حرب إيران تضغط على اقتصاد مصر... الغاز والدولار وقناة السويس

الأسواق تترقب بين احتواء الصدمات ومخاوف الانهيار الاقتصادي

باربرا جيبسون
باربرا جيبسون

حرب إيران تضغط على اقتصاد مصر... الغاز والدولار وقناة السويس

فرضت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران واقعا اقتصاديا خطيرا في الشرق الأوسط، وانعكس بثقله مباشرة على اقتصاد مصر بسبب موقعها الجغرافي، وهيكلها الإنتاجي، واعتمادها على استيراد الغاز والنفط وتدفقات النقد الأجنبي. ومع تصاعد حدة الحرب، تزداد مخاوف الخبراء على المسار الاقتصادي الإقليمي، وتضطرب الأرقام والمؤشرات، لتواجه مصر بدورها تداعيات سلبية على اقتصادها الذي يكافح منذ سنوات للتوازن وخفض التضخم والديون، وتحقيق معدلات نمو مستدامة.

مع هذه الحرب القاسية، يترقب الشارع المصري ارتفاعا في الأسعار. ومن المتوقع أن يرافق ذلك موجة جديدة من التضخم، وانخفاضا في سعر الجنيه المصري، إلى جانب زيادة فاتورة واردات الطاقة وتباطؤ تدفق العملات الأجنبية. يضاف إلى هذه التداعيات تأجيل الاستثمارات بسبب حالة عدم اليقين التي تُبطِئ القرارات الاستثمارية، خصوصا في القطاعات التي تستهلك الطاقة بشكل كبير. وقد تواجه البلاد تحديات مالية لارتفاع تكلفة خدمة الدين مع تشدد الأوضاع المالية العالمية المرتبطة بالأخطار الجيوسياسية.

أزمة الطاقة هي الدائرة الأخطر

تُعَد سوق الطاقة العالمية أولى دوائر التأثر بالحرب الإيرانية - الإسرائيلية - الأميركية، إذ يزيد توسع نطاق الحرب أسعار النفط، علاوة على الأخطار الجيوسياسية. ومع إغلاق مضيق هرمز كليا، وهو السيناريو الأخطر، حسب خبير الاقتصاد والمال الدكتور ياسر العالم، سيؤدي إلى قفزة حادة في أسعار النفط والغاز عالميا، واختناقات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف التأمين والشحن. ويوضح أن التأثير في مصر سيكون مزدوجا وسيتجلى بـ"ارتفاع فاتورة الطاقة".

كلما طال أمد الحرب ارتفع معدل التضخم وزادت فاتورة الطاقة، وتراجعت إيرادات قناة السويس وزادت الضغوط على الجنيه المصري

محمد عبد العال، عضو مجلس إدارة المصرف المصري الخليجي

ويحض العالم على "تنويع مصادر الطاقة، وتسريع مشاريع الربط الإقليمي والطاقة المتجددة، واعتماد آليات تحوط وتعاقدات بعيدة الأجل، وتعزيز دور قناة السويس بحزم خدمية وتأمينية، إلى جانب ديبلوماسية اقتصادية نشطة لتثبيت اتفاقيات الإمداد والتعاون في مجال الطاقة".

يمر عبر مضيق هرمز أكثر من 20 مليون برميل نفط يوميا، ما يمثل 20 في المئة من استهلاك النفط العالمي وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، بالإضافة إلى مرور أكثر من 11 في المئة من التجارة العالمية. كما أن مسار السفن في المضيق (الذي يبلغ ثلاثة كيلومترات فقط في الاتجاهين) وداخل المياه الإقليمية لعمان، يجعله شريانا استراتيجيا بالغ الحساسية.

قد يرفع هذا السيناريو أسعار النفط لتتجاوز 100 دولار للبرميل، وربما أكثر إذا استمرت الأزمة، وقد ارتفع اليوم سعر خام برنت بحر الشمال الذي يعد مرجعيا على الصعيد الدولي بأكثر من 8 في المئة ليسجّل 85,12 دولارا للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ تموز 2024.

بالنسبة إلى مصر، التي تعتبر مستوردا صافيا للغاز والنفط، يعني ذلك ارتفاعا مباشرا في فاتورة الواردات النفطية، وضغطا إضافيا على الموازنة العامة، وتغذية لموجة تضخمية جديدة.

