5 كتب تناقش الذكاء الاصطناعي ومستقبل الأدب والترجمة والنشر

من الآلة الكاتبة إلى الآلة المبدعة

Al Majalla
Al Majalla

5 كتب تناقش الذكاء الاصطناعي ومستقبل الأدب والترجمة والنشر

لا يتفق الروائيون والشعراء والمترجمون بعامة على دور الذكاء الاصطناعي في توليد النصوص الأدبية وترجمتها. فالكاتب الأميركي الحائز جائزة "بوليتزر" في المسرح، أياد أختار، صرح في ندوة نشرت وقائعها مجلة "ييل ريفيو" بأنه لم يتبق أمام الكتاب سوى ثلاث سنوات لمزاولة مهنتهم بعد اطلاعه على سيناريو حلقة تجريبية لمسلسل تلفزيوني مولد بالذكاء الاصطناعي. لكن الروائية الكندية مارغريت أتوود لا توافقه الرأي وتحاجج بأن الذكاء الاصطناعي عاجز عن الإبداع الأصيل وبأنه صحيح أن الآلة تستطيع محاكاة شكسبير لكن محاكاة نص شكسبير تختلف عما أبدعه. أضافت أتوود أن قيمة الصوت الشخصي للكاتب ستزداد مع انتشار الكتب التي تنتجها الآلات. بدوره، أدلى الروائي سلمان رشدي بدلوه في هذا الموضوع وجعل من الفكاهة معيارا لاختبار حدود الذكاء الاصطناعي، حين قال إن الكتاب سيفقدون مبرر وجودهم في اللحظة التي تتمكن فيها الآلة من تأليف كتاب فكاهي حقيقي.

لا يقل الجدال ضراوة حين يتعلق الأمر بالترجمة الأدبية. وفي هذا السياق شددت البريطانية المتخصصة في الترجمة عن الألمانية كاتي ديربيشاير على هذا البعد الإنساني بقولها إن جسدها يختبر الألم والفرح اللذين يسعى الأدب إلى نقلهما، بالتالي تمر لغة الترجمة في مصهر جسدها قبل أن تصب على الورق. وعليه، لا يقتصر السؤال على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على كتابة رواية أو ترجمة كتاب، لكنه يمتد ليشمل مستقبل الكتابة والترجمة والإبداع. لإلقاء مزيد من الضوء حول هذا الموضوع نستعرض في ما يلي خمسة كتب صدرت حديثا تناقش الذكاء الاصطناعي ومستقبل الكتابة الأدبية والترجمة والنشر.

"دليل روتليدج للذكاء الاصطناعي والأدب"

يدرس كتاب "دليل روتليدج للذكاء الاصطناعي والأدب" (مجموعة باحثين، تحرير ويل سلوكومب وجينيفيف ليفلي، منشورات روتليدج) الذكاء الاصطناعي من خلال ارتباطه بالأدب، وكيف يمكن هذا الأخير أن يساعدنا في فهم الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن الذكاء الاصطناعي، في المقابل، أن يغير أدوات الدراسات الأدبية.

يمكن الذكاء الاصطناعي أن يسهم في إنتاج معايير ثقافية جديدة، وأن يعيد إنتاج تحيزات موجودة سابقا

عرفت ليفلي، محررة الكتاب المشاركة، أستاذة الدراسات الكلاسيكية في جامعة بريستول، ومؤلفة كتاب "نظرية السرد" (2019)، باهتمامها الطويل بالروبوتات والذكاء الاصطناعي، مما يمنح الكتاب عمقا تاريخيا نادرا في هذا المجال. وينطلق الكتاب من التحول الذي أحدثه انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي منذ ظهور "تشات جي بي تي"، إذ أصبحت الآلة قادرة على إنتاج نصوص تبدو قريبة من الكتابة البشرية. فالآلة أصبحت قادرة على المشاركة في إنتاج النص نفسه ولم تعد مجرد شخصية في رواية عن المستقبل أو أداة يستخدمها الكاتب. يضع هذا التحول مفاهيم مثل المؤلف والصوت والخيال والإبداع أمام اختبار جديد. وعن طريق طرحه لسؤال: هل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي مؤلفا؟ يعيد الكتاب إثارة النقاش حول مفهوم المؤلف الذي شغل النظرية الأدبية الحديثة منذ رولان بارت. فإذا كان من الممكن أن ينتج النص الأدبي عن تعاون بين كاتب ونموذج لغوي، فهل ما زلنا قادرين على الحديث عن مؤلف واحد؟ أم أننا ننتقل إلى نموذج يصبح فيه التأليف موزعا بين الإنسان والآلة؟

