار ينظر إلى المهاجر بوصفه لصا قادما كي يسرق اللقمة من اليد والراتب من الجيب. ورأينا في اليونان وسبتة وعلى الحدود المكسيكية الأميركية وفي أمكنة أخرى سكانا محليين يطاردون المهاجرين إلى جانب السلطات، أو في تنسيق معها، ويقومون باعتقالهم، في مؤشر الى نجاح سياسات تصنيع الخوف.

لا شك أن هذا الواقع كان سيخيب أمل الشاعر الفينيقي ميلياغروس الجاداري، الذي عبر قبل قرون عن رؤية إنسانية تتجاوز الحدود والهويات الضيقة، حين قال: ”إذا كنت سوريا، فما العجب أيها الغريب؟ نحن نعيش جميعا في وطن واحد هو العالم“. غير أن هذا الحلم الكوني يصطدم اليوم بواقع عالم تعيد فيه الحدود رسم مصائر البشر، وتتحول فيه الهجرة إلى إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل سياسيا وأخلاقيا وإنسانيا. نستعرض هنا خمسة كتب صدرت حديثا تناولت ظاهرة الهجرة من زوايا متعددة، وقدمت قراءات متباينة ومتكاملة تساعد في فهم إحدى أبرز قضايا عصرنا وأكثرها تعقيدا.

تجاوز الخوف من المهاجرين رد الفعل الاجتماعي، ليغدو أداة سياسية تستثمر في الانتخابات، وتستخدم لتعزيز النزعات القومية

تجمع الكتب الخمسة على أن الهجرة ظاهرة معقدة. فهي قضية اقتصادية ترتبط بالفوارق في فرص العمل والدخل، وقضية سياسية تتأثر بالحروب والصراعات وسياسات الدول، وقضية اجتماعية وثقافية تعكس تحولات الهويات والعلاقات بين المجتمعات، كما أنها تجربة إنسانية يحركها السعي إلى الأمان والاستقرار وتحسين شروط الحياة. تتشابك في تشكيل هذه الظاهرة عوامل متعددة، من بينها التفاوت التنموي بين الدول، واضطرابات أسواق العمل، والنزاعات المسلحة، والأزمات البيئية، فضلا عن طموحات الأفراد وتطلعاتهم إلى مستقبل أفضل.

تتقاطع هذه الرؤية مع ما تطرحه عالمة السياسة الأميركية ميليسا لين في مقالتها "رؤية فلسفية للدول والهجرة"، حيث تضع الهجرة في إطار أوسع من السجالات السياسية الراهنة، وتذكر بأن التنقل البشري ليس استثناء في التاريخ، بل أحد محركاته الأساس.

أزمة الهجرة في أوروبا وعلى الحدود الأميركية-المكسيكية في عصر جديد من تصاعد القومية الإقصائية

بين أميركا وأوروبا

في كتابها "أزمة الهجرة في أوروبا وعلى الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك في عصر جديد يتسم بتصاعد النزعة القومية الإقصائية"، قارنت عالمة الاجتماع الأميركية فيكتوريا كارتي بين ما يجري على ضفتي الأطلسي على صعيد سياسات الهجرة، وتوصلت إلى نتيجة مفادها أن الهجرة تحولت إلى أحد أهم محركات الاستقطاب السياسي في الغرب. لا تعد كارتي الهجرة أزمة حدود فحسب، وإنما أيضا مرآة تعكس تحولات عميقة في الديمقراطيات الغربية في السنوات الأخيرة.

تناقش الكاتبة العلاقة المعقدة بين الهجرة وتصاعد النعرات القومية والشعبوية اليمينية والعنصرية المتطرفة والخوف من الآخر. وترى أن أزمتي الهجرة في أميركا وأوروبا ليستا ظاهرتين منفصلتين، فهما تعكسان تحولات عالمية مشتركة نجمت عن الحروب وعدم الاستقرار والعولمة الاقتصادية واتساع الفجوة بين الشمال والجنوب. فالخوف من المهاجرين تجاوز رد الفعل الاجتماعي، ليغدو أداة سياسية تستثمر في الانتخابات، وتستخدم لتعزيز النزعات القومية وإعادة تعريف مفهوم المواطنة.

