ترمب يحشد عسكريا حول إيران... "خضوع استراتيجي" أو تحول في النظام؟https://www.majalla.com/node/329404/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AA%D8%B1%D9%85%D8%A8-%D9%8A%D8%AD%D8%B4%D8%AF-%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%AE%D8%B6%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A-%D8%A3%D9%88-%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85%D8%9F
وصلت مجموعة حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس أبراهام لينكولن"، التي تتمحور حول حاملة الطائرات النووية، بالفعل إلى الشرق الأوسط. وقد وضعت إسرائيل جميع أنظمة دفاعها في حالة تأهب قصوى، بينما أعلن قائد "الحرس الثوري" الإيراني عن "الاستعداد أكثر من أي وقت مضى، وأصابعهم على الزناد"، في وقت أفادت تقارير بأن "المرشد" علي خامنئي يختبئ في ملجأ تحت الأرض. وبينما يتحدث الرئيس دونالد ترمب علنا عن إرسال "أسطول ضخم"، فإنه يلتزم الصمت بشأن توقيت أي هجوم محتمل.
وقد اشتد هذا التصعيد فور إعلان السلطات الإيرانية يوم 12 يناير/كانون الثاني قمع المظاهرات المناهضة للحكومة على مستوى البلاد. حيث فقدَ أكثر من 6,200 شخص حياتهم (وفقا لأحدث الأرقام الصادرة عن "منظمة حقوق الإنسان الإيرانية") خلال احتجاجات امتدت لأكثر من أسبوعين. وفي ظل انقطاع الإنترنت والاتصالات، نفذ "الحرس الثوري" وميليشيا "الباسيج" قمعا وحشيا، فيما حذرت إدارة ترمب مرارا وتكرارا من أن "المزيد من عمليات القتل ستؤدي إلى تدخل عسكري" ردا على هذه المجزرة.
بعد هجوم "حماس" على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تم تفكيك شبكة الوكلاء التي بنتها إيران على مدى عقود من خلال الهجمات الإسرائيلية المتواصلة
ومع ذلك، فإن النظر إلى الأزمة الحالية بوصفها مجرد لعبة عض أصابع عسكرية سيكون سوء فهم لجوهر الموقف.
وكما تلاحظ سانام واكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز الأبحاث البريطاني "تشاتام هاوس"، بفطنة، فإن الهدف الحقيقي لإدارة ترمب ليس "تغيير النظام بالمعنى الكلاسيكي"، بل فرض ما تسميه "الخضوع الاستراتيجي"، أي إجبار القيادة الإيرانية على قبول القيود الدائمة على تطوير البرنامج النووي، وتقليص دورها الإقليمي، والإقرار بأن تجاوز الخطوط الحمراء الأميركية سيؤدي إلى تصعيد فوري.
وسوف أتوقف هنا لتحليل المصير الذي قد يلحق بنظام "الجمهورية الإسلامية" من خلال فحص الوضع الحالي للضغط العسكري الأميركي على إيران، وهو الضغط الذي أحدثته الاحتجاجات واسعة النطاق التي اندلعت نهاية العام الماضي، وتوضيح جوهر هذه الاستراتيجية.
الضعف الاستراتيجي... لماذا يتم تضييق الخناق على إيران؟
تجد إيران نفسها حاليا في أكثر حالاتها ضعفا منذ بداية نظام الجمهورية الإسلامية في 1979. هذا الضعف ليس بسبب عامل واحد، بل نتيجة تداخل إخفاقات استراتيجية متعددة.
قاذفة الشبح B-2 Spirit التابعة لسلاح الجو الأميركي، بعد عودتها من عملية "ميدنايت هامر"، أي الهجوم الأميركي على المنشآت النووية الإيرانية، في قاعدة وايتمان الجوية بولاية ميسوري الأميركية، في يونيو 2025
أولا، هناك الانهيار الكارثي لـ"محور المقاومة". بعد هجوم "حماس" على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تم تفكيك شبكة الوكلاء التي بنتها إيران على مدى عقود من خلال الهجمات الإسرائيلية المتواصلة. فقد خسر "حزب الله" في لبنان قواعده القيادية، وتعرض الحوثيون في اليمن لضربات جوية أميركية، وانهار نظام الأسد في سوريا فعليا. وهكذا أصبح "العمق الاستراتيجي" الذي كانت إيران تفخر به مجرد وهم.
