الكويتي فارس المهنا عاشق فيروز الذي يجمع أرشيفها وأغانيها الأصلية

يحلم بتأسيس منصة رقمية تكون أمينة لتاريخها

Aliaa Aboukhaddour
Aliaa Aboukhaddour

الكويتي فارس المهنا عاشق فيروز الذي يجمع أرشيفها وأغانيها الأصلية

عندما التقيت الشاب الكويتي فارس المهنا ذات يوم ماطر في بيروت، في أحد مطاعم وسط المدينة، كنت أعلم أنه لدينا اهتمامات موسيقية مشتركة، خاصة في حب فيروز وابنها زياد الرحباني، وهكذا أصلا تعرفت إليه عبر منصة "إنستغرام".

عند اللقاء اكتشفت أنه ليس مجرد مستمع عادي لفيروز، بل هو جامع لأبرز وأهم أسطواناتها الأصلية، التي بات يصعب إيجادها في الزمن الرقمي. ليس هذا وحسب، بل هو عبارة عن أرشيف فيروزي متنقل، يعرف كل خبايا وأسرار حفلاتها، خاصة في الخليج العربي، حتى يبدو مبهرا حجم المعلومات التي كونها عن فيروز وأغانيها، أين غنت وأين رفضت الغناء، وكواليس أرشيفها، وأدق تفاصيل حفلاتها.

فما الذي يجعل شابا كويتيا، في 33 من عمره، مختصا بالبرمجة الإلكترونية، يعشق فيروز، ولبنان أيضا، إلى هذه الدرجة؟

يقول فارس إن حبه لفيروز بدأ من البيت ومن الإذاعة في الكويت. الأثر الأهم في ذلك أن أمه لبنانية، فكان يمضي الصيف في مدينة زحلة في لبنان، وحبه للبنان أيضا كان مرتبطا بذلك، لكن والدته كانت مجرد بوابة لاكتشاف فيروز، فهو ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، حتى أصبح يعرف فيروز، ولبنان، أكثر مما تعرفهما والدته.

يقول فارس: "تربينا على صوت فيروز في الصباح قبل المدرسة، من دون أن يكون ذلك منظما أو مقصودا. لم تكن حاضرة في المناهج أو الأنشطة المدرسية، بل كانت جزءا طبيعيا من الحياة اليومية: في الراديو، وفي التلفزيون، وفي السيارة. في تلك المرحلة، كانت معرفتي محدودة، لا تتجاوز بعض أكثر أغنياتها شيوعا. كان هذا حبا بسيطا مرتبطا بالذاكرة والطفولة، أكثر من كونه شغفا واعيا. أول أغنية أذكرها بوضوح هي ’كتبنا وما كتبنا’ التي كانت أمي ترددها. أيضا ’هالسيارة مش عم تمشي’، التي كان سماعها متواترا".

التحول الحقيقي

التحول الحقيقي في التعمق والبحث عن أرشيف فيروز حصل عام 2011 خلال دراسة فارس في الولايات المتحدة الأميركية. هناك بدأ يبحث بنفسه عن فيروز: تاريخها، مراحلها، وأعمالها غير المعروفة. يقول إن صديقا من المنطقة الشرقية في السعودية (الخبر–الدمام) شاركه تسجيلات كثيرة، واكتشف حينها أن نحو 90–95% من أعمال فيروز لم يكن يعرفها. من هنا تحول الحب القديم إلى شغف واع.

اكتشفت أن فيروز هي لبنان على هيئة إنسان: ليس لبنان الواقع فقط، بل لبنان الخير والثقافة والنقاء الذي نطمح إليه

مع هذا التعمق، اكتشف المهنا أن فيروز ليست مغنية فحسب، فهي ممثلة مسرح وسينما أيضا، حضورها الإنساني هادئ ومتماسك، وصمتها في المقابلات الإذاعية والتلفزيونية أحيانا أبلغ من الكلام. يقول: "تعرفت اليها في المؤتمرات، وفي الكواليس، وفي الاستوديو والتمارين. اكتشفت فيروز في التراتيل، في الصوت الروحي. وعندها أدركت أنها ليست فنانة عادية. اكتشفت أن فيروز هي لبنان على هيئة إنسان: ليس لبنان الواقع فقط، بل لبنان الخير والثقافة والنقاء الذي نطمح إليه".

