10 سنوات على رحيل إدوار الخراط ... نورس وحيد على صخرة التجريب

بدأ بالشعر قبل أن يجد نفسه في القصة والرواية

الروائي والقاص الراحل إدوار الخراط

10 سنوات على رحيل إدوار الخراط ... نورس وحيد على صخرة التجريب

في مارس/ آذار 1926 ولد الكاتب المصري إدوار الخراط، عمل والده بالتجارة ورحل في وقت مبكر عام 1943 مما دفع إدوار للعمل لكي يعيل أسرته، وكان ذلك أثناء دراسته في كلية الحقوق التي التحق بها استجابة لرغبة والده، وبينما كان يقضي أكثر وقته في كلية الآداب لشغفه بعالم الشعر والأدب، تنقل بين عدد من الأعمال في مخازن البحرية البريطانية ثم في البنك الأهلي ثم شركة التأمين، وانتمى في وقت مبكر إلى عدد من التنظيمات اليسارية في الإسكندرية التي انتقل إليها والده من الصعيد، مما تسبب في اعتقاله قبل ثورة 1952.

انتقل الخراط إلى القاهرة بعد الثورة وعمل في "منظمة التضامن الأفريقي الآسيوي"، وكانت فرصة لكي يتعرف الى عدد من القادة والمفكرين والزعماء مثل لومومبا وأنديرا غاندي وسيكوتوري وغيرهم، ثم سعى إلى تأسيس مجلة تضم اتحاد الكتاب الأريقيين والآسيويين، لكنها لم تستمر طويلا. كما كان من مؤسسي البرنامج الثقافي في الإذاعة المصرية، وشارك في إصدار مجلة "غاليري 68" كاحتجاج ثقافي وفني على هزيمة 1967 وجمعت عددا من المفكرين والمثقفين والكتاب الذين تبنوا كتابة واقعية مغايرة للأنماط السائدة وعدت رمزا للحركة الطليعية المصرية في ذلك الوقت.

من الشعر إلى القصة القصيرة

كان لعمل إدوار الخراط في الجمعيات الثقافية دور كبير في اهتمامه بالأدب وبداية عمله بالترجمة، فترجم لعدد من الأدباء والمفكرين مثل تولستوي وتشيخوف وكامو، أما كتابته الأدبية فبدأها منذ وقت مبكر مع الشعر، حيث يشير في أكثر من لقاء إلى أنه كتب الشعر الموزون المقفى، لكنه اكتشف أن ذلك النمط من الكتابة لا يلبي احتياجاته، فمزق أوراقه القديمة، واتجه إلى كتابة القصة القصيرة، وكانت مجموعته الأولى "حيطان عالية" التي أصدرها على نفقته الخاصة عام 1959 بمثابة إعلان تمرد على الكتابة التقليدية الشائعة في ذلك الوقت. كتب عنها عدد من النقاد منهم محمد مندور واعتبره يحيى حقي "بشارة وتأكيد لمولد كاتب موهوب يحتل مكانه في الحياة الثقافية"، وأشار نجيب محفوظ إلى أن كتابته "مغامرة من مغامرات الأدب الحديث" .

ولكن بدا أن الخراط لم يجد بغيته في القصة القصيرة، بل ورغم حصوله على جائزة الدولة عن مجموعة "ساعات الكبرياء" عام 1972 توقف لفترة عن الكتابة حتى صدرت روايته الأولى "رامة والتنين" عام 1980 لتمثل حدثا أدبيا فريدا من جديد، حيث اعتبرها العديد من النقاد رواية مكتوبة بأسلوب جديد مغامر يفرض نفسه على القارئ. استطاع الخراط أن يجمع في روايته بين تفاصيل الحياة ومشكلاتها اليومية البسيطة، وبين الإطار الغرائبي أو الأسطوري الذي يتحرك فيه، حيث نجد بطل الرواية يسعى لتجاوز صعوبات الحياة لكي يفوز بقبل رامة حبيبته، وهو إذ يفعل ذلك فكأنما يواجه "التنين" كما في الحكايات القديمة الأسطورية.