ثانيا، جاءت الضربة المدمرة للمنشآت النووية من خلال عملية "مطرقة منتصف الليل" في يونيو/حزيران 2025. فقد أسقطت قاذفات "بي تو" الأميركية 14 قنبلة من أكبر القنابل الخارقة للتحصينات في العالم، مما دمر المنشآت النووية في نطنز وفوردو. وقد أعلن تقرير "استراتيجية الدفاع الوطني" الصادر عن وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) يوم 24 يناير/كانون الثاني من هذا العام بفخر أن هذه العملية كانت "مثالية"، ودمرت البرنامج النووي الإيراني "بالكامل".
ثالثا، ألحقت الضربات الجوية الإسرائيلية واسعة النطاق في أكتوبر/تشرين الأول 2025 أضرارا جسيمة بأنظمة الدفاع الجوي الإيرانية وقواعد إطلاق الصواريخ. ووفقا لتقييمات وزارة الدفاع الإسرائيلية، فقد أدى هذا الهجوم إلى تراجع قدرات إيران إلى مستوى يتطلب وقتا طويلا لإعادة بنائها.
نهج الرئيس ترمب تجاه إيران ليس ارتجاليا ولا أيديولوجياً، بل يستند إلى مبادئ أساسية في "استراتيجية الأمن القومي": المنافسة الاستراتيجية، والردع من خلال القوة
رابعا، يتفاقم الخنق الاقتصادي بوتيرة متسارعة. فبالإضافة إلى عقوبات "الضغط الأقصى" المفروضة منذ 2018، أعلنت إدارة ترمب يوم 13 يناير/كانون الثاني فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 25 في المئة على جميع الدول التي تتعامل تجاريا مع إيران. ويمثل هذا انتقالا من العقوبات المالية إلى العقوبات التجارية، مما يخلق ضغطا قويا على دول ثالثة، بما في ذلك الصين، لقطع العلاقات الاقتصادية مع إيران. ولا يزال الريال الإيراني يواصل انهياره إلى مستويات تاريخية، فيما يتجاوز معدل التضخم 50 في المئة سنويا، كما وصلت البطالة بين الشباب إلى 40 في المئة.
خامسا، وهو الأخطر على الإطلاق، هناك أزمة شرعية داخلية. حيث أصبحت المظاهرات التي اندلعت على مستوى البلاد نهاية عام 2025 تمثل رفضا جذريا لنظام "الجمهورية الإسلامية" نفسه. وبدلا من شعار "النظام الثوري" المعتاد "الموت لأميركا"، فإن هتاف "الموت لخامنئي" هو الذي دوّى في جميع أنحاء إيران. وأُحرقت صور "المرشد" في مختلف المدن الإيرانية. كما أن مهاجمة مقرات "الحرس الثوري" الإيراني وتعرّض جهاز العنف التابع للنظام (الباسيج) لاعتداء من المواطنين يرمزان إلى أن هيبة النظام قد سقطت على الأرض.
"عدم القدرة على التنبؤ"... سلاح ترمب
في ليلة 14 يناير، أجّلت إدارة ترمب على ما يبدو العمل العسكري ضد إيران، بعد تلقيها إشارات من الجانب الإيراني بأن "قتل المتظاهرين قد توقف". ومع ذلك، لم يشر هذا بأي حال من الأحوال إلى تراجع الضغط. بل على العكس، ما أصبح أكثر وضوحا لاحقا هو ديناميكية في صميم استراتيجية الرئيس ترمب: "الحفاظ على إمكانية التصعيد مع الحفاظ على عنصر المفاجأة واختيار توقيت وطريقة التحرك".
