القمة الروسية الأفريقية الثالثة... طموحات اقتصادية تختبرها العقوبات والتمويل

في موسكو، تتجه الأنظار إلى أفريقيا بوصفها سوقا واعدة وميدانا للصراع على النفوذ والموارد. لكن خلف وعود الشراكة الاقتصادية، تواجه روسيا اختبارا صعبا لتحويل التقارب السياسي إلى استثمارات فعلية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
لوحة تحمل إعلان عن بالقمة الروسية- الأفريقية في شوارع موسكو، روسيا، 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026

القمة الروسية الأفريقية الثالثة... طموحات اقتصادية تختبرها العقوبات والتمويل

تعود جذور العلاقات الروسية الأفريقية إلى ما قبل الحرب الباردة، لكنها اكتسبت أبعادها السياسية والاقتصادية الأوسع مع صعود الاتحاد السوفتي ودعمه حركات الاستقلال في أفريقيا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي. آنذاك، لم تقتصر العلاقة على الدعم السياسي، بل امتدت إلى التمويل والتدريب والتعليم والتعاون العسكري، فضلا عن مشاريع البنية التحتية، مثل مساهمة موسكو في بناء السد العالي في مصر.

لكن انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 أدى إلى تراجع الحضور الروسي في القارة، قبل أن تبدأ موسكو منذ مطلع الألفية الجديدة بإعادة بناء علاقاتها مع الدول الأفريقية، مستندة إلى إرث تاريخي قائم على التعاون السياسي، وموسعةً نطاقه تدريجيا ليشمل الطاقة والتعدين والأسلحة والحبوب والأسمدة. واليوم، تسعى روسيا إلى تحويل هذا الإرث إلى شراكات اقتصادية أوسع، في وقت تبحث فيه الدول الأفريقية عن تنويع شركائها ومصادر التمويل والتكنولوجيا، وسط تنافس دولي متزايد على أسواق القارة ومواردها.

ويترقب العالم القمة الروسية الأفريقية الثالثة، المقررة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، التي تكتسب أهمية اقتصادية تتجاوز اللقاءات الديبلوماسية. فهي تأتي في مرحلة تسعى فيها روسيا إلى توسيع تجارتها واستثماراتها خارج الأسواق الغربية، فيما تحتاج الدول الأفريقية إلى التمويل والتكنولوجيا والطاقة والغذاء والبنية التحتية. كل ذلك تحت وقع حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران التي دخلت شهرها التاسع. ومن المقرر أن يركز المنتدى الاقتصادي والإنساني المصاحب للقمة على التجارة والاستثمار والطاقة النووية السلمية وأنظمة الدفع والأمن الغذائي والتحول الرقمي.

تسعى موسكو إلى تقليل اعتماد تجارتها مع أفريقيا على قنوات الدفع الغربية، عبر توسيع التسويات بالروبل والعملات الوطنية وتطوير آليات مالية بديلة

لا تُعد القمة بين الطرفين الأولى من نوعها، إنما تأتي امتدادا لمسار بدأ في سوتشي عام 2019، وتواصل في سان بطرسبرغ عام 2023، بهدف تعزيز الشراكة السياسية والاقتصادية بين الجانبين.

فقد أسفرت قمة سوتشي عن توقيع 92 اتفاقية وعقدا ومذكرة تفاهم، بقيمة إجمالية معلنة بلغت نحو 12.5 مليار دولار، فيما شهدت قمة سان بطرسبرغ عام 2023 توقيع 161 اتفاقية ووثيقة، من دون إعلان قيمتها المالية الإجمالية. أما في القمة الثالثة، فقد أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن حزمة كبيرة من الاتفاقيات الحكومية والعقود التجارية يُنتظر توقيعها، لكنها لم تحدد قيمتها المتوقعة. إنما تنعقد هذه النسخة في ظل تحديات اقتصادية وجيوسياسية متزايدة، مما يضع الطرفين أمام اختبار الانتقال من التعهدات والاتفاقيات إلى مشاريع استثمارية وتجارية ملموسة.

