محمد عبلة لـ"المجلة": الفن التشكيلي ليس فنا جماهيريا

أعاد "وسام غوته" احتجاجا على موقف ألمانيا من حرب غزة

MOHAMED EL-SHAHED / AFP
MOHAMED EL-SHAHED / AFP
الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة خلال حضوره معرض "ليلة الفن" في المتحف المصري بالقاهرة، 28 أكتوبر 2017

محمد عبلة لـ"المجلة": الفن التشكيلي ليس فنا جماهيريا

يعد الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة، المولود بمحافظة الدقهلية في 27 سبتمبر/ أيلول 1953، واحدا من أبرز الفنانين العرب الذين تركوا بصمة واضحة على الساحة الفنية المحلية والعالمية. حصل عبلة عام 2022 على وسام غوته الألماني، ليصبح أول فنان تشكيلي مصري ينال هذا التكريم، قبل أن يعلن رده احتجاجا على موقف ألمانيا من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

على مدار مسيرته الفنية، أقام العديد من المعارض الخاصة والجماعية داخل مصر وخارجها، كما تولى إدارة قاعة الفنون التشكيلية بدار الأوبرا المصرية عام 1990، ليكون شاهدا ومشاركا في تطوير الحركة التشكيلية المصرية. شارك في العديد من المعارض الدولية، منها بينالي الشارقة (1993)، بينالي الغرافيك في فنلندا (1993)، ترينالي غرنيش بسويسرا (1993)، معرض جمعية الغرافيك الدولية، ترينالي سابورو باليابان، وبينالي الكويت (1994)، كما عرض أعماله في معرض "طلائع الفن المصري المعاصر" بالأرجنتين.

وفي خطوة جديدة لدعم الحركة الفنية وإثراء المشهد الثقافي، أعلن تأسيسه "مؤسسة عبلة للفنون" بمدينة الفيوم، لتكون منصة لإبراز المواهب الفنية الشابة وتعزيز التواصل بين الفنانين والمجتمع الثقافي. هنا حوار معه.

كيف كانت نشأتك الأولى؟ وإلى أي مدى تأثرت تجربتك الفنية بظروف النشأة، خاصة أن مدينتي بلقاس والمنصورة لهما خصوصية فريدة قد لا تتوافر في مدن كثيرة؟

دائما ما تلعب البدايات دورا حاسما في تشكيل النهايات، وهو ما ينطبق على تجربتي الشخصية إلى حد كبير. فقد نشأت في مدينة بلقاس، وهي مدينة صغيرة لكنها ذات طابع خاص وسمات ثقافية مميزة، أسهمت مبكرا في تكوين وعيي الثقافي. كانت المدينة تضم مسرحين، وصالتي سينما، ومكتبة عامة، بما وفر بيئة ثرية تحتضن شغف أي طفل محب للثقافة والفنون.

ما يحفزني في البداية الأفكار نفسها التي تكون مزيجا من أشياء عدة، من القراءة والمشاهدة ومن الموضوعات التي تشغل بالي، لكن تظل المدينة هي ملهمي الأول

إلى جانب ذلك، شهدت تلك الفترة اهتماما ملحوظا بالفنون داخل المدارس، حيث كانت حصص الرسم وغيرها من الأنشطة الفنية جزءا أصيلا من العملية التعليمية، وهو ما كان له أثر بالغ في صقل الميول الفنية. كما لعبت طبيعة المدينة، التي تمزج بين ملامح الريف والمدينة، دورا مؤثرا في تعميق هذا الارتباط بالفن، وأسهمت في تشكيل الحس الجمالي والرغبة المبكرة في الإبداع.

في المرسم

في مرسمك، ما الذي يحفزك ويدعوك إلى الإبداع داخله، وما هي المادة التي تفضل الرسم عليها؟

الأماكن لها تأثير كبير علي، بمعنى أنني في هذا المكان، هنا في وسط المدينة، تأتيني أفكار لها علاقة بالشوارع والناس والحركة، وتدفعني لكي أنزل إلى الشارع وأحتك بالناس وهكذا. فما يحفزني في البداية الأفكار نفسها التي تكون مزيجا من أشياء عدة، من القراءة والمشاهدة ومن الموضوعات التي تشغل بالي، لكن تظل المدينة هي ملهمي الأول.

