عدت إلى الضفة الغربية ورأيت كيف صارت الأبقار آخر صيحات الاستيطان

هكذا تتوسع ما تسمى "المستوطنات الرعوية"

REUTERS/Mohamad Torokman
REUTERS/Mohamad Torokman
راعٍ فلسطيني يقود مواشيه في منطقة الأغوار قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة، 29 أغسطس 2022

عدت إلى الضفة الغربية ورأيت كيف صارت الأبقار آخر صيحات الاستيطان

تكاد الطريق من أريحا إلى رام الله تختصر الحالة الفلسطينية الراهنة. بعد غياب قرابة عامين عدت إلى الضفة الغربية زائرا لقضاء بعض الوقت في ما أسماه أحمد دحبور "المتاح من أرض الوطن"، وكان حلمي العودة إلى غزة التي خرجت منها خلال الحرب بعدما أمضيت قرابة ثلاثة أشهر برفقة ابني ياسر عرفات، لكن العودة تبدو مستحيلة في ظل الظروف الراهنة.

اتصلت بأكثر من صديق مستفسرا عن إمكان أن أعود الى غزة. صديقي في سفارة فلسطين في القاهرة قال إن الناس تسجل اسمها وتنتظر التنسيق اللازم الذي قد يستغرق سبعة أشهر أو سنة ربما، دون وجود ضمان بأنهم سيتمكنون من العودة الى هناك. منذ فترة تسمح قوات الاحتلال بعودة بضع عشرات من المرضى ومرافقيهم الذين خرجوا خلال الحرب لتلقي العلاج. عموما، سفر الفلسطيني إلى فلسطين ليس قرارا ذاتيا. لا يستيقظ الفلسطيني من النوم ويقول لنفسه سأعود اليوم الى فلسطين، ولا يمكن أن يتصل بك أبوك ويقول لك "اشتقت لك يا بني" فترد عليه بأنك ستزوره على متن أقرب طائرة. هذا أمر لا يحدث في فلسطين.

الحياة حواجز

في سنوات مضت كانت الطريق من بيتي في جباليا حتى المعبر الحدودي مع مصر تستغرق نهارا كاملا، وفي مرات تستغرق نهارين لكثرة الحواجز ولطول فترات الانتظار عند حاجز الشهداء جنوب مدينة غزة، أو حاجز المطاحن، أو حاجز محفوظة، أو الحاجز العسكري قرب مستوطنه "موراج". الحياة حواجز. ورغم أن الحديث يدور حول مسافة لا تزيد على أربعين كيلومترا بين بيتي والمعبر الحدودي، إلا أنني في مرات كثيرة كنت أذهب قبل موعد سفري بيوم للمبيت عند الأصدقاء في خانيونس أو رفح من أجل تقصير المسافة في اليوم التالي. قصة السفر قصة من كتاب العذاب الفلسطيني الذي لا ينتهي.

لا يمكن أن يتصل بك أبوك ويقول لك "اشتقت لك يا بني" فترد عليه بأنك ستزوره على متن أقرب طائرة. هذا أمر لا يحدث في فلسطين

في حين كان الفلسطينيون قبل تسعين سنة يسافرون من مطار فلسطيني، فإن أحفادهم لا مطار لهم. ورغم وجود المطارات سابقا في فلسطين من مطار اللد الذي هبط فيه الجواهري وأنشد عن رحلته في الطائرة الى يافا قصيدته الرائعة "بيافا يوم حُط بها الركاب" (والركاب هو الطائرة هنا) وصولا الى مطار غزة الذي دمرته إسرائيل عام 2001، وفيما كان خط السكة الحديد في فلسطين الشريان الذي يربط بلاد الشام بمصر ويربطها ببلاد الحجاز (سكة الحجاز) وكانت محطة القطار في يافا أهم محطات القطار العربية، فإن الفلسطيني الآن لا يعرف شكل سكة القطار. لا شيء يصل مباشرة إلى فلسطين، فإذا أردت السفر من غزة فعليك السفر إلى القاهرة، ومن هناك تحملك الطائرة الى أي مكان في العالم. وإذا أردت السفر من الضفة الغربية فعليك السفر الى عمان، ومن هناك إلي حيث شئت.

