الحرب وشلل هرمز... الشحن البحري يعيد رسم مساراته ويضاعف أسعاره

تعليق عمليات شركات النقل في الخليج يرفع حالة التأهب الأسيوية والأوروبية ويثير مخاوف عالمية

"المجلة"
"المجلة"

الحرب وشلل هرمز... الشحن البحري يعيد رسم مساراته ويضاعف أسعاره

في اليوم الخامس من الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، دخلت منطقة الشرق الاوسط مرحلة خطيرة من التصعيد الأمني والعسكري والاقتصادي، ولا سيما مع شبه إغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة التجارية، مما تسبب في رفع أسعار النفط وتكلفة الشحن والتأمين واضطراب الأسواق. وغدت دول الخليج هدفا لقصف خبيث، ضد منشآت مدنية وديبلوماسية وتجارية وسياحية، هي الأخطر منذ حرب الناقلات النفطية (الكويتية) خلال الحرب العراقية الإيرانية قبل أربعين سنة. ودعت واشنطن سفنها التجارية إلى "الابتعاد" عن مياه الخليج بسبب "عمليات عسكرية كبيرة"، وطلبت من جميع السفن المرتبطة بالولايات المتحدة الحفاظ على مسافة لا تقل عن ثلاثين ميلا بحريا من السفن العسكرية الأميركية في المنطقة.

ويرى محللون أن "الحرس الثوري" الإيراني يسعى من خلال الاعتداء على أهداف مدنية واقتصادية وتجارية وسياحية في دول الخليج، إلى توسيع نطاق المواجهة، عبر الضغط على حركة الطاقة والتجارة في المنطقة، بما قد يؤثر على الاقتصاد الإقليمي والعالمي، من خلال ارتفاع أسعار النفط والغاز وزيادة معدلات التضخم. كما قد يفرض ذلك ضغوطا إضافية على اقتصادات كبرى مثل الاتحاد الأوروبي والصين، الأكثر تأثرا بتقلبات الإمدادات وأسعار الطاقة.

أمن دول مجلس التعاون الخليجي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وفرنسا أرسلت حاملة الطائرات شارل ديغول وفرقاطاتها المرافقة إلى البحر المتوسط

وكشفت مصادر مطلعة في اتصال مع "المجلة": "أن دولا أوروبية وعربية منها فرنسا والمغرب، عرضت إرسال قوات إلى دول الخليج لحماية أمنها، مما سيشكل رسالة حازمة إلى إيران، مفادها أن أمن دول مجلس التعاون الخليجي خط أحمر لا يمكن تجاوزه".

وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمس، أنه أمر حاملة الطائرات شارل ديغول وطائراتها وفرقاطاتها المرافقة بالإبحار إلى البحر المتوسط، وذلك في أعقاب الوضع الراهن في الشرق الأوسط. وقال: "في ظل هذا الوضع غير المستقر، وما يكتنف الأيام المقبلة من غموض، أمرت حاملة الطائرات شارل ديغول، وطائراتها وفرقاطاتها المرافقة بالإبحار إلى البحر المتوسط". 

زمن الحرب وهدف إسقاط النظام

تختلف الحرب الحالية عن مثيلتها السابقة خلال شهر يونيو/حزيران من العام الماضي، التي كان هدفها المعلن تحجيم البرنامج النووي، وجر طهران إلى مفاوضات جنيف. وكان سقف المفاوضات المعلن هو تقليص مشاريع تخصيب اليورانيوم، ووقف تطوير أبحاث الطرد المركزي لإنتاج وقود المفاعلات النووية، فضلا عن التخلي عن صناعة الصواريخ الباليستية. وقال المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف "إن التخصيب بلغ 60 في المئة و(كان) يمكنه أن يصل 90 في المئة في أسبوع أو عشرة أيام".

وبعد أخطاء النظام المتكررة طيلة الفترة الماضية، ارتفع سقف الأهداف الأميركية في المنطقة، واتسع معها الحيز الزمني للحرب ليتجاوز أربعة أسابيع وليس 12 يوما فقط كما في الحرب الأخيرة.

