بعد "علاقات خطرة" لبيار دو لاكلو، و"الأحمر والأسود" لستاندال، و"مدام بوفاري" لفلوبير، و"التباس المشاعر" لتسفايغ، ساد الاعتقاد بأن الرواية، بوصفها تفكيكا لمشاعر العشق وتشريحا لرغباته الحارقة، باتت من تراث الأمس، وأن ما قدمه هؤلاء الروائيون الكبار في موضوعها لا يترك مجالا لأي إضافة.
لكن الكاتب التركي أحمد ألتان، يثبت في عمله الجديد، "بوليرو"، الذي صدرت ترجمته الفرنسية حديثا في باريس عن دار "أكت سود"، أن هذا التصور للرواية لم يفقد راهنيته قط، وأن موضوعه لا يزال بعيدا كل البعد عن الاستنفاد. كيف؟ بابتكاره ثلاث شخصيات روائية تربط بينها علاقة غرامية مثلثة تدور أحداثها في أنقرة اليوم.
مسرح حميم
منذ السطر الأول للرواية، يجد القارئ نفسه داخل المسرح الحميم لبطلتها، أسلي، وهي طبيبة في الأربعين من عمرها، متخصصة في العلاج الفيزيائي، تعرف تماما ما تريد، وخصوصا ما لا تريد. لذلك تعيش كما يحلو لها، وتختار عشاقها بنفسها من دون أن ترتبط بهم إلا يقدر ما تمنحه المتعة الجسدية.
لكن هذه الحياة الهانئة، المستقلة، سرعان ما تتصدع بفعل رغبات كانت أسلي تجهل حتى احتمال وجودها داخلها. رغبات تكتشفها إثر قبولها عرضا مجزيا للغاية، يقوم على التوجه كل عطلة أسبوع إلى منزل مدّعٍ عام متقاعد، بعيدا عن العاصمة، لعلاجه من آلام ظهر مزمنة.
منذ اللقاء الأول بمريضها، محمد، تتعرف أسلي إلى وجهه الراسخ أبدا في ذاكرتها. فحين كانت طالبة في كلية الطب، اعتُقلت خطأ خلال مداهمة للشرطة إثر تظاهرة. وفي أروقة مركز الشرطة، حيث كان المتظاهرون يتعرضون للضرب، شاهدت محمد، وكان آنذاك نائبا عاما شابا، يتمشى مبتسما مع أحد زملائه، غير مكترث بما يجري أمام عينيه.


