تعرض شركة "هيوماين" السعودية، خلال مؤتمر "ليب" في الرياض بين 31 أغسطس/آب و3 سبتمبر/أيلول، حاسوبا محمولا مصمما لتشغيل جيل جديد من وكلاء الذكاء الاصطناعي، يجمع بين وحدات المعالجة المركزية والرسومية والعصبية، بما يسمح بتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي محليا وتقليل الاعتماد على الحوسبة السحابية. لا يمثل الجهاز مجرد منتج تقني جديد، بل يعكس اتجاها أوسع ضمن الاستراتيجيا السعودية لبناء قطاع متكامل للذكاء الاصطناعي في رعاية صندوق الاستثمارات العامة وفي إطار رؤية المملكة 2030.
يأتي ذلك في وقت يتحول مفهوم "الذكاء الاصطناعي السيادي" إلى أحد محاور التنافس الاقتصادي والاستراتيجي بين الدول. فامتلاك مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية والبيانات المحلية والنماذج والتطبيقات لم يعد مسألة تقنية فقط، وإنما أصبح مرتبطا بالأمن القومي والسيادة الرقمية والقدرة على التحكم في المعلومات والبنية التحتية للاقتصاد الجديد.
لا يتحقق الذكاء الاصطناعي السيادي بمجرد شراء خوادم أو استخدام نماذج متقدمة، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل الكهرباء والاتصالات ومراكز البيانات والرقائق والحوسبة والبيانات والمهارات والمؤسسات والقدرات التمويلية. وتزداد أهمية هذه العناصر مع تحول الذكاء الاصطناعي إلى بنية أساس تدخل في الصناعة والصحة والتعليم والطاقة والنقل والإدارة العامة والدفاع.
ولهذا تتسابق الحكومات والشركات على بناء مراكز البيانات وتأمين مصادر الطاقة اللازمة لتشغيلها، بالتوازي مع الاستثمار في الرقائق المتقدمة والكوادر البشرية. وتشير تقديرات مصرف "غولدمان ساكس" إلى أن الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تتجاوز تريليون دولار خلال عام 2026، يأتي أكثر من نصفها من الولايات المتحدة، بينما تقدر مجموعة "ماكينزي" الاستثمارات التراكمية المطلوبة لمراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بنحو سبعة تريليونات دولار حتى عام 2030.

تعكس هذه الأرقام تحولا في طبيعة الاقتصاد الرقمي. فمراكز البيانات الحديثة تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الخوادم والرقائق وشبكات الاتصالات، لكنها تحتاج أيضا إلى محطات كهرباء وأنظمة تبريد ومياه ومرافق أمنية، إضافة إلى جامعات ومعاهد ومراكز بحثية قادرة على إعداد المهندسين والفنيين وتطوير التطبيقات المحلية.
وقدرت وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني حاجة القطاع إلى ما لا يقل عن ثلاثة تريليونات دولار لتمويل مراكز البيانات المطلوبة خلال السنوات المقبلة. وأعلنت شركات تكنولوجيا أميركية كبرى، بينها "مايكروسوفت" و"أمازون" و"ألفابت" و"أوراكل" و"ميتا بلاتفورمز" و"كور ويف" خططا لاستثمار مئات المليارات من الدولارات في البنية الحاسوبية والطاقة.
فرصة تاريخية للدول النامية
يرى البنك الدولي أن الذكاء الاصطناعي قد يمنح الاقتصادات النامية فرصة لاختصار مراحل طويلة من التنمية، إذا نجحت في بناء الأسس الضرورية للاستفادة منه. وفي تقريره "وعود الذكاء الاصطناعي" يشير البنك إلى أن التكنولوجيا يمكن أن تساعد الدول في تحقيق مكاسب خلال سنوات كان الوصول إليها يتطلب في السابق عقودا، لكن ذلك يظل مشروطا بتحسين الكهرباء والاتصالات والمهارات وكفاءة المؤسسات والتشريعات.
ولا تحتاج جميع الدول، وفقا لهذا التصور، إلى بناء أضخم مراكز البيانات أو تطوير أقوى النماذج العالمية. فالفرصة الكبرى قد تكون في تكييف التكنولوجيا المتاحة مع المشكلات المحلية، مثل تحسين التشخيص الطبي والتعليم والإدارة الحكومية والزراعة وإدارة المياه والطاقة والقضاء.