.أ.ف.ب
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز، 25 يونيو 2025

في المقابل تجد إيران نفسها وفي وضع لا تحسد عليه، إذ تعاني من انهيار اقتصادي، وحراك شعبي داخلي، وعزلة إقليمية في الجوار، وتهديد خارجي بإطاحة الجمهورية الإسلامية، التي فقدت حلفاءها من فنزويلا إلى سوريا.

وبعدما كانت الحرب السابقة تعتمد على بضع مقاتلات من نوع "بي 52" و"أف 35" الشبحية، جاءت الحرب الجديدة بترسانة عسكرية أميركية غير مسبوقة منذ 2003 على الأقل. وتضم حاملات طائرات نووية عملاقة، منها "يو إس إس جيرالد فورد" (USS Gerald R. Ford) و"يو إس إس أبراهام لينكولن" (USS Abraham Lincoln) مجهزة بصواريخ ومقاتلات هي الأكثر تطورا في الطيران الحربي العالمي. ولا تخفي واشنطن نيتها في "تركيع" طهران، وإذلال النظام وتغييره طوعا أو كرها، بعد مقتل المرشد الأعلى وعشرات القادة الدينيين والعسكريين.

إغلاق مضيق هرمز لن يضر باقتصاد الخليج وحده، بل سيصيب شرايين آسيا والاقتصاد العالمي بالاختناق

في المقابل تعي إدارة ترمب إن القصف الجوي رغم نجاعته العسكرية، لا يضمن إسقاط نظام لا يتردد في إطلاق النار على شعبه. كما تدرك طهران أن تأزيم الاقتصاد العالمي من طريق إغلاق المنافذ البحرية قد يكون ورقة ضغط لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النظام.

الشحن البحري يعيد رسم مساراته واسعاره

في ضوء كل هذه التطورات، دفعت الحرب المستعرة في الشرق الأوسط، كبريات شركات سفن الشحن البحري الدولية، إلى تجنب المرور عبر مضيق هرمز أو الإبحار في محيطه. كما رفعت شركات التأمين أقساط المخاطر، مما زاد أسعار الشحن والطاقة، بعد انتقال جزء مهم من نشاط النقل البحري من غرب آسيا نحو جنوب المحيط الأطلسي. وتعرض عدد من ناقلات الشحن التجارية إلى أعمال عدائية منذ بداية الحرب، تسببت في حرائق وغرق بعض السفن. وفق وكالة السلامة البحرية البريطانية (UKMTO).

أ.ف.ب.
صورة فضائية تظهر تصاعد الدخان عقب انفجار في ميناء بندر عباس على مضيق هرمز، 2 مارس 2026

وينتشر "الحرس الثوري" الإيراني في مياه مضيق هرمز لمنع الحركة التجارية، ووقف تصدير الطاقة للإضرار باقتصادات دول الخليج، التي تعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات الطاقة. وهناك اعتقاد خاطئ أن عرقلة الملاحة البحرية قد يغير مجريات الحرب التي تريدها أميركا استسلاما. علما أن دول الخليج تملك قدرات دفاعية متطورة جدا، وفوائض مالية في صناديق سيادية استثمارية في عدد من القطاعات عبر العالم، تقدر بتريليونات الدولارات. ولن يكون لإغلاق هرمز تأثير أساسي على متانة أوضاعها الاقتصادية والمالية، لكن التأثير قد يطال بشكا أسرع اقتصادات دول عربية مستوردة للطاقة مثل مصر والمغرب وتونس ولبنان والأردن واليمن. 

ويخوض الجناح المتشدد داخل "الحرس الثوري" الحرب "عليَّ وعلى أعدائي"، ساعيا إلى توسيع دائرة الاعتداءات على دول الخليج والإضرار بالاقتصادين الإقليمي والعالمي، ورفع الأسعار والتضخم، وممارسة ضغوط على الاتحاد الأوروبي والصين المتضررين من ارتفاع أسعار النفط ومخاوف الإمدادات. أكان مدركا أم لا، يخدم "الحرس الثوري" بهذا السلوك الرئيس ترمب الذي دعّم مركزه كمزود رئيس لأوروبا بالغاز الطبيعي المسال بنسبة تجاوزت 58 في المئة خلال 2025، لترتفع إلى 60 في المئة في يناير/كانون الثاني 2026.