وعليه، وصلت الى عمان من ميلانو، وبت ليلة في الفندق ثم توجهت إلى الجسر الذي يمر عبر نهر الأردن ويفصل ضفتيه إلى شرقية (الأردن) وغربية، واسم الضفة الغربية لم يكن متداولا قبل النكبة بل كان تأطيرا لمخرجات النكبة ذاتها، مثلما استخدمت كلمة "قطاع" ليصبح اسم الشريط الساحلي المتبقي من بحر فلسطين، "قطاع غزة".

ورغم أن الرحلة تستغرق وقتا للوصول إلى تخوم البلاد من خلال السفر إلى مطار عمان ثم السفر برا قرابة ساعة إلى الجسر، إلا أن الوقت الأكبر من رحلتك ستستغرقه في التنقل بين ثلاث نقاط حدودية حيث تفصل النقطة الإسرائيلية بين النقطتين الفلسطينية والأردنية، كما ستستغرق وقتا أطول وأنت تقطع الطريق نحو وجهتك في الضفة الغربية.  

أخبرني صديقي منير أن والدته البالغة من العمر 75 عاما ممنوعة من السفر عبر الجسر، والسبب أنها كانت تزور أخاها في السجن. والمرأة التي تسكنها الأوجاع والامراض تريد ان تذهب إلى عمان لزيارة أختها في ما يشبه وداع رحلة العمر. في المرة الأخيرة التي حاولت فيها عبور الجسر، وبعدما أبلغ ضابط الأمن الإسرائيلي منير بالرفض مجددا، أكل القلق وجهها، إذ شعرت أنها قد تغادر الحياة دون أن ترى أختها. حكاية أخرى من حكايات الوجع الفلسطيني. قال منير للضابط إن "والدتي تزور أخاها وهو مسجون عندكم في السجن وكان يمكنكم أن تمنعوها من زيارته. أنتم من سمحتم لها بذلك". عادت المرأة إلى قرية بيتا قرب نابلس حيث تنتظر فرصة أخرى.

REUTERS/Mussa Qawasma
علم إسرائيلي يرفرف بجانب الطريق رقم 60 قرب الخليل في الضفة الغربية المحتلة، 7 مايو 2026

البقرات أهم منا

سائق سيارة الأجرة أبو علي لم يتوقف عن الحديث طوال الرحلة من الجسر إلى رام الله. كما كانت تقول أمي "بالع راديو". تعامل معي كأنني سائح أجنبي يريد إخباره بكل شيء عن معاناة الفلسطينيين في الضفة الغربية، وعن المصاعب الجمة التي يعيشونها وهم يتنقلون بين المدن والمحافظات المختلفة. بالطبع، أبو علي يعرف أنني فلسطيني على الأقل من جواز سفري الذي كنت لا أزال أحمله بيدي وأنا اتفاوض معه حول الرحلة قبل أن أفتح باب السيارة وأركب. ومع ذلك استمتعت بكل ما قدمه لي من معلومات، بدا جزء كبير منها جديدا بالنسبة إلي، خاصة بعد قرابة عامين من الغياب. الغائب يبدو غريبا مهما قصرت مدة غيابه. دون أن يقصد، كان أبو علي يحدث معلوماتي عن الأوضاع في البلاد التي غابت عني خلال فترة غيابي.

حين اجتزنا البقرات، وفي ما يبدو رغبة منه لإغلاق حديثنا عنها قال: "ما علينا، البقرات أهم منا"

أشرت إلى زجاج السيارة الخلفي ودون أن أسأل أخبرني كيف هجمت عليه مجموعة من المستوطنين وهو يقود سيارته في طريقه الى الجسر من جهة وادي موسى ورشقوه بالحجارة. لحسن حظه كان وحيدا وهشمت الحجارة الزجاج الخلفي. "تخيل لو كان معي ركّاب لأصابتهم الحجارة في رؤوسهم". التفت نحوي يسألني اذا كنت أمانع أن يدخن سيكارة. اشرت له أن يفتح النافذة.

