الليرة السورية الجديدة... هل تشكل مسارا نحو قوة النقد واستقراره؟

طريق طويل لتحسين المؤشرات الاقتصادية الأساسية من النمو والإنتاج والصادرات الى الاستثمارات وتدفقات العملات

المجلة
المجلة

الليرة السورية الجديدة... هل تشكل مسارا نحو قوة النقد واستقراره؟

شرعت سوريا في إدخال النسخة الجديدة من العملة الوطنية في الأول من يناير/كانون الثاني 2026، ووصف المسؤولون السوريون هذه الخطوة باعتبارها رمزا للسيادة الوطنية ومحاولة لتعزيز قيمة الليرة السورية. غير أن تحديات هيكلية كثيرة لا تزال قائمة أمام تحقيق الاستقرار وتعزيز مكانة العملة.

من المعلوم أن الليرة السورية فقدت أكثر من 99 في المئة من قيمتها منذ عام 2011، إذ يبلغ سعر الصرف حاليا نحو 12,500 ليرة سورية مقابل الدولار الأميركي، مقارنة بنحو 50 ليرة سورية في عام 2011.

تؤثر قيمة العملة تأثيرا مباشرا وملحوظا في الواردات والصادرات والقطاعات الإنتاجية وتدفقات رأس المال والاستثمار الأجنبي، إضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة. في الوقت نفسه، أدى التراجع المستمر في قيمة الليرة منذ عام 2011 إلى آثار اجتماعية واقتصادية عميقة ومتواصلة، ولا سيما عبر رفع معدلات التضخم، مما أضعف القوة الشرائية للسكان على نحو متصاعد ودفع مزيدا من الناس إلى تقليص إنفاقهم ليقتصر في الغالب على السلع الأساس والضرورية.

إطلاق العملة الوطنية السورية الجديدة

بعد الإعلان عنها منذ أشهر عدة، أطلقت السلطات النقدية العملة الوطنية السورية الجديدة في السوق المحلية مع بداية عام 2026. وصرح حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، وهو المشرف على العملية برمتها، بأن اعتماد العملة الوطنية السورية الجديدة "جزء من رؤية استراتيجية مؤسساتية شاملة تهدف إلى استعادة الثقة وتحقيق استقرار اقتصادي مستدام".

فقدت الليرة السورية أكثر من 99 في المئة من قيمتها منذ عام 2011، إذ يبلغ سعر الصرف حاليا نحو12,500 ليرة سورية مقابل الدولار، مقارنة بنحو 50 ليرة سورية في عام 2011

وأضاف أن مصرف سوريا المركزي سيعزز في الوقت نفسه أدوات السياسة النقدية، ولا سيما إدارة السيولة وضبط عرض النقد وتحسين أدوات التدخل في السوق، بما يسهم في الحفاظ على الاستقرار النقدي واستقرار الأسعار ودعم الثقة بالليرة السورية وبالقطاع المصرفي ككل.

 وفي إطار هذه العملية، سيبدأ مصرف سوريا المركزي سحب الأوراق النقدية السورية المتداولة، المشار إليها بوصفها "العملة السورية القديمة" تدريجيا من السوق خلال فترة أولية تبلغ 90 يوما، وذلك وفق جدول زمني يحدده المصرف ومن خلال مراكز صرافة محددة. وقد يمدد المصرف فترة الانتقال بحسب الحاجة.

أ.ف.ب.
الرئيس السوري أحمد الشرع يتسلم العملة الجديدة من محافظ البنك المركزي عبدالقادر حصرية، في قصر المؤتمرات، دمشق 29 ديسمبر 2025

وجرى إصدار أوراق "العملة السورية الجديدة" بعد حذف صفرين من القيمة الاسمية للعملة القديمة. في عبارة أخرى، تعادل كل 100 ليرة سورية من العملة القديمة ليرة سورية واحدة من العملة الجديدة.