لماذا تكتسب القمة أهمية اقتصادية لروسيا؟

بلغ حجم التبادل التجاري بين روسيا والدول الأفريقية نحو 27.1 مليار دولار في عام 2025، وفق دراسة اقتصادية روسية استندت إلى بيانات التجارة الخارجية، فيما نقلت وكالة "ريا نوفوستي" عن مديرة معهد أفريقيا التابع لأكاديمية العلوم الروسية، إيرينا أبراموفا، تقديرا أعلى بلغ 27.7 مليار دولار للعام نفسه. وبلغت حصة الدول الأفريقية 3.9 في المئة من إجمالي التجارة الخارجية الروسية في عام 2025، وهي النسبة نفسها المسجلة في عام 2024، وفق بيانات هيئة الجمارك الفيديرالية الروسية التي نقلتها وكالة "إنترفاكس" في 10 فبراير/شباط 2026. وبلغ إجمالي التجارة الخارجية الروسية 697.3 مليار دولار في 2025، فيما بلغت الصادرات الروسية إلى أفريقيا 22.7 مليار دولار والواردات منها 4.4 مليار دولار.

أ.ف.ب
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح رئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد، على هامش فعاليات قمة " بريكس"، في نيودلهي، الهند، 12 سبتمبر/أيلول 2026

وفي سياق التبادل التجاري بين روسيا وأفريقيا تهدف موسكو إلى توسيع الأسواق وتعويض جزء من انكماش الروابط التجارية الغربية وتسعى إلى زيادة صادراتها من الحبوب والأسمدة والمنتجات الصناعية والطاقة إلى أفريقيا. بالإضافة إلى ذلك، تتيح القارة الأفريقية فتح أسواق طويلة الأجل للشركات الروسية. خاصة في مجال التعاون في الطاقة النووية والكهرباء والتعدين والبنية التحتية. ويأتي هذا الاهتمام بدلا من الاكتفاء بتصدير السلع.

بناء قنوات مالية وتجارية أقل تعرضا للعقوبات

تسعى موسكو إلى تقليل اعتماد تجارتها مع أفريقيا على قنوات الدفع الغربية، عبر توسيع التسويات بالروبل والعملات الوطنية وتطوير آليات مالية بديلة. وفي مؤشر إلى هذا التوجه، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في ديسمبر/كانون الأول 2025 إن حصة التسويات بالروبل في التجارة الروسية الأفريقية بلغت 84 في المئة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام، وفق البيانات التي عرضها.

تجاوزت قيمة صادرات المنتجات الزراعية الروسية إلى أفريقيا 7 مليارات دولار في 2024، بزيادة 19 في المئة عن العام السابق - مركز "آغروإكسبورت" الروسي

غير أن توسيع هذه الآليات لا يزال يواجه تحديات تتعلق بمحدودية البنية التحتية المصرفية، ومخاطر العقوبات الثانوية، وصعوبة تحويل بعض العملات المحلية. لذلك، فإن نجاح هذا المسار لا يتوقف على الاتفاق على عملة التسوية فحسب، بل أيضا على توفير قنوات مصرفية موثوق بها وقابلة للاستمرار لتنفيذ المدفوعات التجارية.

ماذا يمكن أن تكسب أفريقيا اقتصاديا؟

بالنسبة لأفريقيا، تسعى القارة إلى تعزيز الأمن الغذائي وتقليل مخاطر الإمدادات. تمثل الحبوب والأسمدة الروسية مدخلات أساسية لعدد من الاقتصادات الأفريقية. وقد تجاوزت قيمة صادرات المنتجات الزراعية الروسية إلى أفريقيا 7 مليارات دولار في 2024، بزيادة 19 في المئة عن العام السابق، بحسب مركز "آغروإكسبورت" (Agroexport) الروسي.

أ.ف.ب
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يفتتح أعمال النسخة الثانية من القمة الروسية- الأفريقية، في مدينة سان بطرسبورغ، 28 يوليو/تموز 2023

ولا يقتصر مجال التعاون المحتمل على توريد الحبوب والأسمدة، إنما يمتد إلى تطوير البنية التحتية الزراعية والإنتاج المحلي. فقد ناقشت شركات روسية مع شركاء أفارقة إنشاء مرافق لتخزين المنتجات الزراعية ومعالجتها، وتوسيع إنتاج الأسمدة محليا، وتعزيز توريد المعدات الزراعية. وتُظهر المباحثات مع إثيوبيا وتنزانيا أن هذه المجالات مطروحة ضمن مساعي توسيع الشراكة، وإن كانت لا تزال متفاوتة بين فرص قيد البحث ومشاريع لم يُعلن تنفيذها أو قيمتها الاستثمارية النهائية.