الصين تدعو لحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز لضمان تدفق النفط والغاز وتأمين التجارة الصينية التي تُقدَّر في 2025 بنحو 6.3 تريليونات دولار

كما سمحت واشنطن لبكين بالحفاظ على وارداتها من نفط فنزويلا بعد إطاحة الرئيس نيكولاس مادورو، التي تبلغ نحو 640 ألف برميل يوميا (نحو 75 في المئة) في عام 2025 من أصل 850 ألف برميل يوميا تنتجها كاراكاس.

 سفن الشحن الدولية تغادر الخليج ومضيق هرمز

 وخلال اليومين الأخيرين أمر مالكو السفن التجارية بوقف نشاط سفنهم الموجودة أو المتجهة نحو بحر العرب، والخليج الفارسي، والشرق الأوسط، بعد إغلاق "الحرس الثوري" مضيق هرمز. وصدرت تعليمات بتعليق المرور عبر قناة السويس أيضا حتى إشعار آخر، وهو ممر يصل إلى البحر الأبيض المتوسط، ومنه إلى مضيق جبل طارق. وتؤّمن هذه الطريق نحو ثلث التجارة العالمية العابرة للقارات، وهي الممر التاريخي بين المحيط الهندي والمحيط الأطلسي. وشكّل تجنب المرور عبر قناة السويس ضربة موجعة للاقتصاد المصري لاعتماده على هذا الممر البحري في مجال الإيرادات بالعملة الصعبة. وكانت عائدات القناة بلغت 4.2 مليار دولار العام الماضي، لكنها ظلت بعيدة عما كانت تحققه قبل الحرب في غزة إذ تجاوزت 10 مليار دولار عام 2023.

منذ ثلاث سنوات تتعرض هذه الطريق البحرية لمضايقات من قبل الحوثيين المحسوبين على إيران، بسبب أعمال القرصنة في مدخل باب المندب وممر خليج عدن. ومنذ اليوم الثاني للحرب، غيرت الناقلات مسارها نحو القارة الأفريقية عبر رأس الرجاء الصالح، على الرغم من طول المسافة الإضافية، وزيادة أكثر من 7،000 كلم في كل رحلة، بين موانئ شرق آسيا وشمال غرب أوروبا. وارتفعت بسبب ذلك تكلفة الشحن من 30 إلى 50 في المئة على السلع المحملة عبر هذه المسارات.

وقفزت الأجرة اليومية لناقلات الغاز الطبيعي المسال في حوض الأطلسي إلى أكثر من 200 ألف دولار، أي ما يقارب ضعف المستويات المسجلة قبل أقل من يوم، وفق أشخاص مطلعين على السوق.

ودعت الصين الى حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز أمام التجارة البحرية العالمية، وهي تضغط حاليا لضمان تدفق النفط والغاز، بسبب تأثير اغلاق الممرات البحرية في الشرق الاوسط على التجارة الصينية التي قدرت عام 2025 بنحو 6.3 تريليون دولار منها 3.77 تريليون من الصادرات و2.58 تريليون دولار من الواردات. وتمارس الصين ضغوطا على إيران لتجنب أي إجراءات انتقامية، تؤدي إلى تعطيل صادرات النفط والغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز. وتشتري الصين معظم صادرات النفط الإيرانية، لكنها تعتمد بشكل أكبر على الخليج العربي وجميعها تمر عبر هرمز.