وخلال فترة الانتقال، يجري تداول العملتين القديمة والجديدة في الوقت نفسه. وفي غضون ذلك تلزم السلطات جميع الجهات العامة والخاصة والشركات عرض المبالغ المالية والأسعار بالعملتين طوال الفترة ذاتها. كما حوّل القطاع المصرفي كل أرصدة الحسابات إلى العملة الجديدة مع بداية السنة الجارية، في حين أعلنت السلطات استعدادها للحفاظ على العرض الإجمالي للنقد من دون زيادة أو خفض.

وعند انتهاء المهل المحددة للاستبدال، سيمنع التداول بـ"العملة السورية القديمة"، وستقوم الجهات المعنية بسحبها من التداول وستفقد صلاحيتها لإجراء المعاملات المالية. وأوضحت السلطات السورية أيضا أنها لا تفرض أي عمولات أو ضرائب أو رسوم أو غرامات على عمليات التحويل أو الاستبدال بين العملتين القديمة والجديدة.

ينسحب الأثر النقدي والمالي لعملية الاستبدال على كل أسعار السلع والخدمات والأجور والرواتب والمعاملات والالتزامات المالية في مختلف أنواعها

ينسحب الأثر النقدي والمالي لعملية الاستبدال على جميع أسعار السلع والخدمات والأجور والرواتب والمعاملات والالتزامات المالية في مختلف أنواعها ومصادرها، سواء أكانت قانونية، أو قضائية أو إدارية أو تعاقدية أو ضريبية، وذلك وفقا لمعيار الاستبدال المنصوص عليه في المرسوم.

أسئلة مطروحة أمام المصرف المركزي

على الرغم من شروح السلطات الحاكمة لتوضيح مسار الاستبدال، لا تزال مسائل عديدة بلا إجابات واضحة. وعند السؤال عن مكان طباعة العملة الجديدة وتكلفتها، لم يقدم الحاكم حصرية أي معلومات، مشيرا الى أن موقع الطباعة وتكلفتها "مسألة سيادية".

رويترز
سوري يلوح بأوراق العملة السورية الجديدة أمام متجر صرافة وسط دمشق، 4 يناير 2026

وبالمثل، لم تعرض السلطات آليات واضحة تبين كيف سيحول مصرف سوريا المركزي دون تحويل الأموال المخزنة التي راكمها رجال أعمال مرتبطون بالنظام السابق لعائلة الأسد عبر أنشطة غير قانونية وإجرامية، ولا كيف سيعالج الكميات الكبيرة من الليرة السورية المتداولة في أسواق الدول المجاورة، التي قد تستخدم كأداة ضغط سياسي.

إضافة إلى ذلك، لا يوجد تفسير واضح لكيفية مساهمة هذه الخطوة في ضبط معدلات التضخم أو خفضها، فيما تتصاعد مخاوف معاكسة ترجح ديناميات تضخمية. وتشمل هذه المخاوف مثلا التضخم الناشئ عن بنية الفئات النقدية نفسها عندما تأتي أصغر وحدة بقيمة كبيرة نسبيا، كما في فئة عشر ليرات سورية، فيقرب الباعة الأسعار إلى الأعلى ويدفع المشترون الفارق.

ومن الممكن أن تنتج من ذلك، نزعة تضخمية لا تعود إلى قوى العرض والطلب أو إلى التوسع النقدي، بل إلى تصميم العملة ذاته. وتطال الآثار في الغالب الفئات الشعبية التي تلاحظ ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساس، بما فيها الخبز والخضر وأجور الحافلات وسائر مستلزمات الأسرة الضرورية.

