عندما التقيت الشاب الكويتي فارس المهنا ذات يوم ماطر في بيروت، في أحد مطاعم وسط المدينة، كنت أعلم أنه لدينا اهتمامات موسيقية مشتركة، خاصة في حب فيروز وابنها زياد الرحباني، وهكذا أصلا تعرفت إليه عبر منصة "إنستغرام".
عند اللقاء اكتشفت أنه ليس مجرد مستمع عادي لفيروز، بل هو جامع لأبرز وأهم أسطواناتها الأصلية، التي بات يصعب إيجادها في الزمن الرقمي. ليس هذا وحسب، بل هو عبارة عن أرشيف فيروزي متنقل، يعرف كل خبايا وأسرار حفلاتها، خاصة في الخليج العربي، حتى يبدو مبهرا حجم المعلومات التي كونها عن فيروز وأغانيها، أين غنت وأين رفضت الغناء، وكواليس أرشيفها، وأدق تفاصيل حفلاتها.
فما الذي يجعل شابا كويتيا، في 33 من عمره، مختصا بالبرمجة الإلكترونية، يعشق فيروز، ولبنان أيضا، إلى هذه الدرجة؟
يقول فارس إن حبه لفيروز بدأ من البيت ومن الإذاعة في الكويت. الأثر الأهم في ذلك أن أمه لبنانية، فكان يمضي الصيف في مدينة زحلة في لبنان، وحبه للبنان أيضا كان مرتبطا بذلك، لكن والدته كانت مجرد بوابة لاكتشاف فيروز، فهو ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، حتى أصبح يعرف فيروز، ولبنان، أكثر مما تعرفهما والدته.
يقول فارس: "تربينا على صوت فيروز في الصباح قبل المدرسة، من دون أن يكون ذلك منظما أو مقصودا. لم تكن حاضرة في المناهج أو الأنشطة المدرسية، بل كانت جزءا طبيعيا من الحياة اليومية: في الراديو، وفي التلفزيون، وفي السيارة. في تلك المرحلة، كانت معرفتي محدودة، لا تتجاوز بعض أكثر أغنياتها شيوعا. كان هذا حبا بسيطا مرتبطا بالذاكرة والطفولة، أكثر من كونه شغفا واعيا. أول أغنية أذكرها بوضوح هي ’كتبنا وما كتبنا’ التي كانت أمي ترددها. أيضا ’هالسيارة مش عم تمشي’، التي كان سماعها متواترا".
التحول الحقيقي
التحول الحقيقي في التعمق والبحث عن أرشيف فيروز حصل عام 2011 خلال دراسة فارس في الولايات المتحدة الأميركية. هناك بدأ يبحث بنفسه عن فيروز: تاريخها، مراحلها، وأعمالها غير المعروفة. يقول إن صديقا من المنطقة الشرقية في السعودية (الخبر–الدمام) شاركه تسجيلات كثيرة، واكتشف حينها أن نحو 90–95% من أعمال فيروز لم يكن يعرفها. من هنا تحول الحب القديم إلى شغف واع.







