ثلاثة أحداث كبيرة هزّت العالم، ولا سيما منطقة الشرق الأوسط، في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. أولها، تمثّل بالهجوم الإرهابي على نيويورك وواشنطن (2001)، الذي كان من تداعياته شنّ الحرب الدولية على الإرهاب، وقيام الولايات المتحدة بغزو أفغانستان (2001) والعراق (2003)، ما أدى إلى تغيير الخريطة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، وصعود إيران كقطب إقليمي فاعل، أو مقرر، طوال العقدين الماضيين بتعزيز نفوذها في بلدان المشرق العربي، من العراق إلى لبنان مرورا بسوريا. بيد أن ذلك لم يجر بالضد من إرادة الولايات المتحدة، وإنما بفضل تسهيلها ذلك، عبر تسليمها العراق لإيران، من خلال أذرعها الميليشياوية فيه، ثم بسماحها للميليشيات التابعة لإيران الدخول إلى سوريا دفاعا عن نظام الأسد.
أما الحدث الثاني فتمثّل بغزو روسيا لأوكرانيا (2022)، مع كل انعكاساته السياسية والأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، على العالم، وعلى العلاقة بين الأقطاب الدوليين. والملاحظة هنا أن روسيا أخفقت في تلك الحرب المستمرة منذ أربعة أعوام، بغض النظر عما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استدرج إلى تلك الحرب، أو سعى إليها وفقا لتقديرات قاصرة. ففي المحصلة، أدت تلك الحرب إلى استنزاف روسيا، بشريا واقتصاديا وعسكريا، والأخطر من ذلك، انكشاف تواضع إمكانياتها وقدراتها، في حرب ضد دولة صغيرة من حيث المساحة وعدد السكان والموارد، إضافة إلى خواء أطروحات بوتين بشأن إقامة عالم متعدد الأقطاب، باستعادة مكانة روسيا كدولة عظمى، وفرض احترامها كقطب دولي. والملاحظة هنا أن الولايات المتحدة هي التي لعبت الدور الرئيس في كبح جماح بوتين، وتوحيد وتصليب الموقف الأوروبي، لمواجهة التحدي الروسي، وإدارة الحرب بطريقة لا يخسر ولا يربح فيها أي من الطرفين، أي روسيا وأوكرانيا، وضمن ذلك في صرفه عن الاهتمام بالشرق الأوسط، أو إضعاف موقفه، فيه، ولا سيما في سوريا.