سيظل أمام الليرة السورية طريق طويل قبل بلوغ الاستقرار والتحسن الحقيقيين، وهو أمر يرتبط بأوضاع الاقتصاد السوري عامة وبمسار إعادة التنمية والإعمار

يأمل الاقتصاديون شفافية أكبر من مصرف سوريا المركزي في مسائل ديناميات سياسات الحكم في سوريا، ولا سيما في الشأن الاقتصادي. فعلى سبيل المثل، أبرمت السلطات مذكرات تفاهم وخصصت عقود الدولة من دون مسارات شفافة واضحة تحدد إجراءات الاختيار والمعايير والمقاييس المعتمدة في إسناد العقود.

تحديات أمام استقرار الليرة السورية

على الرغم من أن الليرة السورية سجلت تحسنا موقتا في استقرارها وقيمتها منذ بداية عام 2025، فإن هذا التحسن لم ينجم عن تحسن في المؤشرات الاقتصادية الأساسية، ولا عن زيادة في تدفقات العملات الأجنبية، بل عن قرار إداري من مصرف سوريا المركزي يقضي بتقييد الوصول إلى الودائع المقومة بالليرة السورية. وعلى نحو عام، لا تزال حرية حركة رؤوس الأموال محدودة بسبب الاختلالات التنظيمية داخل المصارف السورية.

رويترز
مبنى البنك المركزي السوري خلال حفل إطلاق العملة الجديدة، دمشق 29 ديسمبر 2025

ومع رفع هذه القيود، سيظل أمام الليرة السورية طريق طويل قبل بلوغ الاستقرار والتحسن الحقيقيين، وهو أمر يرتبط بأوضاع الاقتصاد السوري عامة وبمسار إعادة التنمية.

ويعدُّ إلغاء "قانون قيصر لعام 2019" في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025 والعقوبات المفروضة على سوريا، من العوامل الإيجابية لتهيئة ظروف تحسين الأوضاع الاقتصادية في البلاد والسير نحو التعافي، وتاليا دعم العملة الوطنية السورية. كما أن إعادة إدماج سوريا في النظامين الإقليمي والدولي، فتح الباب أمام إبرام العديد من الاتفاقات الاقتصادية ومذكرات التفاهم مع شركات أجنبية، مما جذب استثمارات تقدر بنحو 28 مليار دولار خلال عام 2025. وتعد هذه الاستثمارات، بوصفها مصدرا للعملة الأجنبية، خبرا سارا بلا شك، غير أنها لا تزال مجرد إعلانات لم تُترجم بعد على أرض الواقع.

يذكر انه مع تكبد الاقتصاد السوري خسائر جسيمة طوال سنوات الحرب، لا تزال المقومات الاقتصادية الاساسية اللازمة لاستقرار الليرة السورية وتعزيزها متضررة بعمق، ومنها:

أولا، تعرض قطاعا النفط والسياحة، وهما مصدران رئيسان للعملة الأجنبية قبل عام 2011، لدمار واسع، ويحتاجان إلى استثمارات ضخمة للتعافي، فضلا عن الحاجة إلى استقرار سياسي في البلاد.

يشكل تدمير القطاعات الإنتاجية في سوريا، إلى جانب العجز التجاري المستمر، ضغطا إضافيا على الليرة السورية، وينعكس ذلك في طلب مرتفع ومتواصل على العملات الأجنبية

ثانيا، انخفضت الإيرادات الضريبية، المباشرة وغير المباشرة، على نحو ملحوظ منذ عام 2011، مما يثير قلقا بالغا في شأن الاقتصاد وقدرة الدولة على التدخل. ومن هذا المنطلق، يرتقب لمشروع قانون ضريبة الدخل الجديد المقرر دخوله حيز التنفيذ في السنة الجارية، أن يفيد فئة صغيرة من الأثرياء ويعمق اعتماد البلاد على رأس المال، محليا وأجنبيا، وعلى المساعدات المالية الخارجية، بما يصعب توسيع قاعدة إيرادات الدولة.