Khaled DESOUKI / AFP
قوارب تبحر في نهر النيل، القاهرة، 29 يونيو 2025

يلاحظ في بعض لوحاتك أنها تبدو لم تنته بعد، بل ولا تريد أن تنتهي، أو كأنك ترغب في أن يبقى باب اللوحة مفتوحا، دائما، لتراها على الدوام...

أحيانا كثيرة، لا أتمكن من إكمال بعض لوحاتي. أبدأ في بعض الأعمال، فيكتمل بعضها بسهولة، بينما يحتاج البعض الآخر إلى وقت طويل، وهناك لوحات أبدأها أحيانا ولا أنهيها البتة، هذا أمر طبيعي، فالفنان لا يمكنه أن يضع خطة دقيقة لكل لوحة قبل الشروع في تنفيذها، فالأمر غالبا يتطور مع العمل ذاته.

أحد أعمال الرسام المصري محمد عبلة

نرى أيضا أن الطيور وبعض الخيول ترافقك في بعض اللوحات، لماذا؟

الطيور، تقليديا، ترمز إلى الحرية، فهي الكائنات القادرة على التحليق وقطع المسافات بلا قيود. بالتالي يحمل رسمها دلالة ضمنية على الحرية. مع ذلك، أميل أكثر وأنا أرسم، إلى تصوير عناصر الطبيعة بذاتها، وأحب أن تتضمن أعمالي الطيور والحيوانات والأشجار، بعيدا من الرمزية الصارمة، لتعكس الطبيعة في كامل حيويتها وتنوعها.

لوحة لمحمد عبلة

انتهجت في رسمك وأعمالك خطا خاصا، عرفت به وطبع فنك بأكمله، فإلام ترمي من خلاله؟

يمكن النظر إلى مسألة الأسلوب الفني من زاويتين مختلفتين، فهناك فنانون يحرصون على امتلاك أسلوب ثابت يميزهم، بوصفه علامة فارقة أو ما يشبه "الهوية التجارية" لأعمالهم. في المقابل، يتعامل آخرون مع الأسلوب بوصفه نتيجة طبيعية للعمل الإبداعي، يتشكل تلقائيا دون تعمد.

يظل الفن الواقعي حاضرا وقويا، مع إمكان استفادته من القيم التجريدية لتطوير الذات الفنية

لا أنشغل بالبحث عن أسلوب خاص بي أو تثبيته، بقدر انشغالي بالعثور على الطريقة الأنسب للتعبير عن أفكاري. فجوهر الأسلوب، من وجهة نظري، لا يكمن في شكله، بل في قدرته على إيصال الفكرة بسلاسة وتيسير وصولها إلى المتلقي، باعتبار أن الفن في الأساس هو أفكار قبل كل شيء آخر. لذلك، اختار أدوات وطرائق عملي وفقا لما يخدم الفكرة والموضوع، دون التزام أسلوب واحد، بل مع استعداد دائم لتغيير الأسلوب تبعا لتبدل الأفكار والقضايا.

بين الواقعية والتجريدية

أيهما الأهم: الفن الواقعي، أم الفن التجريدي؟وهل على الفنان أن يبدأ بالمدرسة الواقعية حتى تكون لديه مرجعية لأسس اللون وتكوين لوحته؟

لا يمكن الجزم بأهمية فن على حساب آخر، فلكل فن ضرورته وخصائصه التي تميزه. تاريخيا، ظهرت الفنون الواقعية أولا، ثم جاءت الفنون التجريدية في مرحلة لاحقة وفرضت حضورها بقوة، غير أن ذلك لم يكن على حساب الواقعية، التي لم تختف يوما. فالمشهد الفني لا يعرف إلغاء المدارس بعضها لبعض، بل قد يخبو بعض الاتجاهات تدريجيا، بينما تستمر اتجاهات أخرى.

وقد ظل ارتباط الفنان بالواقع قائما، كما استمرت النزعة نحو التجريد، بوصفه اتجاها يتقاطع مع مجالات متعددة خارج الفن، كالهندسة والعلوم وغيرها، مما يمنحه دائما روافد جديدة ومحفزات متجددة. ورغم الاعتقاد السائد في فترات سابقة بأن التجريد يمثل التطور الحتمي للفن، فإن المدرسة الواقعية عادت لتؤكد حضورها، مع ما طرأ عليها من تحولات، فهي لم تعد واقعية القرن التاسع عشر، لكنها ما زالت قائمة وفاعلة بقوة في المشهد الفني المعاصر.