رويترز
سفينة حاويات تعبر قناة السويس في 15 فبراير 2022

يقول الخبير المالي وعضو مجلس إدارة المصرف المصري الخليجي، محمد عبد العال، لـ"المجلة": "إذا استمرت الحرب لفترة قصيرة، فقد يقتصر التأثير على ارتفاع مؤقت في أسعار النفط وضغوط محدودة على التضخم وسوق الصرف في مصر. إنما إذا استمرت الأزمة لأشهر عدة، فسترتفع فاتورة الطاقة بشكل ملموس، وقد تتراجع إيرادات القناة جزئيا، مما يضاعف الضغوط على العملة المحلية. وفي سيناريو أطول يتجاوز ستة أشهر، قد تدخل مصر مرحلة أكثر تعقيدا تتسم بارتفاع مستمر في تكلفة الاستيراد، وضغوط على الاحتياطي النقدي، وزيادة احتمالات تراجع الجنيه في مقابل الدولار".

ثمن وقف ضخ الغاز من إسرائيل

يمثل ملف الغاز الطبيعي، الدائرة الثانية من ضمن صدمة الطاقة. لقد أوقفت إسرائيل ضخ الغاز إلى مصر بسبب الحرب، مما أدى إلى توقف 1.1 مليار قدم مكعبة يوميا من حقلي "تمار" و"ليفياثان" الواقعين في المياه العميقة بالبحر المتوسط، مما يضع ضغوطا إضافية على منظومة الطاقة في البلاد. ويعقّب الخبير الاقتصادي خالد الشافعي في حديث الى "المجلة": "ستنخفض واردات الغاز الرخيص وفق الاتفاقية المبرمة بين إسرائيل ومصر، بما يحمله ذلك من آثار سلبية على موازنة البلاد. كذلك قد يعاني جزء كبير من القطاع الصناعي الذي يعتمد على الغاز، مثل مصانع الأسمدة والحديد وغيرها، إذ سيؤدي ارتفاع أسعار الغاز إلى زيادة تكاليف التشغيل، ومن ثم ارتفاع أسعار المنتجات داخل الأسواق المصرية".

يُقدّر إنتاج مصر الحالي من الغاز الطبيعي بنحو 4.1 مليار قدم مكعبة يوميا، بينما يبلغ الطلب المحلي نحو 6.2 مليار قدم مكعبة يوميا. وكانت واردات مصر من الغاز الإسرائيلي قد ارتفعت بنحو ثمانية في المئة خلال السنة المالية المنتهية في يونيو/حزيران 2025 لتصل إلى 344 مليار قدم مكعبة، في مقابل 319 مليار قدم مكعبة في السنة المالية السابقة، مما يعكس تنامي الاعتماد النسبي على هذا المصدر قبل قرار التوقف.

تغير مسار السفن بعيدا عن قناة السويس خلال حرب غزة وهجمات البحر الأحمر خفض حركة السفن نحو 50 في المئة في 2024، ووصل الانخفاض أحيانًا إلى 85 في المئة عبر تحويلها لطريق رأس الرجاء الصالح

والنتيجة المتوقعة هي زيادة الاعتماد على استيراد الغاز الطبيعي المسال بأسعار السوق العالمية، مما يرفع تكلفة توليد الكهرباء. وقد أعادت مصر جدولة شحنات الغاز المسال وزادت استخدام المازوت في محطات الكهرباء بنسبة 333 في المئة لتصل إلى 26 ألف طن يوميا، مع تأكيد عدم تخفيف الأحمال.

ويشير الشافعي إلى أن تكلفة الطاقة ستظل مرتبطة بمدة استمرار التوترات الجيوسياسية. ويقول: "كلما طال أمد الحرب ارتفع معدل التضخم وارتفعت الأسعار حول العالم، وتباطأت سلاسل الإمداد، فتتسع تبعا لذلك انعكاسات الحرب الدائرة على الاقتصاد المصري".

وتشير خبيرة أسواق المال الدكتورة حنان رمسيس إلى صعوبة التداعيات "لارتباط أسعار الغاز بمصانع أسمدة وأسمنت عديدة فضلا عن كونها مرتبطة أيضا بمحطات الكهرباء، مما قد يؤدي إلى توقف المصانع عن العمل والتصدير للخارج". وتنبه في حديث إلى "المجلة" إلى أن "مصر قد تعود إلى انقطاع في التيار الكهربائي لفترات، مع خروج كبير للأموال الساخنة، وعودة التضخم، مما قد يضطر الدولة إلى رفع معدل الفائدة".

