التركي أحمد ألتان في آليات العشق وظلاله

روايته "بوليرو" تفكك شهوات الجسد والسلطة

غلاف رواية "بوليرو"

التركي أحمد ألتان في آليات العشق وظلاله

بعد "علاقات خطرة" لبيار دو لاكلو، و"الأحمر والأسود" لستاندال، و"مدام بوفاري" لفلوبير، و"التباس المشاعر" لتسفايغ، ساد الاعتقاد بأن الرواية، بوصفها تفكيكا لمشاعر العشق وتشريحا لرغباته الحارقة، باتت من تراث الأمس، وأن ما قدمه هؤلاء الروائيون الكبار في موضوعها لا يترك مجالا لأي إضافة.

لكن الكاتب التركي أحمد ألتان، يثبت في عمله الجديد، "بوليرو"، الذي صدرت ترجمته الفرنسية حديثا في باريس عن دار "أكت سود"، أن هذا التصور للرواية لم يفقد راهنيته قط، وأن موضوعه لا يزال بعيدا كل البعد عن الاستنفاد. كيف؟ بابتكاره ثلاث شخصيات روائية تربط بينها علاقة غرامية مثلثة تدور أحداثها في أنقرة اليوم.

مسرح حميم

منذ السطر الأول للرواية، يجد القارئ نفسه داخل المسرح الحميم لبطلتها، أسلي، وهي طبيبة في الأربعين من عمرها، متخصصة في العلاج الفيزيائي، تعرف تماما ما تريد، وخصوصا ما لا تريد. لذلك تعيش كما يحلو لها، وتختار عشاقها بنفسها من دون أن ترتبط بهم إلا يقدر ما تمنحه المتعة الجسدية.

لكن هذه الحياة الهانئة، المستقلة، سرعان ما تتصدع بفعل رغبات كانت أسلي تجهل حتى احتمال وجودها داخلها. رغبات تكتشفها إثر قبولها عرضا مجزيا للغاية، يقوم على التوجه كل عطلة أسبوع إلى منزل مدّعٍ عام متقاعد، بعيدا عن العاصمة، لعلاجه من آلام ظهر مزمنة.

منذ اللقاء الأول بمريضها، محمد، تتعرف أسلي إلى وجهه الراسخ أبدا في ذاكرتها. فحين كانت طالبة في كلية الطب، اعتُقلت خطأ خلال مداهمة للشرطة إثر تظاهرة. وفي أروقة مركز الشرطة، حيث كان المتظاهرون يتعرضون للضرب، شاهدت محمد، وكان آنذاك نائبا عاما شابا، يتمشى مبتسما مع أحد زملائه، غير مكترث بما يجري أمام عينيه.

إنه الحب المجنون الجارف الذي يلامس علاقة مع منحرف نرجسي قاسٍ ومقلِق، لا يحتاج إلى إظهار سلطته

مع ذلك، حين تحضر إلى منزله الفخم بعد عقدين من الزمن، تعجز عن لجم انجذابها نحوه، فتصبح عشيقته، بل تشعر بأنها على استعداد للتخلي عن كل شيء للحفاظ على علاقتها الحسية به. إنه الحب المجنون الجارف الذي يلامس علاقة مع منحرف نرجسي قاسٍ ومقلِق، لا يحتاج إلى إظهار سلطته، وتنبعث من كل كلمة ينطق بها "ظلال شك" كثيفة.

AFP / Adem Altan
تُظهر هذه الصورة الملتقطة من حي هيديرليك تبه في أنقرة، في 13 مارس 2021، منازل متهالكة في أحد الأحياء الفقيرة بمنطقة ألتنداغ (في المقدمة)، مقابل مبانٍ حديثة شاهقة في منطقة كتشيوأورن

لكن في علاقته مع أسلي، يبقى محمد مهذبا رقيقا مراعيا. لذلك، تدرك هذه المرأة سريعا أن معركتها ليست معه، بل مع نفسها. لذلك أيضا، يتعذر عليها مقاومة افتتانها به: فهو الشر الآسر، والقوة المظلمة التي تربك النظام الدقيق لحياتها... لكن بلباقة.