كانت مجموعته الأولى "حيطان عالية" التي أصدرها على نفقته الخاصة عام 1959 بمثابة إعلان تمرد على الكتابة التقليدية الشائعة

وإذا توقفنا عند "رامة والتنين" كنموذج لكتابة الخراط الروائية، وهي التي استثمر جهده وأفكاره فيها بعد ذلك في روايتين يكمل بهما مشروع الثلاثية، "الزمن الآخر" ثم "يقين العطش"، نجد لديه عددا من السمات الأسلوبية الثابتة، لعل أهمها استخدام تقنية "تيار الوعي" للتعبير عن نفسيات أبطال عمله، والتعبير عن عدد من المشكلات المجتمعية المؤرقة مثل ارتباط المسيحي ميخائيل بحبيبته المسلمة دون أن تتحول الرواية إلى الدرامية أو الخطابية الزاعقة، بل على العكس جاء خطاب الرواية شعريا بامتياز، قادرا على التعبير عن مشكلات أبطاله بصدق وشفافية، كما تحولت من النقاش المجتمعي إلى الأفكار الوجودية الكبرى وعلاقة الإنسان بالكون والعالم والإله سواء في الديانات أو الأفكار الفلسفية، كما أضاف حضور الأسطورة بعدا آخر للرواية، استمر مع الخراط في الرواية التالية "الزمن الآخر"، الذي يواصل فيها رحلته مع بطليه رامة وميخائيل، ولكن بأبعاد أخرى حيث نجد لديه حديثا عن "شجرة المعرفة" وتمثيل قصة الخلق في تلك العلاقة التي تبدو أول علاقة على الأرض لكونهما في زمان آخر، ويواصل الخراط فك وتركيب عالمه حتى يصل بهما إلى الرواية الثالثة، "يقين العطش" التي يعود فيها إلى علاقة البطل بواقعه وعالمه ومجتمعه ومعاناته من ظروف القمع والقهر السياسي.

غلاف رواية "رامة والتنين"

لا تقتصر روايات الخراط على عرض وطرح عدد من الأفكار المجتمعية، بل نجد في تفاصيلها ولعه الخاص بالحياة والأماكن. فهو يتوقف طويلا ليصف شوارع القاهرة وحاراتها، وكأن البطل يستعرض من خلالها ما يمتاز به المكان من مزيج بين حضارات وثقافات مختلفة، إسلامية وقبطية ورومانية وغيرها. كما نجد على المستوى اللغوي تنقله في مستويات مختلفة من لغة شاعرية في ما يخص علاقة ميخائيل وحبيبته، إلى لغة تقريرية، فإلى حوار يبدو مسرحيا أحيانا في بعض التفاصيل. وهو في كل ذلك يسعى لأن يعبر عن ثقافة خاصة، كأنما يمهد لما سيبشر به في ما بعد، سواء بالكتابة أو التنظير لما عرف بـ"الكتابة عبر النوعية".

ظهرت سمات أو ملامح الكتابة عبر النوعية عند الخراط، التي يقصد بها تحرر الكاتب من النوع الأدبي وتداخل الشعر مع السرد والحوار مع تصوير المشهد، بالإضافة إلى عرض الحوار المسرحي جنبا إلى جنب مع المشهدية السينمائية والإيقاع الشعري. وكان من ذلك عدد من إصداراته التالية مثل "أمواج الليالي" و"اختناقات العشق والصباح" و"اختراقات الهوى والتهلكة" التي كتب عليها أنها نزوات روائية.

إدوار الخراط

أدوار متعددة للمثقف المعاصر

 لم يقتصر إسهام إدوار الخراط على الكتابة الأدبية، سواء في الشعر أو الرواية والقصة، فقد كان منذ فترة مبكرة حريصا على الإسهام النقدي في الحياة الأدبية والثقافية في مصر، فكتب العديد من الدراسات والمقالات النقدية التي عرّفت بأصوات جديدة، وكان حريصا على تقديم عدد من الأصوات الشابة الذين أصبحوا روادا في الشعر والرواية في ما بعد، وأصدر كتابه "الحساسية الجديدة" عام 1993، متناولا بالنقد والتحليل عددا من الكتاب أبرزهم إبراهيم أصلان وبهاء طاهر وعلاء الديب، ولفت النظر منذ وقت مبكر إلى أن كاتبا مثل إبراهيم عبد المجيد يجرب أنواعا مختلفة من التقنيات الكتابية، كما يشير إلى أن عبده جبير يمتلك طريقا خاصا به وحده، بل هو أحد القلائل – في ذلك الوقت- الذي يعتبره كاتبا حداثيا وطليعيا منذ روايته/مغامرته الأولى "تحريك القلب". كذلك يتوقف بعرض وتحليل عدد من كتابات محسن يونس الذي يعده كاتبا فريدا ومغامرا، وغيرهم من الكتاب.