بعدما اجتزنا حاجر الارتباط الذي لحسن حظنا لم يكن مكتظا، وبدأنا الطريق الملتوية التي ستقودنا حيث نبدأ بالصعود من قعر وادي غور الأردن نحو مرتفعات رام الله، أشار نحو عشرات الأبقار جهة اليسار وهو يقول إن علينا أن نخفف السرعة حتى لا ندهس بقرة منها إن قررت قطع الطريق. وأضاف بسخرية "الطريق لها وليست لنا... الأولوية للبقر". وضحك إذ عجبته الفكرة، فالبقر بالطبع هم المستوطنون أصحاب القطيع.

Zain JAAFAR / AFP
أبقار يملكها مستوطنون إسرائيليون ترعى على أطراف قرية الطيبة الفلسطينية المسيحية، شمال شرق رام الله في الضفة الغربية المحتلة، 28 يوليو 2025

حين تعبر البقرات من جهة نحو الأخرى تقف كل السيارات على الجانبين تنتظر حتى ينتهي عبورها. تأففت وأنا أقول لأبي علي إن مشهد البقرات تلك جديد فلم يكن الأمر كذلك حين غادرت قبل عشرين شهرا، ثم إن هذا شارع مهم يربط معظم مناطق الضفة الغربية ببوابة السفر الوحيدة المتاحة لهم. ابتسم وهو يفرك أعقاب سيكارته في منفضة السيارة وقال "أعرف ولكن بقرات المستوطن لا تعرف". صمت وقال "تخيل ثمانين أو تسعين بقرة تتحكم بحياة كل المسافرين".

بالنسبة لأبي علي بات الأمر روتينا، عليه أن يقلل سرعته ويقود بهدوء حتى لا تباغته بقرة رغبت باللحاق بالبقرات الأخريات التي ترعى في الحقل المقابل، بل إنه سيعترف أنه يحفظها عن ظهر قلب. تذكرت الصديقة الإيطالية التي كانت تربي الحمير في مزرعة في أحد جبال توسكانيا وكانت تعطي كل حمار اسما تناديه به، وكانت تستطيع تمييز الحمير العشرين التي تملكها وتنادي كلاً باسمه أو اسمها. لكن صديقتي كانت تربي عشرين حمارا وتحفظ أسماءها، أما أبو علي فيستطيع تمييز ثمانين بقرة. ظننت أنه يبالغ في الأمر، ولكن في مثل هذه الظروف ليست المبالغة إلا تعبيرا عن موقف، وهو ربما يريد أن يقول لي إنه لكثرة مروره وتوقفه حتى تعبر البقرات الطريق بات يحفظها بالكامل. تخيلته يوقف سيارته ويترجل ويقف قبالة البقرات ويحصيها بقرة بقرة. حين اجتزنا البقرات، وفي ما يبدو رغبة منه لإغلاق حديثنا عنها قال: "ما علينا، البقرات أهم منا".

 ILIA YEFIMOVICH / AFP
بقرة داخل حظيرة في مزرعة يديرها مستوطنون إسرائيليون قرب بلدة دوما الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، 13 أكتوبر 2026

الكرافان الذي صار مستوطنة

أما في خصوص المستوطن صاحب البقرات فقد بدأ التهامه للأراضي الفلسطينية بوضع "كرافان" صغير على يمين الطريق، وهو كرافان أتذكر أنني رأيته في السنوات الأخيرة. لكن مع الوقت تحول الكرافان إلى "مستوطنة رعوية"، وهو مصطلح جديد يشير إلى تلك المستوطنات المكونة من مزارع حيوانات من أبقار وخراف، عادة ما يسرقها المستوطنون من مزارع الفلسطينيين ويسوقونها نحو حظائرهم الجديدة.