على صعيد الطاقة، يمتد التعاون الروسي الأفريقي إلى خطط لتطوير الطاقة النووية والبنية التحتية الكهربائية في عدد من دول القارة. ويمثل مشروع الضبعة في مصر، الذي تبلغ تكلفته التقديرية 28.75 مليار دولار، منها قرض روسي بقيمة 25 مليار دولار يغطي نحو 85 في المئة من التكلفة،  نموذجا للشراكة الطويلة الأجل، إذ يشمل بناء أربعة مفاعلات، وتوفير الوقود النووي والتدريب والخدمات الفنية.

وفي إثيوبيا، تعمل موسكو على تطوير مشروع محطة نووية بقدرة مستهدفة تصل إلى 2,400 ميغاواط، فيما أبدت النيجر اهتماما ببناء مفاعلين نوويين بقدرة إجمالية تبلغ 2,000 ميغاواط. أما في رواندا، فيشمل التعاون تطوير مركز للعلوم والتكنولوجيا النووية ومفاعل بحثي لأغراض علمية وصناعية.

تمثل الموارد الأفريقية من المعادن والنفط والغاز فرصة للتعاون مع الشركات الروسية، لكن تعظيم المكاسب يتطلب تجاوز الاستخراج إلى المعالجة والتصنيع محليا، بما يخلق وظائف ويزيد الإيرادات ويعزز سلاسل التوريد

وفي المقابل، لا تزال مشاريع أخرى، من بينها مشروعات نووية في تنزانيا  ومشروعان في مالي يشملان مشروعا لاستكشاف الليثيوم في مكمن بوغولا، بدأت أعماله في أبريل/نيسان 2025 تمهيدا لإنشاء منجم ومصنع لمعالجة الخام، ومشروعا لمحطة سانانكوروبي للطاقة الشمسية، أعدّت "روساتوم" الروسية دراسة جدواها، فيما يجري التفاوض على شروط التنفيذ. ولم تُعلن قيمة استثمارية نهائية للمشروعين. مع ذلك، لا تزال هذه المشاريع في مراحل متفاوتة من التخطيط والتفاوض، ولم تُعلن تكاليفها النهائية أو مصادر تمويلها بالكامل، مما يجعلها مؤشرا إلى فرص التوسع المحتملة أكثر من كونها استثمارات منفذة بالفعل.

وتكمن القيمة الاقتصادية الكبرى بالنسبة للدول الأفريقية في المشاريع التي توسع القدرة الإنتاجية وتخفض تكلفة الطاقة وتخلق وظائف، لا في شراء المعدات وحده.

ماذا عن الانتقال من تصدير المواد الخام إلى التصنيع؟

تمتلك دول أفريقية موارد كبيرة من المعادن والنفط والغاز، مما يتيح مجالا للتعاون مع الشركات الروسية في الاستخراج والطاقة والصناعات المرتبطة بهما. غير أن المكاسب الاقتصادية الأوسع تتحقق عندما يمتد التعاون إلى معالجة الموارد وتصنيعها محليا، بما يخلق وظائف ويعزز الإيرادات المحلية ويطور سلاسل التوريد. ففي مالي، بدأت في يونيو/حزيران 2025 أعمال بناء مصفاة للذهب بطاقة تصميمية تبلغ 200 طن سنويا، بمشاركة مجموعة روسية وشركة سويسرية، مع احتفاظ الدولة بحصة مسيطرة. كما تخطط "روساتوم" لتطوير منجم ومصنع لمعالجة الليثيوم في بوغولا، مع استهداف بدء البناء في 2028.

أ.ف.ب
عمال تعدين حرفيين يعملون في منجم شابارا الحرفي بالقرب من مدينة كولويزي، جمهوية الكونغو الديمقراطية، 12 أكتوبر/تشرين الأول 2022

أما في أنغولا، فقد أورد تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) أن شركة "يورالكيم" المرتبطة بروسيا ومجموعة "أوبايا" الأنغولية وقّعتا مذكرة تفاهم لإنشاء مصنع لليوريا بقيمة معلنة بلغت مليار دولار. ويُظهر المثال نوع المشاريع التي يمكن أن تربط الموارد والمنتجات الزراعية بالتصنيع المحلي، لكن مذكرة التفاهم وحدها لا تثبت أن المصنع بُني أو أن الاستثمار نُفذ بالكامل. وتوضح هذه المشاريع فرص الانتقال من تصدير المواد الخام إلى المعالجة المحلية، وإن كان أثرها النهائي سيعتمد على التنفيذ والتمويل وحجم القيمة المضافة التي ستبقى داخل الاقتصاد المالي.