غلاف "دليل روتليدج للذكاء الاصطناعي والأدب"

تتناول فصول الكتاب النماذج اللغوية الكبرى والذكاء الاصطناعي التوليدي ومولدات القصص والتحليل الحاسوبي للنصوص، فضلا عن دراسات حالة أدبية تمتد من الشعر والمسرح والقصص المصورة إلى النثر الروائي، وتغطي حقبا تتدرج من العالم القديم إلى الخيال العلمي المعاصر وشعر الذكاء الاصطناعي التوليدي.

يرتبط الأدب، بحسب عدد من الدراسات التي يضمها الكتاب، بالتجربة الجسدية والاجتماعية والذاكرة والقصد والسياق الثقافي والحكم الجمالي. فيمكن الآلة أن تحاكي أسلوبا أو بنية سردية، لكن محاكاة تجربة إنسانية لا تعني بالضرورة امتلاكها. يطرح الكتاب أيضا قضية سياسية وأخلاقية مهمة: إذا كانت النماذج تتعلم من كميات هائلة من النصوص البشرية، فإنها قد تعيد ترتيبها وتضخيم بعض أنماط الثقافة القائمة. وهكذا يمكن الذكاء الاصطناعي أن يسهم في إنتاج معايير ثقافية جديدة، وأن يعيد إنتاج تحيزات موجودة سابقا.

"نظرية أدبية للروبوتات: كيف تعلمت الحواسيب الكتابة"

في كتابه "نظرية أدبية للروبوتات: كيف تعلمت الحواسيب الكتابة" (منشورات دبليو دبليو نورتون كمبني) يسلط دينيس يي تينن، أستاذ الأدب المقارن في جامعة كولومبيا والمهندس السابق في شركة "مايكروسوفت"، الضوء على تاريخ طويل من العلاقة بين الإنسان وأدوات الكتابة ويرفض النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه قفزة مفاجئة ظهرت في القرن الحادي والعشرين.

تستطيع الآلة إنتاج جملة سليمة نحويا ومقنعة أسلوبيا، لكنها قد لا تكون مرتبطة بخبرة واقعية أو تجربة معيشة

صدر الكتاب ضمن سلسلة "نورتون شورتس" الموجزة، وينطلق من فكرة مفادها أن الذكاء البشري لم يكن، عبر التاريخ، منفصلا عن الأدوات التي يستخدمها الإنسان. فالقلم والقاموس والآلة الكاتبة ومحرك البحث والهاتف أدوات كلها وسعت قدرة الإنسان على التفكير والكتابة.

يدعو تينن إلى النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه امتدادا لتاريخ طويل من الذكاء الذي صنعه البشر عبر الأدوات، ليظهر أن العلاقة بين العلوم الإنسانية والعلوم التقنية كانت دائما أكثر تداخلا مما توحي به التقسيمات الأكاديمية الحديثة. ويحذر من اللغة التي نستخدمها في وصف الآلة. فعندما نقول إن الحاسوب يفكر أو يفهم أو يكتب، فإننا قد نمنحه صفات بشرية لا يمتلكها في الضرورة. كما أن الذكاء الاصطناعي ليس كائنا مستقلا ظهر من العدم، بقدر ما هو نتيجة عمل جماعي طويل شارك فيه مهندسون وباحثون ومؤسسات، واستند إلى كميات هائلة من البيانات. ويصر تينن على التمييز بين صحة اللغة ومعناها: تستطيع الآلة إنتاج جملة سليمة نحويا ومقنعة أسلوبيا، لكنها قد لا تكون مرتبطة بخبرة واقعية أو تجربة معيشة، وهنا تتجلى أهمية التجربة الإنسانية. ذلك أن اللغة تتشكل من الحياة والسياق والذاكرة والمعرفة. ولهذا يرفض تينن أيضا موجة الهلع التي تصور الآلة بوصفها قوة مستقلة ستستولي على العالم. ويرى أن جزءا من المشكلة يكمن في الاستعارات التي نستخدمها، فعندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي كما لو كان فاعلا مستقلا، فإننا نغفل البشر الذين يصممونه ويستخدمونه ويتخذون القرارات المرتبطة به.