بدأ الأمر ببضع بقرات ثم ازداد العدد، والبقرات القليلة التي كانت في البداية قرب الكرافان صارت تجول التلال والوديان المجاورة. وحيث حلت تصبح تلك الأراضي مراعي لها. كان بن غوريون يقول "أرض إسرائيل تنتهي حيث يضع آخر جندي إسرائيلي قدمه"، والآن يصح القول أرض إسرائيل تنتهي حيث تضع آخر بقرة من بقرات المستوطن قوائمها.

الأمر يبدأ بوضع كرافان واحد ثم اثنين ثم ثلاثة ثم تسيج المنطقة ثم تبدأ الجرافات بشق طريق تربط الكرافانات بأقرب متسوطنة قائمة، حتى لو اقتضى الأمر مصادرة أراضي قرية كاملة

في المساء يمكن مشاهدة المستوطن على صهوة جواده الذي سرقه أيضا من أحد الاصطبلات الفلسطينية، يدفع أبقاره نحو الحظيرة. يبدو المشهد للمار أقرب إلى مقطع من أفلام الغرب الأميركي، وبالطبع يعيد ذكرى سرقة أرض السكان الأصليين في العالم الجديد من أصحابها مثلما يحدث هنا في بلادنا. قصة أبقار المستوطن تختصر كل الوضع في الضفة الغربية.

لقد حولت تلك الأبقار حياة المسافرين إلى جحيم، مثلما تسعى إسرائيل لتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم وتدفعهم للهجرة وترك البلاد. أبقار المستوطن تقوم بدورها في هذا المخطط.

أبو علي راوٍ جيد. وجود الحكايات يولّد الرواة ويخلق الحكائين. أشار الى حقل من الزيتون جهة اليمين. الأشجار قصيرة لا يزيد ارتفاعها على متر، تبدو صغيرة لكن، ورغم أن الوقت في أواخر الخريف، إلا أنها كانت جرداء. صاحب الحقل يعيش في بيت ريفي معزول في طرف الجبل، كل مرة يقوم فيها بزراعة حقله بالزيتون يقوم المستوطن بإطلاق بقراته عليه حتى تأكل أوراق الأشجار وأغصانها. لم ينم الشجر في الحقل أبدا.

REUTERS/Darren Whiteside
فلسطيني من تجمع الحديدية الرعوي في الأغوار يرعى مواشيه قرب مستوطنة روعي الإسرائيلية، 12 سبتمبر 2011

لا أحد ينتبه لما يجري هنا. ثمة عمليات تطهير وترحيل، مثل تلك التي تجري في غزة، ولكن بطرق مختلفة. ومع ذلك فهي تقود إلى نتيجة واحدة: لا وجود للعرب هنا. من فترة الى أخرى كان أبو علي يشير إلى الكرافانات على جانبي الطريق ويقول إن عملية المصادرة تتم بشكل شبه يومي. كل منطقة فيها كرافانات هي منطقة مصادرة. كل منطقة يوضع حولها سياج هي منطقة مصادرة. يقول إن الأمر يبدأ بوضع كرافان واحد ثم اثنين ثم ثلاثة ثم تسيج المنطقة ثم تبدأ الجرافات بشق طريق تربط الكرافانات بأقرب متسوطنة قائمة، حتى لو اقتضى الأمر مصادرة أراضي قرية كاملة، فطالما وضع مستوطن كرافانه فعلى الجيش أن يوفر له الحماية ويمد له كل أسباب الراحة. بالطبع الكرافانات تتحول بعد أشهر الى بيوت والبيوت الى مستوطنة، وهكذا.

حظائر وجرافات

في ما مضى كان الطريقان من الطيرة، وهي آخر قرى شرق رام الله، وحتى مدخل مدينة أريحا كذلك الطريق بين القدس والخليل وأريحا، تمتلئان على جانبيهما بالتجمعات البدوية حيث يقيم البدو بيوتهم شبه الدائمة من الصفيح والقماش، كل بيت بجواره حظائره، وثمة خزان مياه كبير مثل بئر فوق الأرض. كان هذا منظرا مألوفا. فتلك المناطق رغم أنها جبلية إلا أنها تشكل امتدادا لصحراء البحر الميت.

