منصور الزغيبي لـ"المجلة": لقاء الكاتب والقارئ يحول العلاقة إلى حوار حي

صالون ثقافي يضع الإبداع في حيز النقاش

@MansourOmarZ/X
@MansourOmarZ/X
منصور الزغيبي

منصور الزغيبي لـ"المجلة": لقاء الكاتب والقارئ يحول العلاقة إلى حوار حي

يميل المنخرطون في الحقل الثقافي إلى الابتعاد المباشر عن الفضاء العام، معزولين غالبا عن قرائهم، إلا من خلال ندوة نادرة أو معارض الكتب. هذه المعادلة بدأت تتغير في المملكة العربية السعودية خلال السنوات القليلة الماضية، مع ظهور شكل جديد من الصالونات الأدبية ضمن مبادرة "الشريك الأدبي" التي أطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة في 2021.

ويعد "صالون نبل الثقافي" من أبرز المنصات التي توفر للقارئ قناة للمناقشة مع الكاتب، وقد حصل الصالون أخيرا على المركز الأول ضمن مبادرة الشريك الأدبي في نسختها الخامسة في مسار الأندية الثقافية. "المجلة" التقت مؤسس الصالون ورئيسه منصور الزغيبي.

كيف كانت بداية الصالون، وما الباعث لهذا لتأسيس واختيار اسم نبل؟

بدأ "نبل" من قناعة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: أن الثقافة لا ينبغي أن تبقى محصورة في إطار النخبة أو المناسبة، بل يمكن أن تكون أسلوب حياة، وأن تصل إلى الإنسان في المكان الذي يعيش فيه ويتعلم ويعمل ويلتقي بالآخرين. من هنا جاءت فكرة "نبل" بوصفه مساحة ثقافية مفتوحة، تجمع بين الأدب والفنون والحوار، وتبحث دائما عن المساحات المشتركة بين الثقافة والمجتمع.

أما اختيار اسم "نبل"، فلم يكن شكليا. فالاسم يحمل قيمة إنسانية وثقافية نؤمن بها. النبل بالنسبة لنا هو رقي الفكرة، واحترام الإنسان، وجودة الحوار، والوفاء للثقافة، وأن يكون للعمل الثقافي معنى يتجاوز إقامة الفعالية إلى صناعة أثر يبقى بعدها.

حين تخرج الثقافة من نطاقها التقليدي وتذهب إلى الناس تصبح أقدر على صناعة الأثر

ولهذا حرصنا منذ البداية على أن تكون هوية "نبل" قائمة على شعار "وعي، ذوق، معرفة"، وأن نقدم الثقافة بروح قريبة من الناس، مع الحفاظ على العمق والجودة. ثم تطورت التجربة، واتسعت شراكاتها وموضوعاتها ومساحاتها، لكن الباعث الأول بقي حاضرا: أن نجعل الثقافة أقرب إلى المجتمع، وأكثر اتصالا بحياته.

SPA
مبادرة "الشريك الأدبي" تختتم نسختها الخامسة في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض، 25 يوليو 2026

مبادرة "الشريك الأدبي"

كيف ترى انعكاس مبادرة "الشريك الأدبي" على الحقل الثقافي السعودي عموما؟

تجاوزت مبادرة "الشريك الأدبي" مفهوم دعم الفعاليات الأدبية إلى صناعة حراك ثقافي أكثر اتساعا وحيوية، وأعادت تقديم الأدب في فضاءات قريبة من الناس وحياتهم اليومية. ومن أهم آثارها أنها وسعت دائرة العمل الثقافي، وفتحت المجال أمام الأندية والصالونات والمقاهي والجهات المجتمعية لتكون شريكا في صناعة المشهد، لا مجرد مستضيف له.

كما أسهمت المبادرة في رفع مستوى الجودة، وتحفيز الشركاء على الابتكار في الموضوعات وأساليب التقديم وبناء الشراكات، والوصول بالأدب إلى أماكن وشرائح اجتماعية متنوعة. وهذا التحول مهم، لأنه حين تخرج الثقافة من نطاقها التقليدي وتذهب إلى الناس تصبح  أقدر  على صناعة الأثر والاستدامة.

فوز "صالون نبل الثقافي" بالمركز الأول في مسار أندية الهواة الثقافية في النسخة الخامسة، وسط موسم أقيمت فيه 841  مبادرة نوعية على مستوى المملكة، نراه جزءا من هذا الحراك الكبير، ودليلا على أن المبادرة نجحت في إيجاد بيئة ثقافية تنافسية تشجع على التجديد، وتكافئ جودة الفكرة وحسن التنفيذ واتساع الأثر.

من خلال عملك في إدارة الندوات والحوارات الثقافية، كيف أثرت الصالونات الأدبية في علاقة الكاتب بالقارئ؟

أعتقد أن الصالونات الأدبية والثقافية أسهمت في تقليص المسافة التقليدية بين الكاتب والقارئ. فالكتاب يقدم النص، أما اللقاء الثقافي فيمنح القارئ فرصة أن يلتقي صاحب التجربة، ويسأله عن الفكرة وما وراءها، ويستمع إلى رؤيته مباشرة، وهنا تتحول العلاقة من قراءة أحادية إلى حوار حي.