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في قمة حسابات ترمب التي نظمتها وزارة الخزانة الأمريكية في واشنطن العاصمة، في 28 يناير 2026
كما يرجح أن مطالبات من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ودول إقليمية بتأجيل الهجوم قد أثرت أيضا على القرار. وامتدت مخاوف إسرائيل إلى ما هو أبعد من مجرد قدرة أنظمة الدفاع الجوي المعلنة على التعامل بشكل كافٍ مع هجوم صاروخي انتقامي من إيران على نطاق يتجاوز 500 صاروخ، بما في ذلك صواريخ فرط صوتية. والأخطر من ذلك، هو احتمال أن تؤدي الهجمات الأميركية إلى تأجيج المشاعر المعادية لأميركا بين الشعب الإيراني، مما قد يدفع شعبا منقسما بسبب الاحتجاجات إلى الالتفاف مجددا حول النظام بدلا من الاستمرار في معارضته.
ومع ذلك، فإن تأجيل الهجوم لا يعني التخلي عن الضغط على إيران. في 23 يناير، صرح الرئيس ترمب قائلا: "لقد أرسلنا أسطولا ضخما إلى الشرق الأوسط. قد لا نضطر إلى استخدامه، لكننا مستعدون في حالة الطوارئ".
وهذا الغموض تحديدا يقع في قلب الاستراتيجية. إذ لا يمكن للقيادة الإيرانية معرفة متى أو من أين أو بأي شكل قد يأتي الهجوم. وتواصل هذه الحالة من عدم اليقين ممارسة دورها كضغط نفسي. وفي 26 يناير، رد الرئيس ترمب في مقابلة مع "اكسيوس" بقوله إن "إيران تريد التحدث"، مما يشير إلى أن الخيارات الدبلوماسية لا تزال على الطاولة.
ومن هذه الزاوية، فإن نهج الرئيس ترمب تجاه إيران ليس ارتجاليا ولا أيديولوجياً، بل يستند إلى مبادئ أساسية في "استراتيجية الأمن القومي": المنافسة الاستراتيجية، والردع من خلال القوة، ورفض ضبط النفس حين يكون الهدف تعزيز الردع.
"التقاء قاتل" للضغوط الداخلية والخارجية
منذ 12 يناير، تبدو المظاهرات وكأنها قد هدأت على السطح. ففي مواجهة العنف الساحق من قوات "الحرس الثوري" و"الباسيج"، اختفى المتظاهرون من الشوارع. وأعلنت وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية "استعادة النظام"، فيما حمّل خامنئي في خطابه يوم 17 يناير، المسؤولية للخارج، قائلا إن "الآلاف لقوا حتفهم بسبب الخونة الذين استأجرتهم الولايات المتحدة وإسرائيل".
استهداف مقار "الحرس الثوري" ينطوي على "مخاطر جسيمة بسقوط ضحايا مدنيين". فهذه المنشآت توجد داخل مناطق مكتظة بالسكان
غير أن هذا ليس استقرارا حقيقيا. إنه مجرد صمت مؤقت فُرض بالقمع. فالقضايا الأساسية (الأزمات الاقتصادية، والقمع السياسي، والانقسامات بين الأجيال، والنفور العميق من الديكتاتورية الدينية) لا تزال كلها دون حل. بل إن بذور كراهية جديدة تم زرعها بسبب القمع الوحشي من قبل السلطات للمظاهرات واسعة النطاق، مما أسفر عن مقتل أكثر من 6,200 شخص.
تقليديا، كانت إيران تفصل بين القمع الداخلي والتدخل الخارجي، باعتبار أن الأمر "شأن داخلي". لكن ترمب تعمد طمس هذا الخط الفاصل عبر تحذيراته المتكررة من أن "القتل الجماعي أو إعدام المتظاهرين ستكون له تداعياته، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية". حيث يتم ترسيخ قاعدة جديدة مفادها أن القمع الداخلي باتت له كلفة دولية.
ويكمن دهاء هذه الاستراتيجية في وضع القيادة الإيرانية أمام معضلة متناقضة: إذا تُركت المظاهرات دون رادع، سينهار النظام من الداخل. لكن القمع المفرط سيؤدي إلى تدخل عسكري أميركي. وعلاوة على ذلك، في حين أن الهجوم الأميركي قد يمكّن النظام من استعادة التماسك من خلال استثمار المشاعر الشعبية المعادية لأميركا، فإن المزيد من تدمير البنية التحتية العسكرية والاقتصادية يعرض أسس بقاء النظام نفسها للخطر.