الآن تم ترحيل كل هذه التجمعات، ويسهل حين تمر أن تراها خاوية على عروشها. كان قطعان المستوطنين محروسة بالجيش، يغيرون على هذه التجمعات ويحرقونها ويسرقون الماشية ويقتلون كل من يحاول الاحتجاج على هذه الأفعال الإجرامية. بعد ذلك هدم الجيش بالجرافات هذه البيوت والخيام على ساكنيها حتى لم يبق منها خيمة ولا حظيرة. تشكل هذه المنطقة ثلاثين في المائة من مساحة الضفة الغربية. ابتلعت كلها. منظر المستوطنين وهم يسوقون الأغنام من حظائر الفلسطينيين في القرى بات مـشهدا شائعا، وحين يسرق مستوطن خروفا فلسطينيا تتحرك عشرات الآليات العسكرية لحماية عملية السرقة تلك. وعادة ما ينتج من عمليات السطو تلك قتل مواطنين أو إحراق البيوت عليهم. وفي مرات، وحين تفشل عملية سرقة الحيوانات، يشعل المستوطنون الحرائق بالحظائر ويقتلون الحيوانات بالنار أو بالاختناق.

المستوطنات تتمدد والوجود الفلسطيني ينكمش. وللانتقال من سجن الى آخر، أي من قرية الى أخرى، لزيارة أختك مثلاً أو بيت خطيبتك، عليك أن تسلك طرقا وعرة وصعبة وخطرة

كأن أبا علي انتبه فجأة الى لهجتي فسألني ونحن نقترب من رام الله "من وين انت؟"؛ السؤال النموذجي في مثل تلك السياقات. قلت إنني أعيش في غزة. قال إنه عرف أنني غريب، ثم استدرك "البلد بلدك" ثم أخبرني أن الجيش اعتقل الليلة الماضية مجموعة من العمال من غزة الذين كانوا يعملون في مزارع البلح في العوجا.

كنت أقول لأصدقائي الأوروبيين حين يسألونني عن الحياة في غزة، إنها تشبه أن تعيش داخل نشرة الأخبار، أنت الخبر. أو أن تعيش في سجن، ولا يهم إذا كان السجن بمساحة متر مربع أو بمساحة ثلاثمائة متر مربع. قلت لأبي علي إن الضفة الغربية تتحول إلى سجون، كل قرية توضع بوابة على مدخلها وسلك شائك حولها وتتحول إلى سجن في حجم قرية.

REUTERS/Raneen Sawafta
فلسطيني بين أبقاره في خربة عين الحلوة بالأغوار الشمالية في الضفة الغربية المحتلة، 7 يوليو 2022

المستوطنات تتمدد والقرى الفلسطينية والوجود الفلسطيني ينكمش. وللانتقال من سجن الى آخر، أي من قرية الى أخرى، لزيارة أختك مثلاً أو بيت خطيبتك، عليك أن تسلك طرقا وعرة وصعبة وخطرة، والمسافة التي كان يمكن قطعها في خمس عشرة دقيقة، قبل ذلك، صار يستغرق قطعها ساعتين بسبب طرق المستوطنات وشبكات مرورهم. حاول مثلا الوصول من برقة شرق رام الله إلى رام الله. قبل ذلك كان الأمر لا يستغرق سبع دقائق بالسيارة، الآن عليك أن تسلك الطريق نحو دير دبوان ثم عبر عين يبرد وبيتين لتدخل رام الله من جهة الشمال.

قبل ثلاثين سنة، أمضيت ليلة في برقة حين كنت أدرس في جامعة بيرزيت، حيث زرنا زميلا لنا في الدراسة. كانت الطريق تستغرق من بلدة بيرزيت إلى هناك أقل من 20 دقيقة. الآن تبدو هذه الزيارات الطالبية مستحيلة. أشار أبو علي الى الكرافانات حول القرية التي بدت تختنق وقال إن القصد من هذه الكرافانات هو ابتلاع كل الأراضي بين برقة ودير دبوان.