حين يعرّفها محمد إلى زوجته، رميسة، يخالج أسلي شعور بأنها تكتشف توأمها. لكن رميسة ليست مجرد شبيهة فحسب، إنها "صورة مبلبِلة تبدو معروضة عمدا للنظر، مخلوقة غاية وجودها إثارة الهوس"، تستحضر، كما أصاب أحد النقاد في وصفها، "الشخصيات النسائية في فيلم هيتشكوك، 'الدوار'، التي تدفع الرغبة الذكورية إلى نحت موضوع استيهامها الخاص".

بدلا من أن تشعر أسلي بالغيرة أو الألم، تسعى إلى التقرب من رميسة، ويخيل إليها أن هذه الرغبة متبادلة. أكثر من ذلك، تبدأ بتخيل طبيعة العلاقة بين الزوجين، مفترضة أن محمد يروي لرميسة لياليه معها، فيؤجج ذلك رغبة كل منهما في الآخر، ويشعل أحاسيس تنعكس في اليوم التالي على علاقتها بكل منهما.

الصحافي والكاتب التركي أحمد ألتان يجلس في شرفة منزله خلال مقابلة معه في إسطنبول، 5 يناير 2022

رقصة ثلاثية

هكذا، تصبح رميسة بسرعة المحور الرئيس لهذه "الرقصة" الثلاثية، وتتحول بالنسبة لأسلي إلى هاجس يستحوذ كليا عليها، بل إلى نقطة ارتكاز أساسية في حياتها، تضاهي في ثقلها حضور محمد نفسه. ومع الوقت، يغدو هذا الثلاثي بوتقة لعلاقة عشق مثلثة تتحول الجاذبية الجسدية فيها إلى أداة لمعرفة الذات، وفي الوقت نفسه، إلى اختبار محفوف بالأخطار يقود إلى فقدانها.

هذا ما ستختبره بالضبط أسلي، حين تكتشف في داخلها امرأة لم تكن تعرفها من قبل، شخصية تنبثق من أعماقها مع كل زيارة لهذين الزوجين، وتتمدّد حتى تزاحم الطبيبة فيها وتدفعها إلى الخلف. شخصية نارية، حسية، تثير فيها رغبات لا يمكن التحكم بها، فتأسرها وتحولها إلى امرأة تابعة وهشة على نحو لم تسمح لنفسها به يوما.

من هنا عجز أسلي عن قطع علاقتها بمحمد، حتى حين يرد اسمه في الصحف كمتورط في جريمة قتل بشعة، وإفساحها المجال لقرينتها – تلك المرأة التي تحمل ملامح رميسة وملامحها - كي تستولي على حيز أكبر داخلها.

يغدو هذا الثلاثي بوتقة لعلاقة عشق مثلثة تتحول الجاذبية الجسدية فيها إلى أداة لمعرفة الذات، وفي الوقت نفسه، إلى اختبار محفوف بالأخطار يقود إلى فقدانها

البنية السردية للرواية تقوم على تكرار هَوَسي لعدد محدود من الصور: وجه رميسة الذي تتأمل أسلي فيه بمزيج من الانبهار والدوار، كمرآة تعكس الذات، جسد محمد كمصدر لذة لها تبلغ في شدتها حد الانخطاف والتحلل، وسكون ذلك المنزل المنعزل الذي يحتضن علاقتها الحسية بهذين الزوجين، ويبدو مزيجا من الرفاه والعنف الكامن، في ريف يرسخ هذه الدراما الحميمة داخل تركيا المعاصرة، حيث يتجاوب الطغيان السياسي والهيمنة الجسدية كصدى متبادل. ديكور يليق برواية بوليسية مشحونة بالتشويق.

تأمل داخلي

لكن إن كان ثمة تشويق أكيد في "بوليرو"، فإن طريقة سردها تبتعد تماما عن تلك الروايات، الغزيرة اليوم، التي تُبنى كالأفلام أو المسلسلات التلفزيونية، مشهدا بعد مشهد. صحيح أن فيها لحظات بصرية قوية، لكنها تخضع دوما للتأمل الداخلي. وبذلك، تقدم الرواية قصة شغف جنسي لا يحظى بتمثيل مباشر، بل بسلسلة مدوخة من التعليقات التي تسحب القارئ إلى دوامة فيضها.

