كلما ذهبت إلى معرض جديد لأنيش كابور تلح علي فكرة عراقيته من جهة الأم التي هي من بغداد. أضحك من نفسي. فلو لم يكن كابور هنديا أصيلا لما أغرق الصالات والمتاحف بالتوابل، روائح وألوانا وأصواتا تسمع كأنها غير موجهة لأحد بعينه، وأشكالا لا ترى إلا جزئيا بسبب هيمنتها العاطفية على المكان، على الرغم من أن حجومها الضخمة تسمح لها بأن تفلت من المعاني المباشرة التي غالبا ما تتعثر بها تجارب الفن المفاهيمي.
فكابور مختلف عن سواه من مخترعي فن المفاهيم. فهو لا يثرثر ولا يشرح، غير أن التعامل مع خلاصاته بصريا يتطلب الكثير من الصبر لكي تفهم. لا يمكن أن يتخيل المرء أن عملا يضيق به فضاء المكان هو عبارة عن شذرة يكفي الإنصات إليها للتماهي مع دلالاتها.
في فنه يسعى الفنان المولود في مومباي عام 1954 إلى النظر إلى الأسطورة كأنها واقع مادي ملموس. أتذكر بوقه الذي احتل الفضاء الداخلي الواسع لـ"تيت مودرن". حين تنظر إليه، يخطر في بالك بوق إسرافيل وهو يوقظ الموتى ويعلن القيامة. أما حين تقف أمام عمله، "مرآة السماء في شيكاغو"، فقد تتيقن من أن الرؤى الدينية لا تعكر مزاج كابور المعاصر بقدر ما تهبه فرصة لاجتراح معجزات متخيلة.
هذا فنان لا يخلق أعمالا من أجل مواساتنا ودفعنا إلى نسيان خطايانا بقدر ما يسعى إلى استعراض فضائحنا الروحية بعد أن يضعها تحت عدسة مكبرة. في هذا المعرض الاستعادي الشامل الذي يقيمه "غاليري هيوارد" بلندن، يقدم كابور فكرة عن العمل الفني الذي لا يمكن استهلاكه من طريق النظر إليه. عليك وأنت ترى، أن تعيش التجربة. تجربة أن تكون ضئيلا في مواجهة سعة الفكرة التي تكرم حضورك وأنت تحاول أن تحصرها في خزانة مقتنياتك. فما من فنان أثث حياتنا المعاصرة بأشياء أسطورية مثلما فعل أنيش كابور.
ألغاز على طريق غامضة
أمن أجل الإبهار وحده كل هذه الأشكال الضخمة التي تحضر بطريقة صادمة، كأن يسقط جبل من الأعلى فنراه مقلوبا؟ مرآة بحجم بناية عالية وبوق يحتل مساحة ملعب. "لدي سلوك تلميذ مشاغب"، يقول كابور ولديه رغبة في العصيان، عصيان ما هو متوقع من صور، وعصيان رغبة الجمهور في احتواء العمل الفني.