قناة السويس والتجارة العالمية

تتمثل الدائرة الثالثة من الأخطار في حركة التجارة العالمية وتأثيرها في إيرادات قناة السويس. لقد رفعت شركات التأمين أسعار التغطية للسفن، وسط تعليق شركة "ميرسك" حركة إبحار السفن عبر قناة السويس، وتغيير مسار سفنها المتجهة من الشرق الأوسط إلى الهند لطريق البحر المتوسط، وإعادة توجيه السفن المتجهة إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة لتسلك طريق رأس الرجاء الصالح. ويعني أي انخفاض مستدام في عدد السفن العابرة للقناة تراجعا مباشرا في أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، مما يؤثر في ميزان المدفوعات وقدرة الدولة على إدارة التزاماتها الخارجية.

.أ.ف.ب
حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس جيرالد آر فورد" تغادر خليج سودا في جزيرة كريت في 26 فبراير 2026

للمقاربة، أدى تغير مسار السفن بعيدا من قناة السويس إبان حرب غزة وهجمات البحر الأحمر إلى انخفاض حركة السفن في القناة بنحو 50  في المئة خلال 2024، وفي بعض الأشهر وصل التراجع إلى 85 في المئة بسبب تحويل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح. وقد خسرت مصر نحو 800 مليون دولار شهريا من إيرادات قناة السويس بسبب تحويل السفن لمسارات أخرى حول أفريقيا.

الدولار والأسواق وامتصاص الصدمات

واليوم تجاوز الدولار حاجز  50 جنيه  مصري، وهو أدنى مستوى له منذ 8 أشهر، ولا شك ان استمرار تراجع سعر الجنيه سيرفع أسعار النفط وفاتورة الاستيراد والطلب على الدولار، ويولد ضغطا على العملة المحلية، سواء عبر تراجع تدريجي في قيمتها أو عبر التشدد النقدي لاحتواء التضخم، بحسب ما شرح عبد العال.

لكن في المقابل، يمتلك اقتصاد مصر أدوات مواجهة الصدمات. فقد بلغ الاحتياطي النقدي رقما تاريخيا عند 52,6 مليار دولار، مع تعافي التحويلات لتصل إلى 41,5 مليار دولار، وفائض في صافي أصول النقد الأجنبي يقدر بـ25 مليار دولار، يمثل "وسادة أمان". وتعد مرونة إدارة سعر الصرف عنصرا داعما لاستمرار السوق بشفافية وكفاية.

توقعات بتراجع البورصة المصرية وخروج الأموال الساخنة في أدوات الدين المصرية، بما يؤدي إلى إضعاف الجنيه أمام الدولار

ويؤكد عضو البرلمان المصري والخبير الاقتصادي الدكتور محمد فؤاد في حديث إلى "المجلة" أن "التقييم الأولي يشير إلى اضطراب محدود قابل للاحتواء ما لم تتطور الأحداث إلى مسار ممتد يؤثر في صورة مستدامة في أسعار الطاقة أو شهية الأخطار عالميا"، لافتا إلى "امتلاك الاقتصاد عناصر احتواء مهمة تشمل مرونة سعر الصرف، وفجوة عائد إيجابية لصالح أدوات الدين المحلية، واحتياطيات مناسبة تسمح بامتصاص الصدمات تدريجيا".

Shutterstock
استمرار تذبذب أسعار الجنيه على إيقاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران

أما السفير ماجد رفعت، فيرى في حديثه الى "المجلة" أن هناك توقعات بهبوط كبير في البورصة المصرية خلال الأيام المقبلة قد يتراوح بين ثلاثة وأربعة في المئة أو أكثر.

كذلك يتوقع "خروج الأموال الساخنة المستثمرة في أدوات الدين المصرية، بما يؤدي إلى إضعاف الجنيه أمام الدولار". ويضيف "أن الحرب إذا طالت لأسبوعين أو أكثر فستترك آثارا اقتصادية كبيرة في اقتصادات الخليج، وقد تضطر صناديق الاستثمار الخليجية إلى التوقف ولو لفترة عن الاستثمار في مصر، فضلا عن احتمال تراجع تحويلات العاملين في الخليج للمصارف المصرية".

يقف الاقتصاد المصري اليوم على حافة احتمالات مفتوحة. بين صدمة طاقة قد تتجاوز 100 دولار للبرميل، وتعطل إمدادات الغاز، وتراجع محتمل في إيرادات قناة السويس، وضغوط على الجنيه والأسواق، وبين احتياطيات قوية وتدفقات نقدية داعمة وأصول استراتيجية تمنح مساحة مناورة.

font change

مقالات ذات صلة