وفي مجال البرمجيات والبنية التحتية الرقمية والتكنولوجيا الزراعية، أجرت شركة روسية مسحا جويا لنحو 8,000 هكتار من الأراضي الزراعية في أنغولا عام 2018، باستخدام تقنيات التصوير الجوي، كما نفذت أعمالا لدراسة التعرية الزراعية، بينما وقّعت شركة روسية أخرى اتفاقا لتوفير مليون ترخيص برمجي تعليمي في الكاميرون عام 2020 على مدى عشر سنوات. كما شاركت شركة روسية في تطوير نظام المدفوعات الوطني في جمهورية الكونغو الديمقراطية عام 2021.

تواجه القمة الروسية الأفريقية الثالثة تحديا أساسيا يتمثل في تحويل التقارب السياسي إلى شراكات اقتصادية قابلة للتنفيذ، في ظل العقوبات الغربية التي تعرقل توسع الاستثمارات الروسية وتزيد صعوبات التمويل والتحويلات المصرفية

مما لا شك فيه أن الدول الأفريقية تسعى إلى تنويع شركائها الاقتصاديين وعدم الاعتماد على دولة واحدة في تمويل مشاريعها أو توفير التكنولوجيا، وهو ما يمنح روسيا فرصة لتوسيع حضورها في قطاعات الطاقة والزراعة والتعدين. لكن حجم الاستثمارات القائمة يوضح أن روسيا ليست من كبار المستثمرين في القارة مقارنة بالشركاء الغربيين، إذ بلغ رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة للاتحاد الأوروبي في أفريقيا نحو 270.7 مليار دولار بنهاية 2024، مقابل 47.5 مليار دولار للولايات المتحدة و43.8 مليار دولار للصين، وفق بيانات معهد الشؤون الدولية والأمنية الألماني.

وفي عام 2025، استقطبت القارة نحو 70 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الجديدة، بحسب "الأونكتاد". وفي هذا السياق، يمثل التعاون مع روسيا فرصة إضافية أمام الحكومات الأفريقية للحصول على التمويل والتكنولوجيا والخبرات في قطاعات محددة، فيما يتوقف حجم المكاسب على شروط العقود، ونقل التكنولوجيا، وقدرة المشاريع على خلق وظائف وتعزيز الإنتاج المحلي، مع استمرار الشراكات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين ودول الخليج.

التحدي الأكبر هو تنفيذ الاتفاقيات

تواجه القمة الروسية الأفريقية الثالثة تحديا أساسيا يتمثل في تحويل التقارب السياسي إلى شراكات اقتصادية قابلة للتنفيذ، في ظل العقوبات الغربية التي تعرقل توسع الاستثمارات الروسية وتزيد صعوبات التمويل والتحويلات المصرفية، فيما لا تزال المبادلات التجارية تتركز في قطاعات مثل الحبوب والأسمدة والطاقة والمواد الخام، بدلا من بناء قاعدة صناعية مشتركة أوسع.

رويترز
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، يتحدث في مؤتمر صحفي بجانب وزراء خارجية دول اتحاد الساحل، في موسكو، روسيا، 3 أبريل/نيسان 2025

ويشير تحليل المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية إلى أن العقوبات حدّت من توسع استثمارات الشركات الروسية في أفريقيا، وأدت إلى انسحاب بعض الشركات من مشاريع أو تقليص عملياتها وطموحاتها الاستثمارية.

ويضاف إلى ذلك اشتداد المنافسة مع الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على الأسواق والموارد الاستراتيجية، فضلا عن صعوبة إنشاء آليات دفع بديلة للدولار واليورو قادرة على تجاوز العقبات المصرفية ومخاطر الامتثال للعقوبات.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة "الأهرام أونلاين" قبيل القمة، فإن الاختبار الأهم يتمثل في الانتقال من التعهدات والاتفاقيات العامة إلى استثمارات منفذة وشراكات صناعية وتقنية مستدامة؛ وهو ما يجعل نجاح القمة مرهونا ليس بعدد الاتفاقيات المعلنة فحسب، بل بقدرتها على توفير التمويل، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز التصنيع المحلي والقيمة المضافة داخل الدول الأفريقية.

font change