ويتجلى الذعر داخل القيادة الإيرانية في لجوء خامنئي إلى مخبأ تحت الأرض يوم 24 يناير تقريبا. فوفقا لمصادر متعددة، وبعد تلقيه تحذيرات من القادة العسكريين بأن "هجوما أميركياً بات وشيكا"، انتقل "المرشد" إلى منشأة محصنة تحت الأرض داخل طهران.
نظام القبة الحديدية الإسرائيلي المضاد للصواريخ يعترض صواريخ أُطلقت من قطاع غزة، كما يُرى من مدينة عسقلان، إسرائيل، 9 أكتوبر 2023
وعلاوة على ذلك، فإن تقارير عن نقل أصول وسبائك ذهبية من إيران إلى روسيا في نهاية العام، تشير إلى وجود خطط إخلاء لأسوأ السيناريوهات.
هل تحول النظام الإيراني ممكن؟
هنا يجب علينا طرح سؤال صارم: هل "تحول النظام الإسلامي الإيراني" قابل للتحقيق فعلا عبر القوة العسكرية الخارجية؟
تشير التجربة التاريخية إلى إجابة سلبية. فغزو العراق عام 2003 أسقط نظام صدام حسين لكنه أدى إلى عقدين من الفوضى والصراع الطائفي. وأدى التدخل في ليبيا عام 2011 إلى انهيار نظام القذافي لكنه حوّل الدولة نفسها إلى دولة فاشلة.
ويمثل تغيير النظام في إيران هدفا أكثر صعوبة بكثير من هذين المثالين. فإيران قوة إقليمية يبلغ عدد سكانها 92 مليون نسمة، ولديها لغة فارسية وهوية ثقافية متميزة تمتد لآلاف السنين.
وفوق كل ذلك، فإن "الحرس الثوري" الإيراني الذي يشكل قلب النظام ليس مجرد منظمة عسكرية بل كيان متغلغل في جميع مفاصل الاقتصاد والمجتمع والسياسة. وفي حين أن الضربات الجوية الأميركية يمكن أن تدمر المنشآت النووية وقواعد الصواريخ، بل وحتى تصفية بعض قادة النظام بمن فيهم خامنئي وقادة "الحرس الثوري"، لكن هذا وحده لا يكفي لإسقاط النظام. لقد علمتنا حرب الاثني عشر يوما التي جرت في يونيو/حزيران الماضي بوضوح حدود التأثير العسكري عبر الضربات الجوية.
كما أن استهداف مقار "الحرس الثوري" ينطوي على "مخاطر جسيمة بسقوط ضحايا مدنيين". فهذه المنشآت توجد داخل مناطق مكتظة بالسكان، ولا يمكن تجنب الأضرار الجانبية حتى مع استخدام ذخائر دقيقة التوجيه. وربما تؤدي الخسائر بين المدنيين بنتائج عكسية، فلا تفشل العملية في تحقيق أهدافها الأميركية فحسب، ولكن من المحتمل أن تمنح النظام الإيراني انتصارات دعائية.
لم يعد بإمكان النظام حشد الشعب من خلال الشعارات الثورية أو ذكريات شهداء حرب إيران والعراق. وبالنسبة للجيل تحت سن الأربعين، الذي يشكل نحو 70 في المئة من السكان، فإن الثورة باتت حدثا تاريخيا بعيدا لا يصلح لتبرير القمع الحالي
وعلاوة على ذلك، لا يجوز الاستهانة بقدرات إيران الانتقامية. حيث إن "الحرس الثوري" يعلن صراحة أن إصبعه "على الزناد" وقد وضع خطط ردود انتقامية تشمل: مهاجمة القواعد العسكرية الأميركية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وشن ضربات صاروخية على إسرائيل، وإغلاق مضيق هرمز، وتنفيذ هجمات سيبرانية، وخوض حرب غير متماثلة من خلال الوكلاء الإقليميين. وإذا تحقق سيناريو "سوء التقدير" الأكثر إثارة لخوف إسرائيل (أي أن ترى إيران أن قرار أميركا بالهجوم قد اتُخذ بالفعل فتبادر بهجوم استباقي) فقد ينزلق الوضع إلى حرب إقليمية لا يمكن السيطرة عليها.