تتناول المؤلفة رؤيتين مختلفتين للهجرة: الأولى هي نظرية الجماعة المتماسكة، التي تعطي الأولوية للهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي وسيادة الدولة، وترى أن حماية الحدود والحفاظ على الثقافة الوطنية شرط لاستمرار الدولة الديمقراطية. أما الثانية فهي النظرية الكوزموبوليتانية، التي تنطلق من فكرة أن حقوق الإنسان تتجاوز الحدود الوطنية، وأن الهجرة ينبغي أن تفهم من منظور إنساني عالمي يقوم على التضامن والانفتاح.

 REUTERS/Adrees Latif
إليانا، مهاجرة فنزويلية تحاول عبور سياج من الأسلاك الشائكة على ضفة نهر ريو غراندي في إل باسو بولاية تكساس

ولتفسير تصاعد الخطابات المعادية للهجرة، تستعين المؤلفة بأفكار نظرية العرق النقدية، التي ترى أن بعض البيض في أوروبا والولايات المتحدة باتوا يشعرون بأن التغيرات الديموغرافية وتزايد التنوع العرقي والثقافي يهددان الامتيازات التاريخية التي تمتعوا بها لزمن طويل. وبحسب المؤلفة، تحول هذا الشعور لدى بعض الفئات إلى نوع من القلق أو الخوف الوجودي، الأمر الذي أسهم في تغذية الخطابات المناهضة للهجرة، وانتقالها من الهامش إلى دوائر السياسة والإعلام في عدد من الدول الغربية. ولم تقتصر آثار هذه الخطابات على المجال العام، إذ ارتبطت في بعض الحالات بأعمال عنف وهجمات إرهابية استهدفت المهاجرين والأقليات. ومن هذا المنطلق، تنظر المؤلفة إلى اللغة العدائية بوصفها عاملا يسهم في تهيئة المناخ الفكري والثقافي الذي يمكن أن تؤدي فيه الكراهية إلى ممارسات عنيفة.

الهجرة ليست ظاهرة يمكن السياسات الحكومية إيقافها بقرار واحد، لأنها ترتبط بتحولات أوسع

وترفض الكاتبة اختزال الهجرة في الجدل السياسي الذي تثيره داخل الدول المستقبلة، وتدعو إلى تقصي جذورها العميقة. فالهجرة ليست غالبا ما تكون نتيجة مباشرة لأزمات سياسية واقتصادية وأمنية تدفع الأفراد إلى الرحيل. ولهذا تربط موجات النزوح واللجوء بانهيار مؤسسات الدولة، كما في بعض الدول العربية بعد الربيع العربي، وبالعنف المستشري الذي تمارسه شبكات الجريمة المنظمة في أميركا الوسطى، فضلا عن الفقر المزمن وغياب فرص العمل. في ظروف كهذه يصبح عبور الحدود، على ما ينطوي عليه من مخاطر، محاولة للنجاة أكثر منه سعيا وراء حياة أكثر رخاء.

كيف تعمل الهجرة؟


في كتابه "كيف تعمل الهجرة: اثنان وعشرون أمرا يجب أن تعرفها عن أكثر القضايا إثارة للانقسام في السياسة"، يفكك عالم الاجتماع الهولندي هاين دي هاس اثنتين وعشرين خرافة شائعة حول الهجرة، وينتقد الأسلوب الذي تختزل به ظاهرة معقدة في سرديات سياسية وإعلامية تستند غالبا إلى الخوف أو التعاطف أو الاستقطاب. يرى دي هاس أن المشكلة لا تكمن في نقص المعلومات بقدر ما تكمن في الطريقة التي تنتقى وتقدم بها، إذ كثيرا ما توظف الهجرة لخدمة أهداف أيديولوجية أو إعلامية، على حساب حقائق راكمتها عقود من أبحاث الهجرة.

يتناول دي هاس ما يسميه الخرافة الكبرى، وهي الاعتقاد بأن الهجرة يمكن التحكم بها كأنها صنبور يمكن فتحه وإغلاقه. فالهجرة، كما يقول، ليست ظاهرة يمكن السياسات الحكومية إيقافها بقرار واحد، لأنها ترتبط بتحولات أوسع تشمل أسواق العمل والفوارق الاقتصادية، والتنمية والتغيرات الاجتماعية والسياسية. ويمكن الدول أن تدير الهجرة وتؤثر في مساراتها لكنها لا تستطيع تجاهل القوى التي تدفعها وهذا ما يجعل السياسات المبنية على إنكار هذه العوامل عرضة للفشل.