لا تقتصر روايات الخراط على عرض وطرح عدد من الأفكار المجتمعية بل نجد في تفاصيلها ولعه الخاص بالحياة والأماكن

اللافت في الكتاب، تمكن الخراط من أدواته النقدية ومحاولاته المستمرة لتأكيد نظريته التي بدأ الدعوة إليها وتبنيها من خلال التطبيق العملي على النصوص والكتابات الصادرة في ذلك الوقت، والتي سيلحظ القارئ أن بعضها كان لا يزال منشورا في صحف ودوريات خاصة بتلك الفترة. بل وسعى للتمييز بين الكتابات السابقة لهذا الجيل أو التيار حتى يظهر جليا للقارئ ذلك الفارق الذي تمثله "الحساسية الجديدة" ويتبناه الخراط، فكانت مقدمة الكتاب لتقديم وعرض أسلوب الجيل القديم من "طه حسين إلى يحيى حقي ويوسف إدريس"، ثم جاء بعد ذلك الجيل التالي من كتاب الستينات وصولا إلى محمود الورداني وخيري عبد الجواد.

غلاف كتاب "شعر الحداثة في مصر"

والكتاب بشكل عام يمثل دراسة نقدية شديدة الأهمية، لما فيها من تركيز على تفاصيل، ولجمعها بين التنظير النقدي والممارسة المنهجية من خلال تلك القراءات المختلفة لكتّاب لهم اليوم تجربة شديدة الخصوصية والاختلاف بعد وفاة الخراط بسنوات. كما يوضح تلك الأفكار والتوجهات التي نادى بها الخراط ودعا إليها بشكل واضح، وأنها ليست مجرد رؤى وأفكار خاصة به وبكتابته، وإنما تحولت إلى تيار كتابة عامة يمكن التأسيس عليه والانطلاق منه، وهو ما ظهر بعد ذلك في عدد من كتابات هؤلاء الكتاب وعوالمهم السردية والقصصية.   

 لم يكن الأدب العربي فقط الذي وقف أمامه الخراط بالنقد والدراسة والتحليل، بل اهتم بترجمة عدد من الحوارات والكتب التي تمثل  الأدب العالمي، فأصدر كتابه "من الصمت إلى التمرد" عام 1994 ويعرض فيه مسيرة وحياة عدد من الأدباء ونلحظ فيه اهتمامه بقياس وعرض نظريته التي يهتم فيها بالتغيير إلى آفاق أوسع من الدائرة العربية المحدودة، فيتحدث عن تيار يسميه "ما قبل الصمت" يمثله أندره موروا وشولوخوف، ثم ينتقل إلى كتاب يمثلون "أدب الصمت" مثل واين وود، فإلى أدباء التمرد من همنغواي إلى ألبير كامو وجورج باتاي وغيرهم.

غلاف كتاب "الحساسية الجديدة"

حصل إدوار الخراط على عدد من الجوائز والتكريمات مصريا وعربيا، منها جائزة الدولة التشجيعية عن مجموعته "ساعات الكبرياء" عام 1972، وجائزة سلطان العويس الثقافية عام 1994، كما حصل على جائزة الدولة التقديرية فى الآداب عام 1999، وفي العام نفسه على جائزة نجيب محفوظ التي تمنحها الجامعة الأميركية بالقاهرة عن روايته "رامة والتنين". حصل كذلك على جائزة ملتقى الرواية العربية بالقاهرة عام 2008، وكان آخر التكريمات "قلادة النيل" قبيل وفاته عام 2015.

سيرته الذاتية والمستحيل

لم يشأ الخراط أن يكتب سيرة ذاتية عادية، يستعرض فيها مسيرته وحياته رغم ما تزخر به من محطات، سواء في البدايات أو النضال ضد الاستعمار وغير ذلك، وإنما سخر كتابته للتأمل في مشواره الأدبي أكثر، وجاء كتاباه "مجالدة المستحيل"، ثم "مواجهة المستحيل" بمثابة بيان أدبي وفكري للطريق الخاص الذي ارتضاه في مسيرته الأدبية.