Haitham Mussawi / AFP
فيروز تغني في كنيسة في بيروت خلال رتبة الجمعة العظيمة، 9 أبريل 2004

بداية الأرشيف

البداية كانت عفوية إنما كاشفة، يقول فارس المهنا، فأول قطعة اقتناها كانت طابعا بريديا لبنانيا بإصدار خاص لفيروز، ولم يكن يعلم بوجوده أصلا. بعدها اقتنى كتاب رحلة فيروز إلى الولايات المتحدة عام 1980، بما يتضمنه من ترحيب وآراء لشخصيات سياسية وثقافية أميركية.

خلال دراسته في الولايات المتحدة، وبسبب اهتمامه بالتاريخ اللبناني، بدأ فارس البحث عبر منصات مثل "إيباي"، ولاحظ أن تسجيلات فيروز القديمة متاحة خارج لبنان أكثر مما في داخله.

بين عامي 2016 و2017، ومع إغلاق محلات الكاسيت في الكويت، شعر فارس أن إرثا كاملا يختفي. تحول الفضول إلى إحساس بالمسؤولية، وبدأ يجمع كل ما يستطيع الوصول إليه مما يخص فيروز وزياد الرحباني، وركز في البداية على أشرطة الكاسيت لأنها معرضة للاندثار مع التطور التكنولوجي الذي جعلها غير ذات أهمية.

مع الوقت، لم يعد فارس يجمع بشكل عشوائي، بل زادت معرفته وثقافته بهذه المقتنيات الموسيقية، يقول: "بدأت أميز بين الإصدارات المختلفة، وخصوصا بين أشرطة 'صوت الشرق'، وهي شركة الإنتاج المرتبطة بفيروز في لبنان، وبين أشرطة 'النظائر' التي كانت تصدر في الكويت. هذا التمييز لم يكن تقنيا فقط، بل كان تاريخيا وثقافيا، لأن كل جهة إنتاج كانت تعكس سياقا مختلفا في انتشار أعمال فيروز وتلقيها في لبنان وفي الكويت والخليج.

لاحقا، وبعدما شعرت أن ما يخص فيروز من أشرطة كاسيت أصبح محدودا، انتقلت إلى عالم الأسطوانات، واكتشفت أنه أوسع وأكثر تعقيدا من حيث النسخ والطبعات وتاريخ الإصدار.

في بداياتي، لم أكن أعرف كيف أميز بين النسخة القديمة والجديدة. مع الوقت، وبالتواصل مع جامعين آخرين والإطلاع على مصادر مختلفة، تطور هذا الوعي، وأصبح الجمع عندي مبنيا على الفهم لا على الكمية. لم أعد أبحث عن امتلاك العمل، بل عن فهم تاريخه ومساره".

بعدما شعرت أن ما يخص فيروز من أشرطة كاسيت أصبح محدودا، انتقلت إلى عالم الأسطوانات، واكتشفت أنه أوسع وأكثر تعقيدا من حيث النسخ والطبعات

خلال هذا البحث اكتشف فارس أن كثيرا من الأغاني التي كنا نسمعها منفصلة، كانت في الأصل جزءا من مسرحيات وأفلام، وعندها لم يعد الهدف الأغنية فحسب، بل العمل الكامل وسياقه السياسي والإجتماعي. هنا تحول الجمع بالنسبة إليه من مجرد اقتناء إلى محاولة أرشفة ذاكرة.