غلاف "كيف تعمل الهجرة؟"

كما يرفض دي هاس اختزال المهاجرين في صورتين متعارضتين: الضحية أو الشرير. فالمهاجر، في نظره، ليس مجرد شخص تدفعه الظروف القاسية إلى الرحيل، بل هو أيضا فاعل يتخذ قراراته ويسعى إلى تحسين مستقبله ضمن الخيارات المتاحة له. ويشير إلى أن الهجرة غالبا ما تتطلب موارد مالية ومعرفية وشبكات دعم لا يمتلكها الأشد فقرا. لذلك، قد تكون القدرة على الهجرة مؤشرا لتوافر حد أدنى من الموارد، بينما يظل كثير من الفقراء محاصرين في ظروفهم وعاجزين عن المغادرة.

العديد من المهاجرين يتمتعون بصحة أفضل وتماسك أسري أقوى وشعور أكبر بالتفاؤل مقارنة بقطاعات واسعة من المجتمع الأميركي

ويدعو دي هاس إلى تجاوز سرديات مبسطة وأحادية تهيمن على النقاشات العامة حول الهجرة، مؤكدا أنها ظاهرة أكثر تعقيدا ويجب ألا تختزل في شعارات سياسية أو أحكام مسبقة. ويشدد أيضا على أهمية تبني مقاربات نقدية ورصينة، سواء في العمل الصحافي أو في صناعة السياسات العامة، لفهم الهجرة بوصفها ظاهرة تاريخية مستمرة تشكلت عبر تفاعل معقد بين عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية.

Photo by Pau BARRENA / AFP
عامل موسمي بلغاري يضع كمامة ويعمل في حقل قرب قرية فراغا في إسبانيا

الفوائد التي يحضرها المهاجرون معهم

تنطلق الصحافية الأميركية كلوديا كولكر في كتابها "فوائد الهجرة: ما الذي يمكن أن نتعلمه من المهاجرين الجدد إلى أميركا عن الصحة والسعادة والأمل"، من سؤالين مهمين: ماذا لو لم يكن المهاجرون بحاجة إلى تعلم القيم الأميركية؟ وماذا لو كان المجتمع الأميركي يحتاج إلى تعلم الكثير من المهاجرين؟

اكتشفت كولكر أثناء مقابلات أجرتها مع مهاجرين قدموا من آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا أن العديد منهم يتمتعون بصحة أفضل وتماسك أسري أقوى وشعور أكبر بالتفاؤل، مقارنة بقطاعات واسعة من المجتمع الأميركي. وتحدثت عما أحضره المهاجرون معهم مثل جمعيات الادخار الدورية المنتشرة في أوساط المهاجرين الفيتناميين والآسيويين، حيث يساهم أفراد الجماعة بمبالغ مالية منتظمة توزع بالتناوب على الأعضاء، مما يتيح لهم الحصول على التمويل من دون اللجوء إلى المؤسسات المصرفية التقليدية.

غلاف "ميزة المهاجر"

كما تتطرق المؤلفة إلى تقليد الكوارنتينا في الثقافة المكسيكية، وهو فترة تمتد نحو أربعين يوما بعد الولادة تتلقى خلالها الأم دعما مكثفا من أفراد الأسرة والأقارب الذين يتولون إعداد الطعام ورعاية المولود ومساعدتها في الأعمال المنزلية، بما يخفف الضغوط الجسدية والنفسية خلال هذه المرحلة الحساسة. وسلطت الضوء أيضا على تقاليد لدى بعض الأسر الجامايكية والكاريبية، حيث يتقاسم الأجداد والآباء والأبناء الموارد والمسؤوليات، الأمر الذي يوفر شبكة أمان اجتماعي تساعد الشباب على إكمال تعليمهم أو توفير المال لشراء منزل، كما تخفف الأعباء المالية عن الأسرة بأكملها.

وترى كولكر أنه يمكن النظر إلى هذه الممارسات بوصفها نماذج اجتماعية تقدم حلولا عملية لبعض المشكلات التي يواجهها المجتمع الأميركي المعاصر، مثل العزلة الاجتماعية، وضعف الروابط الأسرية، وارتفاع الضغوط الاقتصادية، وتراجع شبكات الدعم المجتمعي.