تستند لوحاتك إلى الواقعية والانطباعية. ويرى بعض النقاد أن كل فن واقعي لا جديد فيه، وأن كل التجديد هو في التجريد؟

على العكس تماما، فإن التجريد وصل في النهاية إلى طريق مسدود، فالمقصود بالتجريد هنا هو التجريد التقليدي الذي يعتمد على القيم الهندسية والخطوط والتبسيط. ومع محاولات الفنانين المتمثلة في خلق توازن بالألوان والملمس، فإن النتائج النهائية غالبا ما تشابهت بشكل كبير.

لوحة لمحمد عبلة

 أما الواقعية فهي مختلفة تماما، لأنها مرتبطة بالإنسان ومشاعره، والفنانون حول العالم يعبرون من خلالها عن ذواتهم. لذلك يظل الفن الواقعي حاضرا وقويا، مع إمكان استفادته من القيم التجريدية لتطوير الذات الفنية. لكن الحقيقة أن الواقعية لا تنتهي أبدا.

النقد التشكيلي

هل حركة النقد التشكيلي العربي اليوم على قدر النضج نفسه الذي وصلت إليه الحركة التشكيلية العربية؟

تمثل هذه المسألة إحدى أبرز نقاط الضعف في المشهد الفني لدينا، إذ تفتقر الساحة إلى الأدوات والوسائل الكفيلة بخلق حركة نقدية حقيقية ومؤثرة. فلا توجد مجلات أو كتب متخصصة بالقدر الكافي لمواكبة تطور الحركة التشكيلية، كما أن الصحف ووسائل الإعلام لا تتيح مساحات مناسبة للكتابة الجادة عن الفنون التشكيلية، فضلا عن غياب المجلات المتخصصة في هذا المجال.

اختار أدوات وطرائق عملي وفقا لما يخدم الفكرة والموضوع، دون التزام أسلوب واحد، بل مع استعداد دائم لتغيير الأسلوب

لا شك أن هذا القصور يعد خللا واضحا، فعلى الرغم من وجود حراك فني ملحوظ، فإن الحركة النقدية لا تزال محدودة الحضور ولا ترقى إلى مستوى القوة والتأثير المطلوبين. ومع ذلك، يظل الرهان قائما على أن ازدهار الحركة التشكيلية واستمرارها كفيل، بحكم طبيعة الأمور، بأن يفرز في النهاية حركة نقدية موازية أكثر نضجا وفاعلية.

فن نخبوي؟

إلى متى يظل الفن التشكيلي نخبويا في العالم العربي؟

الفن التشكيلي ليس فنا جماهيريا بالمعنى التقليدي، فهو ليس موجها لكل الناس في كل مكان، والعالم العربي ليس استثناء. فهذا الفن يعتمد على جمهور يمتلك قدرا من الثقافة والفهم، أي نخبة فكرية، لا نخبة مادية بالضرورة. ورغم ذلك، فإن الوصول إلى تقدير الفن وفهمه ليس مستحيلا، فكل شخص يمكنه تطوير نفسه من خلال المشاهدة المستمرة وتنمية العين النقدية، وإن ذلك يحتاج إلى الوقت والجهد.

الرسام محمد عبلة أمام أحد أعماله

الفن بطبيعته يحتاج إلى مجهود من المتلقي، فالفنان يقدم عمله كما هو، دون أن يكون هدفه إرضاء الجمهور، بينما يتوقف مدى استيعاب العمل على ثقافة المتلقي ورغبته في الفهم أو الإحساس بالعمل الفني. ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار أخبار الفن والمزادات واللوحات، ارتفعت الثقافة الفنية تدريجيا، وظهرت أجيال جديدة أكثر وعيا وقدرة على متابعة الفن وفهمه. فالفن ليس سهلا، بل يتطلب ثقافة ومجهودا للتقدير والإدراك.