هل يعني هذا أن القوة العسكرية بلا جدوى؟ ليس كذلك. لكن دورها لا يكمن في "إسقاط النظام" بل في الحفاظ على الضغط الاستراتيجي وتعزيزه. ومن المحتمل أن يكون الغرض من الضغط العسكري لإدارة ترمب هو جعل مسار إيران المستقبلي مرهونا بشكل متزايد على حجم وشدة الضغط الأميركي.
طريق الانهيار... "الخنق البطيء" عبر ضغوط داخلية وخارجية
هنا، يظهر سيناريو أكثر واقعية. فمن المرجح أن لا تكون نهاية النظام الإيراني على شكل انهيار عسكري دراماتيكي بل في صورة اختناق بطيء من خلال التفاعل المستمر بين الضغوط الداخلية والخارجية.
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يتحدث خلال اجتماع في طهران، إيران، 3 يناير 2026
وقد بدأت هذه العملية بالفعل. فعلى الصعيد الاقتصادي، وبسبب التهديد بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 25 في المئة، ليس لدى الشركاء التجاريين الرئيسين بما في ذلك الصين خيار سوى تقليص تعاملاتهم مع إيران. كما أن العقوبات الجديدة التي أعلنتها وزارة الخزانة الأميركية يوم 24 يناير، والتي استهدفت تسع سفن إيرانية- ومالكيها- تهرّب النفط لتجنب العقوبات، تعني أنه حتى آخر مصادر الدخل تم قطعها، رغم الاعتماد على الصين بوصفها المستورد الرئيس للنفط الإيراني.
وعسكريا، تدهورت قدرات إيران على تطوير البرنامج النووي والقدرات الصاروخية بشكل كبير جراء هجمات يونيو من العام الماضي. بينما يحذر البنتاغون من أن "إيران تحاول إعادة بناء قواتها التقليدية، على الرغم من أنه لا يمكن استبعاد إمكانية استئناف التطوير النووي"، فإن إعادة الإعمار تتطلب وقتا طويلا وأموالا هائلة، كما أن الضغط الخارجي طوال هذه الفترة يتواصل. وقد حذرت إدارة ترمب- في حال استئناف التطوير النووي- من أن "أحداث يونيو 2025 ستتكرر".
وجيوسياسياً، ترك انهيار "محور المقاومة" إيران في عزلة استراتيجية. فقد تبخر وجودها في سوريا مع سقوط النظام هناك، وضعف "حزب الله" في لبنان، ويواجه الحوثيون في اليمن هجمات أميركية، وينخفض تأثير المنظمات المسلحة الموالية لإيران في العراق. أي إن استراتيجية إيران المشهورة "الدفاع الأمامي"- محاربة الأعداء بعيدا عن أراضيها- لم تعد تعمل.
والأهم من ذلك، هناك فقدان للشرعية غير قابل للتعويض. فما كشفته المظاهرات الواسعة النطاق الأخيرة أن رفض نظام "الجمهورية الإسلامية" نفسه قد انتشر على نطاق واسع بين الإيرانيين العاديين، بما في ذلك ليس فقط الشباب والنساء ولكن أيضا بين تجار البازار المحافظين تقليديا.
ولا ينبغي التقليل من شأن أن أزمة الشرعية هذه غير قابلة للتعويض. فلم يعد بإمكان النظام حشد الشعب من خلال الشعارات الثورية أو ذكريات شهداء حرب إيران والعراق. وبالنسبة للجيل تحت سن الأربعين، الذي يشكل نحو 70 في المئة من السكان، فإن الثورة باتت حدثا تاريخيا بعيدا لا يصلح لتبرير القمع الحالي.