"كيف يمكن قطاع النشر أن يتبنى الذكاء الاصطناعي"

يتناول نديم صادق، في كتابه "ابتهج، لا ترتجف هلعا: كيف يمكن قطاع النشر أن يتبنى الذكاء الاصطناعي" (منشورات فوربيس بوكس) صناعة الكتاب والنشر. وهو أقرب إلى دليل عملي للناشرين منه إلى دراسة أكاديمية حول الذكاء الاصطناعي. يمتلك صادق، وهو عالم نفس ورجل أعمال إيرلندي من أصل مصري، خبرة في مجالات التسويق والنشر والتكنولوجيا، ولديه قناعة يعبر عنها في الكتاب بأن قطاع النشر يجب ألا يخشى الذكاء الاصطناعي، بل أن يتعلم كيفية توظيفه والاستفادة منه.

إذا استخدمت جميع دور النشر الأدوات نفسها، فقد تصبح الصناعة أسرع وأكثر كفاءة، لكنها قد تقع في مطب التشابه والتكرار

يضع صادق ثورة الذكاء الاصطناعي في سياق تاريخي طويل بدأ من الكتابة القديمة مرورا بالمطبعة ثم الإنتاج الصناعي فالحاسوب والنشر الرقمي والكتب الإلكترونية والصوتية. ومثلما غيرت كل تقنية سابقة طريقة صناعة الكتاب، يمثل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة في هذا المسار التاريخي. لكن المشكلة التي تواجه النشر المعاصر، في رأي صادق، ليست نقص الكتب، إنما وفرتها المفرطة. فهناك مؤلفون لا يصلون إلى جمهورهم، وقراء لا يعرفون كيف يعثرون على الكتب التي تناسب اهتماماتهم، وناشرون يمتلكون قوائم ضخمة من الكتب القديمة التي لم تعد تحظى بالاهتمام الكافي. ولذلك يقترح صادق استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل ما يسميه "الحمض النووي للكتاب": موضوعه وشخصياته ونوعه الأدبي ومزاجه العام ومفرداته، ثم مواءمة هذه الخصائص مع اهتمامات القراء وتفضيلاتهم.

غلاف "ابتهج، لا ترتجف هلعا: كيف يمكن قطاع النشر أن يتبنى الذكاء الاصطناعي"

بهذه الطريقة يمكن الذكاء الاصطناعي أن يحول التسويق من محاولة للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس إلى محاولة للوصول إلى الأشخاص الأكثر اهتماما بكتب بعينها. يقترح صادق أيضا توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل التنبؤ بالطلب وتحليل السوق ومعالجة المرتجعات وإعداد المواد التسويقية وتحليل نتائج الحملات وبعض أعمال التحرير والتدقيق والترجمة. لكن القرار التحريري والحكم على القيمة الأدبية والعلاقة مع المؤلف والقارئ تظل، في نظره، من عمل البشر في الدرجة الأولى. وإذا استخدمت جميع دور النشر الأدوات نفسها، فقد تصبح الصناعة أسرع وأكثر كفاءة، لكنها قد تقع في مطب التشابه والتكرار. وهنا يدافع صادق عن العاطفة والحدس والتعاطف والعلاقات الإنسانية باعتبارها جوهر صناعة النشر.

"المبدعون الجدد: كيف يغير الذكاء الاصطناعي وجه الصناعة الإبداعية"

تنطلق سيما شارما، في كتابها "المبدعون الجدد: كيف يغير الذكاء الاصطناعي وجه الصناعة الإبداعية" (منشورات بي آي آي ببليشرز)، من سؤال يبدو بسيطا لكنه شديد التعقيد: ما الإبداع؟

ترى شارما أن الإبداع ليس امتيازا يقتصر على العباقرة، فهو قدرة إنسانية عامة على إقامة روابط غير متوقعة بين الأفكار والمفاهيم. كما أن الخطأ قد يكون ميزة إنسانية يمكن البناء عليها.