حصل فارس على المقتنيات من مصادر متعددة خلال السنوات الماضية التي بدأ فيها البحث. من الكويت ولبنان، ومن الخليج العربي، خصوصا البحرين والسعودية، إضافة إلى أوروبا وأميركا الشمالية وبريطانيا وألمانيا، وأوكرانيا. وفي بعض الحالات، كانت المقتنيات تأتي عبر مزادات أو مصادر غير مباشرة. ومع الوقت، لاحظ أن جزءا مهما من أرشيف فيروز محفوظ خارج لبنان، سواء عند جامعين أفراد أو ضمن إصدارات لم تكن متاحة بسهولة داخل المنطقة.

لا يستطيع المهنا تحديد رقم دقيق للتكلفة المادية لهوايته هذه. فهو لم يتعامل معها يوما على أنها تكلفة مادية، بل كاستثمار ثقافي ووجداني. وهو متأكد أن القيمة المادية لما يملكه اليوم أصبحت أعلى منها عند الشراء، بحكم الندرة والوقت، لكن هذا لم يكن الهدف في طبيعة الحال.

القيمة الحقيقية بالنسبة إليه ليست مادية، بل معنوية: حب الفن، والتاريخ، وحب فيروز ومن عمل معها. ما جمعه يمثل له علاقة شخصية مع أعمال فيروز، لا مشروعا تجاريا.

 Hasan Mroue / AFP
فيروز في حفل غنائي في مسرح جامعة عمّان، الأردن، 25 سبتمبر 2004

هل تكلل هذا الجهد بمشاهدة حفلة حية لفيروز؟

"للأسف لا"، يجيب المهنا، لم يشاهد في حياته أي حفلة لفيروز، وهذا بسبب صغر سنه، ولأن آخر حفلة أقامتها فيروز كانت قبل 15 عاما. يقول إنه كانت لديه فرصة لحضور آخر ظهور لها في ديسمبر/ كانون الأول 2011، خلال حفلة أعياد الميلاد في ساحل علما بلبنان، لكن ظروف الدراسة في الولايات المتحدة في نهاية الفصل الدراسي حالت دون ذلك.

فيروز حاضرة في وجدان أهل الخليج. في السبعينات والثمانينات كان الفن اللبناني حاضرا بقوة في الكويت، التي كانت من أكثر دول الخليج انفتاحا ثقافيا

في تلك الفترة، أقنع أصدقاءه بالذهاب إلى الحفلة، وكانت تجربتهم مؤثرة وجميلة جدا، واتضح لاحقا أنها كانت من آخر الحفلات الكبيرة التي قدمتها فيروز. ورغم شعوره بالندم الشخصي، فإنه يشعر بالرضا لأنه كان سببا في أن يعيش غيره تلك التجربة ويحتفظ بها كذكرى لا تنسى.

فيروز وأهل الخليج

لا شك في شعبية فيروز الواسعة في العالم العربي، ولكن هنالك نظرة أو فكرة ربما تكون نمطية أو ناشئة عن طبيعة أغاني فيروز، بأنها محبوبة أكثر في بلاد الشام، خاصة سوريا ولبنان وفلسطين، وهي كانت غنت لهذه البلاد مما جعل هذه الفكرة أكثر وضوحا في تفكير محبيها، ولكن ماذا عن أهل الخليج عامة، والكويت خاصة، وكيف ينظرون إلى فيروز؟

Nasser Younes / AFP
فيروز تغني في صالة التزلج في الكويت، 3 مايو 2001، في أول حفل لها في الخليج بعد حرب 1991، بمرافقة أوركسترا من 48 موسيقيا

يقول فارس: "فيروز حاضرة في وجدان أهل الخليج، وخصوصا في الكويت. في السبعينات والثمانينات كان الفن اللبناني حاضرا بقوة في الكويت، التي كانت من أكثر دول الخليج انفتاحا ثقافيا، سواء من حيث استقبال الفنانين أو احتضان الإنتاجات الفنية العربية".