وكان حريصا على تقديم عدد من الأصوات الشابة الذين أصبحوا روادا في الشعر والرواية في ما بعد

"أظن أنني حالم وشاعري، وحتى رومانسي بالمعنى المعاصر، لكنني أيضا أدرك تماما ما في الحياة من خشونة، وما فيها من قسوة، أعرفها وأعرف أيضا كيف يتكيف المرء وكيف يكيف نفسه مع المتطلبات العملية اليومية، بحيث يستمر هذا القتال الدائب بين ما نسميه "المثالية" –بمعنى الحلم- وما نسميه "المادية" أو "الضرورات الواقعية". أقدر أنني واقعي جدا، لكنني أعتقد وهذا مهم أن المثالية جزء أساسي من الواقع، إن الحلم لا ينفصل أبدا عن ضرورات الحياة اليومية، إن التطلع نحو الأسمى هو البذرة القائمة في الأرض المليئة بالطين".

غلاف كتاب "مجالدة المستحيل"

نجد أيضا عددا من الخواطر والتأملات الحرة التي يكتبها الخراط عن حياته، عن علاقته بالبحر في الإسكندرية، علاقته بفصول السنة، العلاقة بين كتابته وأفكاره وقراءاته الفلسفية وتأملاته الذاتية. ولعل أجمل ما في الكتاب، على عادة كتب السيرة الذاتية للأدباء، أنه يضيء للقارئ خلفيات وكواليس كتابته لعدد من رواياته، وتلك العلاقة الملتبسة على الدوام بين سيرته الذاتية وحكاياته الواقعية وما يأتي من تفاصيل وحكايات في قصصه وروايته، وما إذا كان تحقق لها ما يريده بعد نشرها وقراءتها، سواء من خلال الدراسات والكتابات النقدية أو تلقي القراء لها وتعليقاتهم عليها.   

ولا يغفل الحديث عن دور الكتابة وتفضيلاته الشخصية لها ورؤيته لدورها، إذا يؤكد رفضه للإطار التقليدي في السرد مثلا، وكذلك الخفة والطرافة في الكتابة، والشعارات والهتافات مهما اتخذت من أقنعة. فالعمل الفني لديه بناء خاص متكامل، يحمل لغته الخاصة وبناءه المتفرد به، كما يؤكد في كل مرة إيمانه بالتجريب واستخدام التقنيات المختلفة مع كل كتابة وفقا لمقتضيات كل تجربة، ويرصد أثر رحلته الطويلة مع الكتابة والنقد والتحليل، ليصل إلى نتيجة أنه "لم يعد نورسا وحيدا على صخرته" على حد تعبيره، فقد وجد في جيله والأجيال التالية له من يشاركه الغناء والعزف على تلك الألحان التي ظن الكثيرون أنها شاذة أو غريبة، كما يلقي التحية على عدد من التجارب الأدبية التي خاضها بصحبة رفاقه في الكتابة والأدب، مثل تجربة "غاليري 68" وغيرها.

إن الحلم لا ينفصل أبدا عن ضرورات الحياة اليومية، إن التطلع نحو الأسمى هو البذرة القائمة في الأرض المليئة بالطين

كما يشير إلى رؤيته لأدبنا العربي بشكل عام باعتباره أدبا عالميا في حد ذاته، لا يحتاج إلى قراءة الأجانب أو الترجمة لكي يوصف بتلك الصفة، إذ يرى أنه من المهم والضروري أن يكون لدينا ثقة بأنفسنا والاعتزاز بأدبنا وقوميتنا التي تمتلك صفة العالمية والإنسانية، وأن يبقى طموح العالمية مقتصرا على توسيع قاعدة القراءة وتعريف العالم بما لدينا من ثقافة وتاريخ وأدب وحضارة.

إدوار الخراط

إنتاج روائي غزير وتجارب ثرية في الكتابة والنقد والفن جعلت كلها من إدوار الخراط واحدا من أهم المثقفين المصريين والعرب، بل والأجرأ في تناوله لمواضيعه والدعوة للتجديد والدفاع عن التجريب والكتابة التي تستشرف المستقبل وتعتمد على تقنيات ما بعد الحداثة.

font change