غلاف "حقيقة الهجرة"

حقيقة الهجرة

يعيد كتاب "حقيقة الهجرة: لماذا ترحب المجتمعات الناجحة بالمهاجرين" طرح النقاش حول الهجرة على أسس اقتصادية وعلمية. يؤكد مؤلف الكتاب، الاقتصادي الأميركي زكي هرنانديز، أن كثيرا من المخاوف المرتبطة بالهجرة مفبركة. ويورد مثلا على ذلك الاعتقاد بأن المهاجرين يستولون على وظائف المواطنين أو يتسببون في زيادة معدلات البطالة ويفنده قائلا إن الاقتصاد لا يعمل وفق منطق لعبة المحصلة الصفرية، أي أن نجاح طرف لا يعني بالضرورة خسارة طرف آخر.

المهاجرون الذين يحافظون على جذورهم الثقافية هم الأكثر قدرة على النجاح والاندماج مقارنة بمن يتخلون بالكامل عن ثقافتهم

فالمهاجرون لا يقتسمون الثروة الموجودة فقط، بل يساهمون أيضا في إنتاج ثروة جديدة من طريق الاستهلاك والاستثمار وريادة الأعمال. ويرى فرنانديز أن الاندماج لا يعني التخلي عن الهوية الأصلية. فالمهاجرون الذين يحافظون على جذورهم الثقافية هم الأكثر قدرة على النجاح والاندماج مقارنة بمن يتخلون بالكامل عن ثقافتهم السابقة.

غلاف "مسألة الهجرة"

فشل أمن الحدود

لا يركز كتاب "مسألة الهجرة: السياسة والاقتصاد وفشل أمن الحدود" للباحثتين ليلى سيمونا تالاني وماتيلدي روزينا، على كيفية منع الهجرة، بل يبحث في أسبابها، ومدى فعالية سياسات الردع، وتأثير هذه السياسات على المهاجرين والمجتمعات المستقبلة. تنطلق المؤلفتان من فكرة أساس مفادها أن النقاش العام حول الهجرة مليء بالمبالغات والأساطير. فالمشكلة ليست في تصاعد حجم الهجرة، إنما في الطريقة التي توظف فيها سياسيا، خاصة في فترات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

تناقش المؤلفتان فشل سياسات الردع التي تعتمد عليها دول كثيرة لمنع الهجرة القائمة على فكرة أن رفع تكلفة الهجرة وتشديد الرقابة على الحدود وفرض العقوبات ستدفع الناس إلى العدول عن قرار الرحيل. إلا أن هذه الإجراءات لا تعالج الأسباب العميقة للهجرة، كالفقر والحروب وتفاقم البطالة وعدم الاستقرار السياسي، وبدلا من أن تحد من الهجرة تؤدي إلى تغيير أساليبها وطرقها ودفع المهاجرين إلى مسارات أشد خطورة والاعتماد على شبكات التهريب.

 JORGE GUERRERO / AFP
مهاجرون يعودون إلى المغرب بعدما عبروا الحدود إلى جيب سبتة الإسباني في شمال أفريقيا

كما أن السياسات المتشددة لا تؤذي المهاجرين فحسب، بل تتسبب بمشكلات في المجتمعات المستقبلة أيضا. فحين يمنع المهاجرون من دخول سوق العمل بشكل قانوني، يصبحون أكثر عرضة للاستغلال والعمل غير النظامي، ولا يستطيعون المساهمة بشكل كامل في الاقتصاد أو دفع الضرائب، مما يزيد تهميشهم. بالتالي، فإن ربط الهجرة بالجريمة ليس نتيجة طبيعية لوجود المهاجرين، بل للسياسات التي تدفعهم إلى أوضاع غير مستقرة.

المهاجرون غالبا ما يعملون في قطاعات تحتاج إلى عمالة إضافية، كما أن الاقتصادات الأوروبية والأميركية تعتمد بشكل كبير على العمال الوافدين

من الناحية الاقتصادية، يفند الكتاب الاعتقاد الذي يتم ترويجه بأن المهاجرين يستولون على وظائف السكان المحليين أو يشكلون عبئا على الاقتصاد. فالمهاجرون غالبا ما يعملون في قطاعات تحتاج إلى عمالة إضافية، كما أن الاقتصادات الأوروبية والأميركية تعتمد بشكل كبير على العمال الوافدين. لهذا إن توفير طرق قانونية وآمنة للهجرة يمكن أن يخدم المهاجرين والدول المستقبلة معا.

font change