وفي تجربتنا في صالون "نبل"، لا ننظر إلى الحضور بوصفهم متلقين فقط، إنما شركاء في صناعة اللقاء. كثيرا ما يفتح سؤال من الحضور زاوية جديدة في الموضوع، أو يقود الحوار إلى فكرة لم تكن مطروحة في بدايته. وهذه إحدى القيم المهمة للصالونات: أنها تعيد للثقافة بعدها الاجتماعي والإنساني.

جودة اللقاء تبدأ من حسن الاختيار، ثم إعداد المحاور، والعناية بالتفاصيل التي تجعل الحضور جزءا من التجربة

كما أن تنوع فضاءات اللقاءات أسهم في الوصول إلى قراء جدد ربما لم يكونوا يرتادون الصالونات بصورتها التقليدية. وحين يلتقي الكاتب القارئ في مكتبة أو مقهى أو بيت ثقافة أو مساحة مجتمعية، يصبح الأدب أقرب، وتتسع دائرة الحوار حوله. وأرى أن هذه العلاقة المباشرة لا تقلل مكانة الكتاب، إنما تعززها وتمنحه حياة أخرى بعد النشر.

 Literature, Publishing & Translation Commission
نادي "صالون نُبل الثقافي" يحصد المركز الأول في مسار الأندية الثقافية للهواة

منهج متوازن

كيف تختارون الضيوف والموضوعات للحفاظ على الحضور المتخصصين، وفي الوقت نفسه مراعاة الزوار العامين؟

نعتمد في "نبل" على التوازن بين قيمة الموضوع وجاذبية تقديمه. لا نختار موضوعا لمجرد أنه متخصص، ولا نبتعد عن التخصص بحثا عن الحضور، وإنما نسأل: هل يحمل الموضوع معرفة حقيقية؟ وهل يمكن تقديمه بطريقة تجعل غير المتخصص قادرا على الدخول إليه والاستفادة منه؟

وفي اختيار الضيوف نهتم بالمعرفة والخبرة والقدرة على الحوار والتواصل مع الجمهور، فليس المهم أن يمتلك الضيف معرفة عميقة فحسب، بل أن يستطيع تحويل هذه المعرفة إلى حديث واضح وملهم، يحترم المتخصص ولا يعزل الزائر العام.

كما نحرص على التنوع في الموضوعات، من الأدب والفلسفة والفنون إلى الابتكار والثقافة والقانون وغيرها، مع وجود خيط يجمعها جميعا وهو علاقتها بالإنسان والمعرفة والثقافة. ونؤمن بأن جودة اللقاء تبدأ من حسن الاختيار، ثم إعداد المحاور، واختيار من يدير الحوار، والعناية بالتفاصيل التي تجعل الحضور جزءا من التجربة. هدفنا أن يخرج المتخصص بفكرة جديدة، وأن يخرج الزائر العام برغبة أكبر في المعرفة.

SPA
مبادرة "الشريك الأدبي" تختتم نسختها الخامسة في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض، 25 يوليو 2026

مر "نبل" بمراحل متسارعة منذ تأسيسه باستضافة متخصصين ثم توثيق بعض المحاضرات في اصدرات كتب، وصول إلى المحطة الحالية بعد فوزكم بجائزة "الشريك الأدبي"، ما خططكم المقبلة في الحقل الثقافي؟

الفوز ليس محطة ختام، بل مسؤولية جديدة. ما تحقق في "نبل" خلال المرحلة الماضية منحنا ثقة أكبر في التجربة، لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف التوقعات ويجعل المرحلة المقبلة في حاجة إلى مزيد من البناء المؤسسي والاستدامة والابتكار.

نتطلع إلى تطوير الصالون من مساحة تقدم اللقاءات والفعاليات إلى منصة ثقافية أوسع في صناعة المحتوى والمعرفة والتوثيق. ومن المسارات التي نعمل عليها تعزيز الإصدارات الثقافية، وتوثيق التجارب والحوارات النوعية، وتوسيع الشراكات المبتكرة مع الجهات الثقافية والمجتمعية، والوصول بالأدب والثقافة إلى أماكن وشرائح جديدة.

كما نهتم ببناء مبادرات تتجاوز أثرها زمن الفعالية نفسها، سواء عبر النشر أو الترجمة أو المحتوى الرقمي أو المشروعات التي تكتشف المواهب وتمنحها مساحة للظهور ونطمح إلى أن يكون لـ"نبل" حضور يسهم في إثراء المشهد الثقافي السعودي، ويقدم تجربة قابلة للتطور والاستدامة.

نتطلع إلى تطوير الصالون من مساحة تقدم اللقاءات والفعاليات إلى منصة ثقافية أوسع في صناعة المحتوى والمعرفة

والأهم بالنسبة لنا أن نحافظ على روح "نبل" مهما اتسعت التجربة: أن يكون العمل الثقافي قائما على الوعي والذوق والمعرفة، وأن نقيس نجاحنا بما نتركه من أثر، وبما نبنيه من علاقات وشراكات، وبقدرتنا على جعل الثقافة أقرب من المجتمع.

font change

مقالات ذات صلة