من المحطات الخليجية المبكرة لفيروز، حفلة الكويت عام 1966، كما هو متداول ضمن تسجيلات تلك المرحلة. ومن الأغاني المرتبطة بالكويت أغنية "مرحبا يا عيد بلادي" من كلمات الشاعر الكويتي عبد المحسن الرشيد البدر، الذي يرجح المهنا أنه الشاعر الخليجي الوحيد الذي غنت له فيروز.

Hasan Mroue / AFP
فيروز تغني في قلعة عراد في المنامة، البحرين، 12 مارس 2008، في حفل اختُتم بثلاث وصلات إضافية وسط تصفيق حار

يعتبر فارس أن هذا التقارب لم يأت من الفن وحده، بل من الواقع الاجتماعي أيضا. بحيث كان هناك إقبال كبير من الكويتيين على زيارة لبنان في بدايات حركة الطيران والسفر، وامتلك كثيرون عقارات هناك، مما خلق تقاربا ثقافيا واجتماعيا. كما شهدت الكويت في بداياتها وجود جالية لبنانية كبيرة، إلى جانب حالات مصاهرة وزواج بين المجتمعين، كما في حالته هو، مما عزز التفاهم والتبادل الثقافي بين الطرفين.

ويعتبر أن هذا التشابك الاجتماعي سهّل تعرف المجتمع الكويتي الى الفن اللبناني، وجعل حضور فيروز مفهوما وقريبا، حتى وإن كانت العلاقة العاطفية معها في بلاد الشام أعمق بحكم الانتماء الجغرافي والثقافي لهذه البلاد.

وبحسب معلومات فارس وذاكرته، يرجح أن آخر حفلة لفيروز في الخليج كانت في "قلعة عراد" في البحرين عام 2008.

سحر الندرة

ما أندر أسطوانة تمتلكها لفيروز؟ وكيف حصلت عليها؟

"عندما بدأت التجميع لم أكن أفكّر بفكرة الندرة. كنت أشتري ما أجده وما يهمني فنيا، ولم أكن أميز أي الأسطوانات نادرة وأيها لا. مع مرور الوقت وكثرة التجميع، بدأت أكتشف أن الأسطوانة التي لا أملكها هي غالبا النادرة، لأن الوصول إليها يصبح أصعب.

أغنيتي المفضلة، التي أعتبرها من حيث اللحن والكلمات والأداء الأغنية الأكمل لفيروز، هي "يا ريت منن"

اليوم أصبحت الندرة مرتبطة بعوامل عدة، منها صعوبة خروج الأسطوانات من لبنان بعد الظروف التي مرت بها البلاد، ومنها ازدياد الاهتمام العالمي بالفينيل. أصبح من السهل العثور على الإصدارات الحديثة أو الـ remastered، لكن الأصعب هو العثور على المسرحيات الكاملة، وليس فقط المقاطع أو الـ highlights. هذه الأعمال تحديدا أصبحت نادرة جدا.

من الأمثلة على ما أبحث عنه حتى اليوم مسرحية "يعيش يعيش"، التي ما زلت أحاول العثور على نسخة كاملة منها، سواء في لبنان أو في بلدان أخرى، لكنها من الأعمال التي أصبح الحصول عليها صعبا جدا.

والندرة لا تقتصر على فيروز فقط. مثلا، هناك أسطوانة لزياد الرحباني "أبو علي"، وهي متوفرة أحيانا لكن بأسعار مرتفعة جدا قد تصل إلى 1600 أو 1800 دولار. هنا يدخل الجامع في مرحلة مختلفة: هل تستحق القطعة هذا السعر أم الأفضل الانتظار؟ لأن قيمة الأسطوانة ترتفع عندما يعرف صاحبها أنها نادرة، بينما بعض المهتمين بالفينيل يكتفون بالإصدارات الجديدة لأسباب جمالية أو للاستماع فقط، أما من يبحث عن النسخ القديمة فهو يبحث عن قيمتها التاريخية".