فعلا، ما يقاربه ألتان في هذا العمل، بحدة فكرية مذهلة كالعادة، هو النواة المظلمة للرغبة. ولتحقيق ذلك، يصقل لغة "تشترك مع البلور نقاء جارحا وبريقا شفافا وحواف حادة"، كما وصفها أحد النقاد. لغة تتيح معاينة مجهرية لأي اهتزاز نابع من القلب أو الجسد أو الروح، وتماهيا دقيقا مع حالات انفصال أسلي عن نفسها. لغة تتألف في البداية من جمل متعرجة، طويلة، تتوالى بإيقاع محموم لوصف استسلام الجسد واستسلام العقل، قبل أن تفسح المجال لجمل عيادية، تليق بلغة طبيب، لكنها تبقى متوهجة بجمالياتها ومناوراتها التعبيرية.

لكن اللغة ليست وسيلة ألتان الوحيدة في هذه الرواية. فمن خلال انزلاقات وقطائع وتواترات، يحوّل حبكتها نفسها إلى محاكاة لآلية التبعية التي تلتهم الواقع وتجعل أسلي ضحية نفسها.

الصحافي والكاتب التركي أحمد ألتان في منزله بحي كاديكوي في إسطنبول

من هنا اختياره عنوان "بوليرو" لها، الذي تبرره بنية التكرار فيها، تواتر التساؤلات حول شغف العشق وسلطته بلا كلل، وذلك الانطباع الذي يتملكنا لدى قراءتها بأن "كل جملة يبدو أنها تعود لتصحح الجملة السابقة، أو تناقضها، أو تعزز معناها"، كما لاحظ ناقد آخر.

وكما في معزوفة موريس رافيل، يلتف النص على ذاته داخل آلية افتتان تجمع بين الاعترافات والهلوسات والانفجارات الحسية. وفي هذه الأثناء، تتحدث امرأة إلى نفسها، ومن مونولوغها الذي يتفحص كل رغبات الجسد، تنبثق أكثر الحقائق قتامة.

ما يكشفه الجسد هنا ليس حقيقة دفينة بقدر ما هو حقيقة مشيّدة، تغذّيها ازدواجية ماكرة

والنتيجة: رواية فريدة من نوعها تغوص بقارئها في الآلية السرية لتحوّل امرأة بكيمياء اللذة، ولسعيها المضني إلى معرفة ما إذا كانت تكتشف هذه اللذة بنفسها أم تُقاد إليها. غوص نتشارك فيه مع هذه المرأة، الرغبة في معرفة حدود نشوتها وتداعياتها، ونتفهم عودتها المتكررة إلى ذلك الرجل الفاتن ليس فقط بالشر الكامن فيه، بل أيضا بجاذبية شخصيته. فمحمد هو المتلاعب الأقصى الذي يمنح أسلي مرآة لما تعتقد أنها ترغب فيه، ويجرّها إلى لعبة إيروسية هو من وضع قواعدها الخفية. لعبة تقودها إلى السقوط في متاهة نفسية تستبد فيها الشدة الحسية بالسعادة.

لكن "ماذا لو كانت هذه الرواية، قبل أي شيء، تأملا في فعالية الصمت؟"، يتساءل ناقد من منطلق أن "صمت محمد ورميسة لا يمثل فراغا، بل حيزا فاعلا للإيحاء، يفرض على أسلي إسقاط استيهاماتها داخله، فتصبح شريكة في صنع الفخ الذي ينغلق عليها". ويضيف: "ما يكشفه الجسد هنا ليس حقيقة دفينة بقدر ما هو حقيقة مشيّدة، تغذيها ازدواجية ماكرة. ومع الارتفاع البطيء والحتمي لحدتها، تتحول الرواية إلى معزوفة وعي تتعلم بطلتها فيها أن أعمق لذة قد تكون السماح لأنفسنا بأن نُخدع ببراعة، ونحن نرقص برشاقة على حافة هاوية لا ندرك مداها".

font change