في العالم

ماذا عن تجربة العبور الى الضفة الأخرى من البحر والسفر إلى ألمانيا وغيرها من البلدان الأوروبية، وكيف كانت هذه التجربة؟

استفدت كثيرا من تجربة السفر، وأستطيع القول إنه شكل شخصيتي بشكل كبير. بدأت السفر في سن مبكرة، فور تخرجي، حين كانت خبرتي ومعرفتي محدودة جدا، ووجدت نفسي في مجتمعات فنية متقدمة للغاية. كان التحدي الأكبر هو كيفية التكيف داخل هذه المجتمعات وإيجاد مساحة أو صيغة تمكنك من العيش والمشاركة فيها. صحيح أن البدايات كانت في مصر، إلا أن غالب ما تعلمته وتكونت عليه خبرتي جاء من خلال السفر وتجارب الاحتكاك بالعالم الخارجي.

ما المدرسة الفنية التشكيلية الأبرز في المرحلة الراهنة على المستوى العربي والدولي؟

اليوم نشهد مرحلة فنية تتسم بتعددية المدارس وتجاورها، حيث لم يعد هناك مدرسة فنية مهيمنة سواء في العالم العربي أو على المستوى العالمي. الفلسفات الفنية التي برزت في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، والتي ارتبطت بمفهوم الحداثة وما بعدها، فتحت آفاقا واسعة للتجريب والابتكار.

أصبحت كل المدارس الفنية موجودة ومتجاورة، بل بدأت حتى بعض المدارس القديمة تعود الى الظهور من جديد في ظل هذه البيئة الفكرية الرحبة

 هذا الانفتاح منح المبدع حرية استخدام أكثر من أسلوب ووسيلة، وإدماج ثقافات متنوعة داخل العمل الفني، مما أسفر عن ثراء إبداعي غير مسبوق. ونتيجة لذلك، أصبحت كل المدارس الفنية موجودة ومتجاورة، بل بدأت حتى بعض المدارس القديمة تعود الى الظهور من جديد في ظل هذه البيئة الفكرية الرحبة.

التشكيل واللغة

ندرك أن العلاقة وطيدة ومعمقة بين الرسم و التشكيل والنحت واللغة، ويعتبر الفن التشكيلي و اللغة جناحين واسعين للتحليق في فضاءات المدى لحركات الإبتكار والإبداع والوعي، كيف ترى ذلك؟

اللغة تحتل مكانة مهمة للغاية، فلكل فن لغته الخاصة التي تتجسد في الخطوط والألوان والمساحات التجريدية. ومع ذلك، تبقى اللغة المقروءة والمنطوقة والمسموعة غذاء أساسيا للفنان، فهي الوسيلة التي تربطه بالآخرين وتمكنه من التواصل معهم. فالكتابة والقراءة تشكلان همزة الوصل بين الفنان ومحيطه، وتؤثر في مشاعره وحالته النفسية، فالكلمة قادرة على التغيير وإثارة التأثير العميق، ليكمل بذلك دور الرؤية البصرية التي تأتي في بداية رحلة الإبداع.

من لوحات محمد عبلة

كيف تواجه فظاعة الواقع المر المحيط بكل فنان، وكيف يستطيع الفنان تلوين الواقع وتجميله؟

الفن لا يملك القدرة على إحداث تغييرات فورية في الواقع، فهو لا يستطيع وقف حرب أو حل أزمة مجاعة بشكل مباشر. لكن دوره يكمن في التعبير عن المجتمع وواقعه، عن همومه ومشاكله. تأثير الفنان يظهر تدريجيا، إذ يترك بصماته في نفوس الناس ويشكل وعيهم على المدى الطويل. الفن إذن ليس أداة لتغيير الواقع بحد ذاته، فهذه مهمة السياسيين والاقتصاديين، بل هو مرآة تعكس الواقع كما هو، بصورته الصادقة والمعبرة.

انتشر في السنوات الأخيرة العديد من الغاليريهات والمعارض أيضا، هل يسهم ذلك في زيادة المعروض من اللوحات ومنح الفرص للفنانين، أم الطابع التجاري هو الحكم هنا؟

الطابع التجاري للفن لا يعد عيبا، وأي عمل فني، سواء كان لوحة أو تمثالا أو كتابا أو أغنية، يتحول بمجرد تجسيده إلى شيء ملموس إلى سلعة قابلة للتداول وفق قوانين العرض والطلب. لا مشكلة حين يظل الفن أفكارا مجردة، لكن بمجرد أن يتحول إلى كيان مادي يخضع لقوانين المادة، وهذا طبيعي ولا يسيء الى الفن نفسه.