فتنة البروفة

هل اكتشفت عبر الفينيل أو الكاسيت تسجيلات أو أغنيات لفيروز لم تكن تعرفها من قبل؟

"نعم، خصوصا من خلال تسجيلات المسرحيات. اكتشفت أن بعض الحوارات أو النهايات كانت تتغير بين عرض وآخر، كما حدث مثلا في مسرحية "المحطة"، وهذا فتح باب الاهتمام بتاريخ العروض نفسها، وليس بالأغنية فقط.

Stephane de Sakutin / AFP
ركن مخصص لفيروز ضمن معرض "Divas" في معهد العالم العربي في باريس، 19 أغسطس 2021

أيضا من خلال الكاسيت، تبين أن هناك اختلافات بين إصدارات الخليج وإصدارات الشرق الأوسط، أحيانا في ترتيب الأغاني أو في النسخ المستخدمة. أما الأغاني النادرة، فبعضها انتشر لاحقا عبر الإنترنت، خصوصا عبر SoundCloud، بسبب غياب حفظ الحقوق في بعض التسجيلات القديمة.

صوت فيروز في البروفات يحمل صدقا مختلفا، وأحيانًا أراه أقرب وأكثر قوة من تسجيلات الاستوديو

ومن الأمور التي أثرت فيّ كثيرا سماع البروفات والتسجيلات غير الرسمية.

هناك تسجيلات تُظهر فيروز في لحظة التحضير، أو في الاستوديو قبل النسخة النهائية، وحتى تسجيلات خلف الكواليس. بالنسبة لي، صوت فيروز في البروفات يحمل صدقا مختلفا، وأحيانا أراه أقرب وأكثر قوة من تسجيلات الاستوديو، لأن اللحظة تكون حية وغير مصقولة بالكامل على سبيل المثل بروفا "بكرم اللولو"، تسجيل "كيفك انت" الاول وليس البروفا المتوفرة في الالبوم بل عرضها زياد في احدى مقابلاته، بروفا تذكرك بالخريف الذي تقدر أن تسمع فيها صوت الكرسي الخشبي ببداية التسجيل، غير ذلك تسجيلات بروفات وراء كواليس لفيروز التي عرضتها ريما في السنوات الاخيرة، وتسجيل عايشة وحدا بلاك غير المتوفرة بشكل رسمي الا بصورة مسربة من احدى ليالي حفلاتها في بيت الدين".

فيروز على الفينيل

ما الذي تمنحك إياه تجربة الاستماع إلى فيروز على الفينيل تحديدا؟ وكيف تشرح خصوصية هذه التجربة؟

"الاستماع إلى فيروز على الفينيل ليس مجرد اختلاف في الصوت، بل اختلاف في طريقة الاستماع نفسها. في الزمن الرقمي أصبحت الموسيقى سريعة ومتاحة دائما، وغالبا تتحول إلى خلفية للحياة اليومية. أما الفينيل فيجبرك أن تتوقف، أن تختار ما ستسمعه، وأن تعيش العمل من بدايته إلى نهايته.

AFP
فيروز في حديقة منزلها في منطقة الرابية شمال شرق بيروت، 24 يونيو 1972

هناك نوع من الالتزام في التجربة. أنت تمنح العمل وقتك وانتباهك. هذا يحوّل الاستماع من عادة يومية إلى تجربة حقيقية. ومع فيروز تحديدا، يصبح هذا الإحساس أوضح، لأن صوتها قائم على التفاصيل والهدوء والمساحات الصامتة بين الجمل.

بالنسبة لي، أشعر أنني لا أستمع إلى تسجيل فقط، بل إلى لحظة محفوظة من زمن آخر".

بعد سنوات من البحث والتجميع، هل ما زال شعور العثور على أسطوانة أو تسجيل جديد يمنحك المتعة نفسها؟

"بالعكس، أصبح أجمل من السابق. في البداية كانت المتعة في الاكتشاف نفسه، أما اليوم فأصبحت في التفاصيل. بعد سنوات من التجميع، لم أعد أشتري أي شيء أجده، بل أبحث عن النواقص تحديدا: إصدار لم أره من قبل، غلاف مختلف، أو طباعة مختلفة للأسطوانة نفسها.