الإبداع لا يحتاج دائما إلى الكمال لكنه يحتاج إلى الخروج عن المألوف والانحراف عن المتوقع

 فالآلة مصممة لإنتاج إجابات تبدو صحيحة ومتماسكة، بينما الإنسان يمكن أن يخطئ، وأن يكتشف في خطئه مسارا يقوده إلى فكرة جديدة. بالتالي، الإبداع لا يحتاج دائما إلى الكمال لكنه يحتاج إلى الخروج عن المألوف والانحراف عن المتوقع. ولهذا ترفض شارما السؤال التقليدي: "هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل المبدعين؟"، وتتوقع بدلا من ذلك تحولا في طبيعة المهنة الإبداعية. فربما يتغير عمل كاتب الإعلانات والمصمم والموسيقي والفنان، لكن ذلك لا يعني انتفاء الحاجة إلى الإبداع، فسيصبح المبدع مطالبا بتطوير مهارات أشد ارتباطا بالعاطفة والسياق والثقافة والحدس والقدرة على طرح أسئلة غير متوقعة.

غلاف "المبدعون الجدد: كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي وجه الصناعات الإبداعية"

وتولي شارما أهمية خاصة لمفهوم الأصالة. فإذا أصبح إنتاج النصوص والصور والموسيقى ومقاطع الفيديو سهلا ومنخفض التكلفة، فقد يجد العالم نفسه أمام فائض هائل من المحتوى المتشابه. وعندئذ يمكن أن تتحول الأخطاء، والصوت الشخصي، والتجربة المعيشة والخصوصية الثقافية إلى عناصر أساس تميز العمل البشري وتمنحه قيمة أعلى.

"دراسات الترجمة في عصر الذكاء الاصطناعي"

يتناول كتاب "دراسات الترجمة في عصر الذكاء الاصطناعي" (مجموعة باحثين، تحرير سانجون سون وكانغلونغ ليو وريكاردو موراتو، منشورات روتليدج) تأثير الذكاء الاصطناعي، ولا سيما "تشات جي بي تي" والنماذج اللغوية الكبرى، في الترجمة ومناهج البحث وتعليم المترجمين والممارسة المهنية. الفكرة المحورية للكتاب هي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة إضافية بين أدوات المترجم، بل بدأ يغير طبيعة الترجمة. فالمترجم الذي كان عمله يبدأ بالنص الأصلي يجد نفسه اليوم يقوم بمراجعة نص تنتجه الآلة، وتحديد ما يمكن إبقاؤه وما ينبغي تعديله.

غلاف "دراسات الترجمة في عصر الذكاء الاصطناعي"

انطلاقا من هذا يعيد الكتاب تعريف كفاءة المترجم. فالمعرفة اللغوية والثقافية لم تعد وحدها كافية، إذ أصبح المترجم بحاجة إلى مهارات في التحرير والإشراف على الذكاء الاصطناعي واتخاذ قرارات أخلاقية. ويتناول الكتاب أيضا الترجمة التقنية والتوطين ودراسات المدونات اللغوية، وتعليم الترجمة والترجمة السمعية البصرية والتحرير اللاحق، علاوة على القضايا الأخلاقية.

يصبح المترجم أشبه بحارس بوابة يراقب النص الذي تنتجه الآلة ليقرر ما إذا كان صالحا للاستخدام أم لا

لا يتخيل الكتاب مستقبلا تنتصر فيه الآلة على الإنسان، إنما يدعو إلى نموذج تعاوني بين الطرفين. فالآلة تستطيع معالجة كميات هائلة من النصوص بسرعة وإنتاج لغة سلسة، بينما يحتفظ الإنسان بالدور الأصعب: فهم السياق والتقاط الإيحاءات والتعامل مع الفروق الثقافية والحكم على مدى ملاءمة الترجمة لغرضها. تتوضح هذه النقطة في الأبحاث التي تقارن بين "تشات جي بي تي" والمترجمين أو الطلاب، إذ إن الآلة قد تكون أسرع وأكثر طلاقة، لكنها لا تتفوق في الضرورة في فهم الإحالات الثقافية أو النبرة أو الجنس الأدبي. هنا يصبح المترجم أشبه بحارس بوابة يراقب النص الذي تنتجه الآلة ليقرر ما إذا كان صالحا للاستخدام أم لا.

font change