الفن ليس أداة لتغيير الواقع بحد ذاته، فهذه مهمة السياسيين والاقتصاديين، بل هو مرآة تعكس الواقع كما هو

الفنان الذي لا يرغب بالمشاركة في الجانب التجاري، يمكنه ببساطة عدم عرض أعماله للبيع أو الإعلان عنها كمقتنيات غير متاحة، لأن الطابع التجاري للفن يسهم أيضا في تطوير الإنتاج الفني، من خلال استكشاف خامات جديدة وابتكار طرق عرض مبتكرة وتسهيل حياة الفنانين.

محمد عبلة خلال عمله

ولكن العيب الحقيقي يكون حين يعمل الفنان لتلبية احتياجات السوق بدلا من التعبير عن رؤيته الخاصة أو زمنه، لأن الفنان دوره ليس خدمة السوق، بل خدمة الزمن والإبداع الشخصي، أما إذا أصبح الفنان تابعا لمتطلبات السوق فسيصبح تاجرا، وهذه قصة مختلفة تماما.

هل تؤثر التقنيات الحديثة كالذكاء الإصطناعي على الفن التشكيلي؟

بالطبع، كل تقدم تكنولوجي أو علمي يحدث تأثيرا ملموسا، والفنون كانت دائما الأكثر استفادة من هذه الاكتشافات والاختراعات. فالفنانون هم غالبا من يروج للعلوم ويجعلها جزءا من الحياة اليومية من خلال إنتاجهم واهتمامهم بها. ولهذا السبب، تلجأ الشركات الكبرى والواعية إلى التعاون مع الفنانين، حيث يعتمدون عليهم لاستخدام منتجاتهم بطرق مبتكرة وغير تقليدية، مما يمنح هذه المنتجات بعدا جديدا ويبرز قيمتها بشكل مختلف.

من أعمال محمد عبلة

ما الذي منحتك إياه اللوحة وماذا منحتها أنت بعد كل هذه السنوات؟ وهل من لوحة سببت لك المتاعب؟

الفن بطبيعته تجربة معاناة مستمرة، إذ يعيش الفنان في صراع دائم بين ما يبدعه وما يرضيه، وبين ما قد يثير حفيظة الآخرين أو لا يتوافق مع المجتمع. فالفن، في جوهره، هو ثمرة الألم والمواجهة، وهو يمر بمراحل صعبة أحيانا تمنع عرض الأعمال أو تحد من نطاقها. في بعض المجتمعات. حتى في مصر، كانت هناك أعمال سياسية محددة تمنع من العرض لعدم توافقها مع البيئة المحيطة.

مع ذلك، هناك موضوعات تشعل شغفي وتمنحني شعورا بالرضا والسعادة، كما في لوحاتي التي تصور القاهرة ليلا، أو أعمالي التي تعكس الزحام والشوارع وحياة الناس اليومية. كذلك تظل الحكايات والأساطير مصدر إلهام دائم لي، أعبر عنها بأسلوبي الفني الخاص، لتصبح جزءا من لغتي البصرية التي تجمع بين الواقع والخيال.

حصلت على وسام غوته الألماني واعتذرت عن عدم استلامه بسبب الأحداث الأخيرة فى غزة... ما وجهة نظرك من ناحية العلاقة بين الفن والسياسة؟ هل أنت نادم على الاعتذار ؟

لم أشعر بالندم حيال الوسام الذي حصلت عليه، رغم قيمته المادية العالية، وهو عبارة عن كتلة من الذهب الخالص.

صرت كلما رأيت وسام غوته أشعر بالانزعاج، إذ يذكرني بتصرف ألمانيا الذي أعتبره غير عادل وغير منطقي

 لكن المشكلة لم تكمن في المال، فضميري لم يكن يسمح لي بالاحتفاظ به، كما أن وزن الوسام الكبير كان يجعل تحريكه أو التعامل معه صعبا جدا. ومع مرور الوقت، صرت كلما رأيت الوسام أشعر بالانزعاج، إذ يذكرني بتصرف ألمانيا الذي أعتبره غير عادل وغير منطقي. ومع تكرار هذا الإحساس، قررت في النهاية التخلص منه. لم يكن الأمر ناتجا من ندم، بل لأني لم أعد أشعر بالفخر بالوسام الذي كان في البداية رمزا لإعجابي بألمانيا، خاصة أني أكن لها تقديرا كبيرا.

font change

مقالات ذات صلة