ومع صعوبة العثور على هذه القطع اليوم، أصبحت اللحظة أمتع، لأن الوصول إليها يحتاج وقتا وصبرا أكثر. كلما أصبحت الأشياء أصعب، أصبحت قيمتها المعنوية أكبر، وأصبح الشعور بالعثور عليها أهدأ لكنه أعمق".

فيروز زياد أو فيروز الأخوين رحباني

كل عاشق لفيروز لديه تأرجح في القلب والعقل بين حب أغاني الأخوين رحباني وحب أغاني ابن فيروز، زياد الرحباني، بسبب أن زياد غير كثيرا في النمط الموسيقي وفي كلمات الأغاني، وجعل فيروز تغني كلمات لم يخطر في بال أحد أن تؤديها، فما الذي يفضله فارس أكثر: فيروز الأخوين رحباني أو فيروز زياد؟

يجيب: "بدأت علاقتي الموسيقية مع فيروز من خلال أعمال الأخوين رحباني، بحكم انتشارها وشعبيتها، لكن مع التعمق في الاستماع، انجذبت بشكل واضح إلى ألحان فيلمون وهبي، لما تحمله من قوة لحنية وإيقاع مختلف. وفي فترة من الفترات، كانت أغنيتي المفضلة، التي أعتبرها من حيث اللحن والكلمات والأداء الأغنية الأكمل لفيروز، هي "يا ريت منن"، إذ كان كل عنصر في هذه الأغنية في مكانه الصحيح، بشكل كامل ومتوازن".

الاستماع إلى فيروز على الفينيل ليس مجرد اختلاف في الصوت، بل اختلاف في طريقة الاستماع نفسها

لاحقا، توسع في الاستماع إلى أعمال مجموعة واسعة من الشعراء والملحنين الذين تعاونت فيروز معهم، مثل سعيد عقل وجوزيف حرب وطلال حيدر ومحمد عبد الوهاب وزكي ناصيف، ووجد متعة خاصة في تنوع المدارس والأساليب التي قدمت من خلالها فيروز أعمالها.

مع ذلك، يعتبر أن القمة الفنية بالنسبة له كانت مرحلة زياد الرحباني. فهو قدم فيروز بشكل مختلف عما اعتاده الجمهور سابقا، وفهم صوتها بطريقة جديدة، ونجح في دمجه مع موسيقى أقرب إلى "الجاز" الذي اعتاد زياد العمل عليه، أو إلى الطرب العربي بصيغة معاصرة. هذه المرحلة جعلت فيروز أقرب إلى الأجيال الجديدة، لأنها عبرت عنهم بلغة موسيقية صادقة ومعاصرة، دون أن تفقد هويتها أو قيمتها الفنية.

وبحكم حبه العميق لأعمال زياد الرحباني، سواء في مسرحياته أو أغانيه أو حتى في النقاشات والجدل الفكري والسياسي الذي كان يدور حوله، أصبحت هذه المرحلة الأقرب الى فارس والأفضل لديه مع فيروز. يقول: "زياد لم يكن مجرد ملحن أو مؤلف موسيقي، بل حالة فكرية عشناها وعشنا معه تفاصيلها، وهذا ما جعل تعاونه مع فيروز بالنسبة إليّ الأكثر صدقا وقربا وتأثيرا".

ماذا بعد رحيل زياد؟

شكل رحيل زياد صدمة كبيرة لمحبيه، وكذلك صدمة لمحبي فيروز، الأم التي دفنت إبنها الثاني، بعد موت ابنتها ليال في الثمانينات، ثم رحيل إبنها الثالث هلي في بداية العام 2026، بعد 6 أشهر من موت زياد.

يقول فارس: "زياد الرحباني عاش معنا، وعشنا معه كل شيء: أفكاره السياسية، مواقفه، علاقاته، وحتى إحباطاته وعدم رضاه الدائم. هذا القرب جعلنا نشعر أنه واحد منا. ربما كان قلقه وعدم تصالحه مع الواقع جزءا أساسا من صدق فنه، وهو ما جعله قريبا من الشباب، ومفهوما لديهم، ومعبرا عنهم.