توقفت تماما صادرات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، وعلّقت نحو 11 ناقلة للغاز نشاطها في المنطقة. وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من 50 في المئة 

"بلومبيرغ"

وقالت شركة الشحن الفرنسية "سي أم أيه سي جي أم" (CMA- CGM) والألمانية "هاباج لويد" (Hapag-Lloyd) إنها علقت جميع نشاطها التجاري البحري في الخليج العربي ومحيطه حتى إشعار آخر. وأمرت سفنها بالانتقال إلى مناطق آمنة تجنبا للمواجهات العسكرية في المنطقة. وأعلنت "ميرسك"، شركة الشحن الدنماركية، تجميد جميع عمليات عبور سفنها عبر مضيق هرمز. كذلك فعلت شركة "أم أس سي" (MSC) الإيطالية السويسرية، بإلغاء جميع حجوزات الشحن العالمية من الشرق الأوسط وإليه. وتحدث الاتحاد الأوروبي عن "حالة تأهب قصوى بسبب الأحداث في الشرق الأوسط"، وسط مخاوف أوروبية حقيقية من عودة شبح صدمة الطاقة العالمية.

اليابان ضمن المتضررين من إغلاق هرمز

وانضمت "الثلاث الكبار"، وهي أكبر شركات النقل اليابانية "نيبون يوسن كابوشيكي كايشا" (Nippon Yusen KK) و"كاواساكي كيسن كايشا" (Kawasaki Kisen Kaisha) و"ميتسوي أو.إس.كي لاينز" (Mitsui OSK Lines) إلى مثيلتها الأوروبية. وعلّقت أو قيّدت سفنها المتعاملة مع موانئ الخليج والشرق الأوسط، في حين تعتمد طوكيو بنسبة 90 في المئة على وارداتها من النفط والغاز الخليجي. وعبرت اليابان عن دعمها للعملية العسكرية الأميركية ضد إيران، وأدانت الاعتداء على دول الخليج، وإغلاق ممرات بحرية دولية. وقالت وكالة "بلومبيرغ" الاميركية "ان صادرات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز توقفت تماما، وعلّقت نحو 11 ناقلة للغاز نشاطها في المنطقة. وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من 50 في المئة خلال تعاملات امس على خلفية تصاعد الحرب مع إيران، لترتفع عوائدها إلى نحو 80 في المئة خلال يومين، عقب إعلان قطر وقف صادرات الغاز الطبيعي نتيجة الهجمات الإيرانية في مضيق هرمز.

"المجلة"

وبسبب القصف الايراني على منشآت أجنبية في قطر، التي تؤمن نحو 20 في المئة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميا، أوقفت الدوحة الإنتاج في رأس لفان، أكبر منشأة تصدير للغاز المسال في العالم، بعد هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية على الموقع.

زيادة أقساط التأمين وعلاوات أخطار الحرب

وفقا لبيانات تتبع حركة الشحن، قررت شركات التأمين البحري الدولية زيادة أقساط التغطية بنسبة 50 في المئة، على السفن التي تعبر الخليج العربي أو مضيق هرمز. وقال جاكوب لارسن، رئيس الأمن في "بيمكو" (Bimco)، إحدى أهم جمعيات مالكي السفن في العالم، إنه "من المرجح أن تجد السفن التي لها صلات تجارية بالولايات المتحدة أو إسرائيل صعوبة في الحصول على تغطية الأخطار". وقال محللون في "غوبال ريسك مانجمنت" لإدارة الأخطار: "في حال تواصلت الحرب فإن دولا مثل قطر والكويت ستجد صعوبة في التصدير. وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) إلى أن نحو 20% من تجارة النفط العالمية، ونحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال (LNG)، تمر يوميا عبر مضيق هرمز، مما يجعله أحد أهم ممرات الطاقة في العالم".

من جهته قال الخبير الاقتصادي رشيد الساري في تصريح لـ"المجلة" "إن إغلاق مضيق هرمز سيضر بالاقتصاد العالمي إذا تواصلت الحرب، واستمرت إيران في رد فعلها العدائي، لأن هذه العمليات الانتقامية سوف تؤدي إلى رفع تكاليف التأمين البحري وأسعار الطاقة، والحبوب، والمواد الخام، مما يضع العالم أمام منعطف سياسي واقتصادي وتجاري صعب".

font change

مقالات ذات صلة