أ.ف.ب.
سوريون يستبدلون العملة القديمة بالليرة الجديدة في أحد مصارف دمشق، في دمشق 3 يناير 2026

إلى جانب ذلك، تبقى قدرة الدولة على التدخل في أسعار الصرف ودعم الليرة السورية محدودة بسبب استنزاف الاحتياطيات الوطنية من العملات الأجنبية، المقدرة بنحو 200 مليون دولار فقط، والتي تستخدم عموما لتمويل واردات السلع والمنتجات الأساس.

أخيرا، أدى الدمار الهائل في قطاعي الصناعة والزراعة إلى تحطيم القدرة الإنتاجية المحلية وانخفاض حجم الصادرات، ففقدت سوريا هذا المصدر من الإيرادات واضطرت إلى زيادة الواردات لتلبية الطلب المحلي. فوق ذلك، عمقت السياسات الاقتصادية للسلطات الحاكمة الجديدة مأزق هذين القطاعين وزادت تحدياتهما، إذ ترتفع تكاليف الإنتاج باستمرار مع رفع الدعم عن السلع الأساس واشتداد منافسة المنتجات الأجنبية في السوق الوطنية.

يشكل تدمير القطاعات الإنتاجية في سوريا، إلى جانب العجز التجاري المستمر، ضغطا إضافيا على الليرة السورية، وينعكس ذلك في طلب مرتفع ومتواصل على العملات الأجنبية، مما يزيد ضغوط انخفاض قيمة الليرة السورية، وبالتالي يرفع معدلات التضخم.

تغطي التحويلات المالية الكبيرة من الخارج، المقدرة بين 3 و6 مليارات دولار أميركي، جانبا من العجز في الميزان التجاري

وتغطي التحويلات المالية الكبيرة من الخارج، المقدرة بين 3 و6 مليارات دولار أميركي، جانبا من العجز في الميزان التجاري. وفي الوقت نفسه، تواجه الليرة السورية منافسة من الليرة التركية في بعض مناطق الشمال الغربي، بينما يستمر تداول الدولار الأميركي على نطاق واسع في عموم البلاد، حتى أن مؤسسات الدولة تعتمده لتسعير بعض السلع والخدمات.

وتُعدّ إعادة ترسيخ الليرة السورية كعملة رئيسة، مهمة صعبة، وقد يتعقد الموقف إذا تعذر استقرارها لاحقا. ولا يحظر مرسوم إصدار العملة السورية الجديدة تداول العملات الأجنبية، حيث أكد حاكم مصرف سوريا المركزي أن العملة الجديدة "لا ترتبط بالقطع الأجنبي أو الدولار الأميركي ولا تستهدف تنظيمه أو تقييده".

أ.ف.ب.
أوراق نقدية قديمة تحمل صور بشار الأسد الى جانب أوراق الليرة السورية الجديدة، في البنك المركزي 3 يناير 2026

وعلى الرغم من أن اعتماد العملة الوطنية السورية الجديدة قد يفضي إلى بعض النتائج الإيجابية، مثل تيسير المعاملات التجارية والمالية اليومية وتخفيف الضغط اللوجستي، إلا أنه لا يعالج المشكلات العميقة والبنيوية التي تواجه العملة الوطنية والاقتصاد السوري عموما. لتحقيق الهدف المعلن المتمثل في "استقرار اقتصادي مستدام،" يلزم إدخال تغييرات جذرية في السياسات، ولا سيما في التوجه السياسي الاقتصادي وإعادة بناء الاقتصاد. لكن يبدو أن الوضع الحالي يتعارض مع هذا الهدف، إذ تنفذ سياسات اقتصادية تفاقم فقر شرائح واسعة من السكان، وتقلص إيرادات الدولة، وتعمق مظاهر التخلف في القطاعات الإنتاجية.

خلاصة القول، يحتاج استقرار الليرة السورية وتعزيزها إلى ما هو أبعد من إصدار عملة جديدة، وسيعتمد الأمر على سياسات تهيئ شروط تعافي الاقتصاد السوري وتنميته الإنتاجية.

font change

مقالات ذات صلة