 فن زياد يعكس واقعنا بشكل مباشر، لا أكاد أجد مسرحية أو ألبوما له لا يعبر عن علاقاتنا الفاشلة، عن الحب غير المكتمل، عن الخيبات، وعن الأسئلة التي لا نملك إجابات واضحة عنها. هذا الصدق هو ما جعل أعماله تعيش معنا يوميا، لا كذاكرة فنية فقط، بل كجزء من حياتنا".

حضر فارس عزاء هلي، وكانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها فيروز عن قرب: "لم تكن لحظة فنية أو جماهيرية، بل لحظة إنسانية خالصة. حضورها كان صامتا، هادئا، ومليئا بالكرامة، بطريقة تشبه حضورها في صوتها وأغانيها. في تلك اللحظة، شعرت أن فيروز ليست مجرد رمز أو أسطورة، بل إنسانة تحمل العمق والهدوء اللذين نعرفهما عنها فنيا".

يعتبر فارس أن رحيل زياد لم يجعله يفكر في فقد فيروز بقدر ما جعله يفكر أكثر في وجودها: "فيروز بالنسبة إلي ليست حالة زمنية تنتهي، بل حضور مستمر، وصوت باق، وذاكرة حية تتجاوز فكرة الغياب".

AFP
فيروز على مسرح بيكاديللي في بيروت عام 1975 خلال عرض مسرحية "ميس الريم"، إلى جانب زياد الرحباني ووليم حسواني.

الأرشيف والمستقبل

ماذا بعد كل هذين الشغف والعناء في تجميع أرشيف فيروز، ما أهداف فارس، وهل سيبقى أرشيفه ضمن السياق الخاص، أم أنه يفكر بمشروع أكبر يشاركه مع محبي فيروز في الكويت والعالم؟

يجيب فارس عن هذا السؤال: "لدي حلم واضح ومحدد. بحكم عملي في تطوير المنصات الرقمية، أحلم بإنشاء أرشيف رقمي شامل لفيروز، يكون مرجعا حقيقيا لتاريخها الفني والإنساني. أرشيف يجمع الحفلات والمسرحيات والأفلام والمقابلات الإذاعية والتلفزيونية، والتراتيل، وترتيب الأغاني واختلاف الليالي والعروض، لأن كثيرا من هذه التفاصيل غير موثق في مكان واحد.

فيروز ليست حالة زمنية تنتهي، بل حضور مستمر، وصوت باق، وذاكرة حية تتجاوز فكرة الغياب

ومع كل ما أملكه اليوم من مقتنيات وأرشيف، أؤمن بأن لا شيء مكتملا. لا أنا ولا غيري ممن جمعوا قبلنا، نملك الصورة الكاملة. لذلك أحرص دائما على التواصل مع جامعين آخرين، ومع أشخاص قابلوا فيروز أو حضروا حفلاتها، لأن الذاكرة الحية والشهادات الشخصية لا تقل أهمية عن أي تسجيل أو وثيقة".

Louai Beshara / AFP
لوحة إعلانية في دمشق تعلن عودة فيروز إلى سوريا عام 2008 بعد غياب أكثر من عشرين عاما مع مسرحية "صح النوم"

ويختم المهنا: "أتمنى أن يرى هذا المشروع النور يوما ما بدعم أو إشراف من ريما الرحباني، ليكون الأرشيف دقيقا، محترما، وأمينا لتاريخ فيروز، لا اجتهادا فرديا أو قراءة ناقصة. هدفي ليس التملك ولا الادعاء، بل الحفظ: أن تبقى فيروز حاضرة في الوعي الثقافي العربي، وأن يكون تاريخها متاحا للأجيال المقبلة بطريقة تليق بقيمتها الفنية والإنسانية".

font change