جزر في بحر الاستيطان

تظهر الصورة البانورامية القرى الفلسطينية جزرا معزولة في بحر استيطاني سرطاني. كل قرية مخنوقة بطرق التفافية وبأسلاك وبجزء من جدار الفصل العنصري وببوابات صفراء مثل الخط الأصفر الذي يلتهم غزة. أما وصول المزارعين الى قراهم فهذا بات يغدو أكثر تعقيدا، يوما بعد يوم. وفي مرات كثيرة باتوا في حاجة لتصاريح خاصة تسمح لهم بالوصول الى مزارعهم وحقولهم، وفي مناطق كثيرة يعزل المزارعون عن مزارعهم فتفقد مع الوقت الأرض الزراعية أهميتها، ومع عدم العناية المستمرة لا تعود أرضا زراعية من الأساس.

مثلا الرحلة من رام الله إلى الخليل كانت تستغرق عادة من ساعة (إذا مررت عبر القدس) أو ساعتين، الآن يمكن أن تقضي نهارك كله تنتظر على الحواجز محاولا الوصول الى وجهتك. تخيل لو أن فلسطينيا من جنين لديه مقابلة عمل في رام الله، فربما وجب عليه أن يتوجه الى هناك قبل يوم لأنه لا يأمن الطريق، فقد يفوته موعد المقابلة وهو ينتظر على الحواجز. السفر بالنسبة إلى الفلسطيني مجازفة غير مأمونة العواقب.

على طول الطريق الفرعية التي ستوصلنا إلى رام الله بعدما قطعنا الطريق العامة التي تربط القدس بنابلس ونطلق عليها "الطريق الجديد" وهي طريق استيطانية، وضع الجيش نجمة سداسية كبيرة فوق حامل على جانب الطريق. كما امتلأت الطريق بأعلام إسرائيل ترفرف على الجانبين، حيث يوجد علم عند كل متر تقريبا. الغرباء يريدوننا أن نتذكر أنهم موجودون. هوس حد الجنون يقتلهم وإحساس قاهر بأنهم غرباء، أما نحن فكما يقول سيد مكاوي "الأرض بتتكلم عربي". 

امتلأت الطريق بأعلام إسرائيل ترفرف على جانبيها، حيث يوجد علم عند كل متر تقريبا. الغرباء يريدوننا أن نتذكر أنهم موجودون

وصلنا حاجز "بيت إيل". لحسن حظنا كان الحاجز مفتوحا للداخلين إلى رام الله ومغلقا للخارجين منها. عددت ثلاثا وعشرين سيارة تنتظر في الجانب الآخر. تقع قرية بيتين على يمين الحاجز، مسافة دقيقتين في السيارة، ولكن تخيل لو كنا نريد أن نذهب الى هناكـ لوجب علينا أن نعبر رام الله ثم نمر عبر مخيم الجلزون ومن ثم قرية دورا القرع حتى نصل الى بيتين من الجهة الأخرى. رحلة ستستغرق ثلاثين دقيقة.

نزلت من السيارة في مقهى قرب حسبة رام الله حيث كان ينتظرني صديقي محمد أبو قايدة الذي لم يتمكن من العودة الى غزة، إذ كان في زيارة مجاملة للخليل لحضور حفل نجل صديقه يوم الجمعة السادس من أكتوبر، وكان من المفترض أن يغادر الأحد، فاندلعت الحرب يوم السبت. هكذا يمضي محمد عامه الثالث وحيدا في رام الله بعيدا عن عائلته في غزة. قال بألم إن مزارع الفراولة التي كان يملكها جرفت وصارت خلف الخط الأصفر. كانت مزارعه تلك تصدر الكمية الكبرى من الفراولة من غزة الى الضفة الغربية. لم يضع حبة فراولة واحدة في فمه منذ الحرب. لا يريد أن يأكل فراولة الآخرين.     

font change