انهيار بطيء أم تفكك سريع؟
يوجد مساران محتملان لانهيار النظام الإيراني:
الأول هو سيناريو "الانهيار البطيء". فمن خلال العقوبات الاقتصادية المستمرة، والاحتجاجات المتفرقة، وصراعات النخب على السلطة، وفشل الانتقال بين الأجيال، يفقد النظام تدريجيا القدرة على الحكم ويتحول في النهاية- وإن لم يكن إلى ملكية دستورية- إلى نظام علماني غير استبدادي.
قد يُعتبر هذا نسخة إيرانية من انهيار الاتحاد السوفياتي. وربما تكون وفاة خامنئي أو فراره من إيران حافزا لهذا التحول. كما قد يحدث مثل هذا التغيير عبر اتصالات بين المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف ووزير الخارجية عباس عراقجي. وفي مثل هذه الحالة، لا يوجد خليفة يمتلك الكاريزما والسلطة اللتين يملكهما "المرشد" البالغ من العمر 86 عاما، كما ستكشف عملية الخلافة نفسها مزيدا من الشقوق داخل النظام.
من خلال الجمع بين تهديد القوة العسكرية وخنق الاقتصاد ودعم الاحتجاجات الداخلية، فإن إدارة ترمب تدفع النظام الإيراني نحو حالة غير قابلة للاستمرار
أما المسار الثاني فهو سيناريو "التفكك السريع". حيث تؤدي الضربات العسكرية الأميركية المحدودة إلى إثارة مظاهرات جديدة واسعة النطاق، وتظهر تصدعات داخل "الحرس الثوري" الإيراني (خاصة بين المجندين والضباط)، فينهار النظام فجأة. ويشبه هذا تأثير الدومينو المشابه لثورات أوروبا الشرقية عام 1989 أو "الربيع العربي" عام 2011.
ومع ذلك، حتى في هذه الحالة، لا تقوم القوة العسكرية الخارجية بـ"إسقاط" النظام؛ بل إن الديناميات الداخلية هي التي تسبب الانهيار، مع عمل الضغط الخارجي كمحفز فقط.
وفي كلا السيناريوهين، لا يكمن العامل الحاسم في الضغط الخارجي بل في الضغط الداخلي. فالقوة العسكرية الأميركية تستطيع تدمير القدرات النووية والصاروخية لإيران، وخنق اقتصادها، وتقويض نفوذها الإقليمي، لكنها لا تستطيع الإطاحة المباشرة بالنظام. لكن الشعب الإيراني وحده - بما في ذلك أولئك الموجودون داخل منظومة الحكم- يمكنه تحقيق ذلك.
وترتكز استراتيجية إدارة ترمب الحالية بشكل أساسي على هذا الإدراك. فهدف "الخضوع الاستراتيجي" يعكس الاعتراف بصعوبة الإطاحة الكلاسيكية بالنظام. وعلى العكس من ذلك، يمكن القول إن هذه الاستراتيجية تكشف تناقضا قاتلا داخل النظام الإيراني.
إن محاولة إجبار القيادة الإيرانية على التخلي الدائم عن التطوير النووي، وتقليص طموحاتها الإقليمية، وقبول الهيمنة الأميركية، تنفي بالضرورة مبرر وجود النظام ذاته. حيث تأسست "الجمهورية الإسلامية" على هوية كونها "معقل المقاومة الذي لن يخضع لأميركا وإسرائيل". وبالتالي فإن قبول "الخضوع الاستراتيجي" يعادل نفي النظام لنفسه.
لذلك، بغض النظر عما إذا كانت أميركا تريد ذلك أم لا، فإن مجرد محاولة فرض "الخضوع الاستراتيجي" نفسها تسرّع المسار نحو انهيار النظام. وتواجه القيادة الإيرانية خيارا بين الخضوع والانهيار، فاختيار الخضوع يعني فقدان الشرعية الداخلية والسير في طريق الانهيار، بينما رفض الخضوع يؤدي أيضا إلى الانهيار من خلال الضغط الخارجي المكثف. إنها لعبة صفرية بكل ما للكلمة من معنى.
حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس أبراهام لينكولن"، والمدمرة الدفاعية الجوية "إتش إم إس ديفندر"، والمدمرة الصاروخية الموجهة "يو إس إس فاراغوت" في مضيق هرمز، ي 19 نوفمبر 2019
ومن خلال الجمع بين تهديد القوة العسكرية وخنق الاقتصاد ودعم الاحتجاجات الداخلية، فإن إدارة ترمب تدفع النظام الإيراني نحو حالة غير قابلة للاستمرار.
غروب شمس إيران
ستصل مجموعة حاملة الطائرات الأميركية إلى موقع يتيح لها مهاجمة إيران بحلول نهاية يناير، فيما تحافظ إسرائيل على أقصى درجات التأهب، ويضع "الحرس الثوري" الإيراني "إصبعه على الزناد"، بينما يختبئ "المرشد" خامنئي تحت الأرض. وبالنظر إلى المستقبل، من الممكن تماما أن يتم سحب الزناد العسكري. وتكتسب تحذيرات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الأخيرة لإيران أهمية خاصة. ففي ظروف معينة، قد يؤدي تحرك إسرائيلي مستقل إلى خلق محفز لسيناريو ثالث.
وفي خطابه يوم 27 يناير، شدد نتنياهو على الضربات التي وجّهت إلى وكلاء إيران محذرا من انتقام غير مسبوق إذا هاجمت إيران إسرائيل. وعندما سُئل عما إذا كانت الضربات الاستباقية الإسرائيلية ممكنة، أشار إلى استقلالية القرار الإسرائيلي قائلا: "ما يقرره الرئيس ترمب هو شأنه، وما تقرره إسرائيل هو شأن إسرائيل. وأود أن أضيف أننا نراقب الوضع ومستعدون لأي تطور. إذا أخطأت إيران بمهاجمتنا، فستواجه انتقاما يتجاوز تخيلهم".
بعد سبعة وأربعين عامًا على الثورة الإسلامية عام 1979، تنذر أصوات الشباب الذين يهتفون "لا نريد الجمهورية الإسلامية" في شوارع طهران، بنهاية دورة تاريخية كاملة
ومع ذلك، فإن التيار الأوسع يتجاوز بلا شك التطورات العسكرية قصيرة المدى، سواء كانت أميركية أم إسرائيلية. حيث يتم دفع نظام الجمهورية الإسلامية في إيران إلى وضع يصبح فيه مضطرا، ببطء أو بسرعة، إلى اتباع مسار الانهيار بسبب التقاطع القاتل بين الضغوط الداخلية والخارجية.
ويعمل الضغط العسكري الأميركي أو أي تحرك إسرائيلي محتمل كمحفز يسرّع هذه العملية، لكنه ليس العامل الحاسم. فالعوامل الحاسمة الحقيقية هي: الرفض الجذري من قبل الشعب الإيراني للنظام الحالي، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، والعزلة الاستراتيجية لإيران عقب انهيار "محور المقاومة". وقبل كل شيء، الواقع داخل المجتمع الإيراني بأن الشعارات "الثورية" لم تعد تعمل كمصدر للشرعية. ويمكن تسمية ذلك بانهيار العقد الاجتماعي بين الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني.
ومن المفارقة أن "الخضوع الاستراتيجي" الذي تسعى إليه إدارة ترمب لن يتحقق على الأرجح، لأنه يعني نفي مبرر وجود النظام ذاته. غير أن مجرد محاولة فرض هذا الخضوع تدفع النظام إلى تناقضات غير قابلة للاستمرار، ما يجعل الانهيار حتميًا. وتواجه القيادة الإيرانية معضلة حقيقية بين الخضوع والانهيار، وفي كلا الطريقين نهاية للجمهورية الإسلامية.
وبعد سبعة وأربعين عامًا على الثورة الإسلامية عام 1979، تنذر أصوات الشباب الذين يهتفون "لا نريد الجمهورية الإسلامية" في شوارع طهران، بنهاية دورة تاريخية كاملة... قد لا يأتي التغيير القادم في صورة انفجار ثوري، بل في هيئة اختناق بطيء لنظام هرِم. لكن النتيجة واحدة.
الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط على وشك أن يُعاد رسمها. وسيُسجَّل عام 2026 في تاريخ المنطقة بوصفه نقطة تحول.