يستحق السودانيون سلاماً ينهي معاناتهم التي وصلت إلى عامها الرابع، ويعيد إليهم أمنهم وبيوتهم وسبل عيشهم، ويحفظ حقهم في تقرير مستقبل بلادهم. والمسؤولية التي يتحملها كل الفاعلين في مجال العمل العام من أجل بلوغ هذه الغاية تقتضي النظر بجدية إلى كل مسعى يمكن أن يوقف الحرب، وتقييمه بشكل واقعي على أساس قدرته على إيقافها ومعالجة أسبابها ومنع تجددها.
فالاتفاق الذي يسكت البنادق مؤقتاً، ويترك مصادر العنف وطرق تمويله وقياداته المستقلة قائمة، يؤجل الانفجار ويحمّل المجتمع كلفة انتظاره، والتي تتزايد كلما طال الزمن، وهذا ما حدث بالفعل في السودان منذ نجاح الثورة في إسقاط نظام عمر حسن البشير في 2019، حيث تنامت القدرة العسكرية لـ"قوات الدعم السريع" التي حاول كثيرون مراعاتها لتفادي الاصطدام معها، وتضاعفت كلفة الانفجار الذي حدث في أبريل/نيسان 2023.
ولهذا ينبغي أن ينطلق البحث عن التسوية التي توصّل إلى السلام من سؤال أساسي: كيف تنتهي الحرب بحيث تستعيد الدولة قدرتها على حماية مواطنيها، من دون إعادة إنتاج الشروط التي أشعلتها، ومن دون تحويل حمل السلاح وتدمير البلاد إلى مسار معتمد لحصد مكاسب سياسية؟
التمييز بين إنهاء الحرب وإعادة توزيع مكاسبها ضرورة عملية وأخلاقية. فالسلام لا يجب أن يُقاس بعدد المواقع التي يحصل عليها المتفاوضون، وإنما بما يستعيده المواطنون من حقوق وأمان، وبما تسترده المؤسسات من قدرة على أداء واجباتها.
وقد كشفت التجربة السودانية فشل معادلات قسمة السلطة التي اعتمدت على تحويل القوة المسلحة إلى استحقاق سياسي، ومنح التشكيلات المستقلة موارد ونفوذاً يتجاوزان سلطة القانون. ولذلك فإن أي تسوية تعيد تأسيس هذه المعادلة نفسها تحمل في داخلها أسباب فشلها، مهما أحاطت بها الضمانات أو حسنت النيات التي دفعت إليها.
والسودان ليس متفرداً في ذلك، فقد انهار "اتفاق لومي" 1999 الذي أوقف الحرب في سيراليون، في عام واحد، بالرغم من أنه منح فوداي سانكوح منصب نائب الرئيس ورئاسة هيئة الموارد المعدنية والإشراف على مناجم الماس مقابل وقف القتال، فيما كرّس "اتفاق الطائف" 1989 الذي مهّد لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، منظومة حكم رهينة توازنات طائفية قيّدت مؤسسات الدولة وأعاقت إصلاحها، وكذلك نظام المحاصصة في العراق بعد 2003.
وأفضى المسار الذي أرسته "اتفاقية نيفاشا" 2005 في السودان إلى انفصال الجنوب، وانهار اتفاق سلام جنوب السودان في 2015 بتجدد الحرب الأهلية مرة أخرى. في المحصلة، أفضى كل اتفاق قصير النظر حاول وقف الاقتتال بمكافأة المقاتلين بنصيب من سلطة الدولة، إلى كارثة متجددة، أكبر حجماً.

بقاء أجهزة الدولة السودانية، المدنية والعسكرية، موحدة هو ضرورة حتمية، ليس فقط لتحقيق السلام العادل، بل لترجمته إلى ما ينفع الناس والمواطنين الذين تضرروا من الحرب. فالدولة هي الإطار الذي تنتظم داخله الحقوق والواجبات، وتُدار من خلاله الخدمات والموارد، وتُحفظ فيه السجلات والممتلكات، ويُحتكم إلى مؤسساته في النزاعات.
وحين تتفكك هذه البنية كغنيمة ومكافأة على العنف السياسي، تنتقل حياة المواطنين إلى رحمة سلطات، تتفاوت فيها الحماية بحسب القدرة على الدفع أو الانتماء أو الولاء. وهنا يصبح صون المؤسسات متعلقاً بحق المجتمع في البقاء منظماً وقادراً على التعافي، وبوجود جهة عامة مسؤولة يمكن مطالبتها ومحاسبتها.
وتزداد أهمية هذا التمييز في زمن الحرب، حين يغري حجم الدمار البعض بتصوير أن البدايات الجديدة تقتضي إزالة كل ما سبقها. لكن هذه المؤسسات تحمل أيضاً خبرات العاملين وذاكرة الإدارة وروابط الخدمة العامة وقدراتها الحالية التي يحتاج إليها المجتمع من أجل التعافي.
ومن واجب الدولة حماية هذه القدرات واستعادتها، وصون حقوق المواطنين أينما كانوا، بما في ذلك المناطق الواقعة تحت سيطرة الميليشيا. فعمومية المسؤولية تجاه السودانيين جميعاً هي أحد الأسس التي تمنح الدولة مشروعيتها، وتجعل استعادة سلطتها ضرورة لحياة الناس.




