خطا "شرق-غرب" السعودي و"سوميد" المصري كشريانين بديلين للنفط

رئيس "أرامكو السعودية" يحذر من "عواقب كارثية" إذا استمر إغلاق هرمز

سارة بادوفان
سارة بادوفان

خطا "شرق-غرب" السعودي و"سوميد" المصري كشريانين بديلين للنفط

في وقت تتجه كل الأنظار الى تطورات إغلاق مضيق هرمز، وتاليا أسعار النفط والغاز، والتداعيات الاقتصادية العالمية المتعاظمة لحرب إيران، حذر الرئيس التنفيذي لشركة "أرامكو السعودية" أمين الناصر، أن ​أسواق النفط العالمية يمكن أن تتعرض "عواقب كارثية على ⁠أسواق النفط العالمية"، إذا استمرت حرب إيران في تعطيل الشحن عبر مضيق هرمز، و"كلما طال أمد ‌هذا الاضطراب زادت ‌حدة التداعيات على الاقتصاد العالمي". ولفت الى أن تأثير هذا الاضطراب لا يقتصر على قطاعي الشحن والتأمين ‌فحسب، بل ‌ينذر بعواقب متسلسلة ​وخيمة ‌على ⁠قطاعات الطيران والزراعة ​والسيارات وغيرها.

وقال في مؤتمر صحافي صباح اليوم، لإعلان نتائج الشركة لعام 2025، أن مخزونات النفط العالمية بلغت أدنى مستوياتها في خمس سنوات، وأن الأزمة ستؤدي إلى تسارع وتيرة انخفاض المخزونات، مضيفا أن استئناف حركة الملاحة في المضيق أمر بالغ الأهمية.

وأضاف "على الرغم من أننا واجهنا اضطرابات في الماضي، فإن ‌هذه الأزمة هي الأكبر ‌على الإطلاق، وبفارق كبير، التي يواجهها قطاع ​النفط ‌والغاز في ⁠المنطقة".

وفي الوقت الراهن، توقفت أرامكو عن تصدير النفط عبر الخليج بسبب عدم إمكانية تحميل الشحنات على ⁠السفن. وتعوض السعودية النقص الحاد في الأسواق جزئيا عبر المنفذ الوحيد خط أنابيب "شرق-غرب" لنقل الخام العربي الخفيف والخفيف جدا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وتوقع الناصر أن يصل الخط إلى طاقته الكاملة البالغة سبعة ملايين برميل يوميا خلال اليومين المقبلين مع إعادة توجيه العملاء لخطوط الشحن.

رويتر
الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، أمين الناصر، يتحدث خلال مبادرة الاستثمار المستقبلية (FII) في الرياض، 29 أكتوبر 2024.

وذكر ​الناصر أن حريقا ‌صغيرا اندلع الأسبوع الماضي في مصفاة ‌رأس تنورة التابعة لشركة أرامكو، وهي أكبر مصفاة في السعودية، وقد تم إخماده والسيطرة عليه بسرعة، مضيفا أن المصفاة في طور إعادة التشغيل.

"بترولاين" الشريان السعودي

في كل مرة تتصاعد التوترات العسكرية في الخليج العربي، يتجه نظر العالم سريعا إلى مضيق هرمز، الممر البحري الذي يتحكم بجزء كبير من تدفقات الطاقة العالمية. فالمضيق الذي يمر عبره نحو خمس النفط المستهلك عالميا (20 في المئة)، إضافة إلى ربع تجارة الغاز الطبيعي المسال تقريبا، يمثل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. كل هذه الخصائص تجعل أي تهديد للملاحة فيه كفيلا إرباك الأسواق ورفع مستويات القلق لدى الدول المستوردة للطاقة.

ومع تصاعد المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وتزايد الأخطار التي تتهدد الملاحة في المضيق، يتركز النقاش في الاسواق وبين الخبراء حول قدرة البنية التحتية الإقليمية على توفير مسارات بديلة لنقل النفط والغاز في حال تعطل الملاحة في هذا الممر الحيوي.

في هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية بوصفهما محورين رئيسين في أي ترتيبات بديلة لتدفقات الطاقة، من خلال خط "شرق-غرب" السعودي المعروف باسم "بترولاين" وخط أنابيب "سوميد" المصري الذي يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط.

يُعَد خط "شرق-غرب" السعودي أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في البنية التحتية للطاقة في المنطقة  في الشرق الاوسط

يُعَد خط "شرق-غرب" السعودي أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في البنية التحتية للطاقة في الشرق الاوسط. فالخط الذي يمتد لمسافة تقارب 1,200 كيلومتر، ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية في المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، حيث يمكن تصديره إلى الأسواق العالمية من دون المرور بمضيق هرمز. 

وتُقدّر طاقته الاستيعابية الكاملة بنحو 7 ملايين برميل يوميا، مما يجعله أحد أبرز الخيارات البرية لتصدير النفط السعودي مع تعطل الملاحة في الخليج، كما هو حاصل حاليا. وقد أعادت شركة "أرامكو السعودية" توجيه بعض الشحنات إلى ميناء ينبع كخيار للعملاء الذين لا يستطيعون الدخول إلى الخليج العربي بسبب الأخطار الأمنية.

وتؤكد "أرامكو"، أنها تواصل تقييم الظروف بهدف استئناف الإجراءات المعيارية، وأن أي تعديل حالي مؤقت، ويرتبط بتقييم مستمر للأوضاع قبل العودة إلى آليات الشحن المعتادة. وفي الواقع، يعكس هذا الإجراء مرونة البنية التحتية التصديرية للمملكة، التي تملك منافذ على الخليج العربي والبحر الأحمر، بما يسمح بإدارة التدفقات النفطية وفقا للظروف التشغيلية.

غلوبال داتا
يوفر خط أنابيب "شرق–غرب" حماية محدودة لاستقرار أسواق النفط في العالم

ويشدد الخبراء على أن تعزيز أمن الطاقة في الخليج على المدى الطويل يجب أن يعتمد على مسارات تصدير بديلة، خصوصا خطوط الأنابيب، بدلا من الاعتماد على الحماية العسكرية لناقلات النفط في مضيق هرمز. ويعتبر خط أنابيب "شرق–غرب" السعودي كأحد أهم هذه البدائل الاستراتيجية. إذ يتيح للمملكة تحويل جزء كبير من صادراتها في حال تعرض الملاحة عبر المضيق للاضطراب أو التوقف.

ويوجد بنى تحتية مشابهة في المنطقة، مثل خط أنابيب أبوظبي–الفجيرة، إلا أن "بترولاين" يظل من أهم المسارات البديلة في الخليج نظرا لحجمه الكبير وارتباطه بموانئ التصدير على البحر الأحمر.

خط "سوميد" الشريان المصري

ويمثل خط أنابيب "سوميد" المصري أحد أهم مسارات نقل النفط في المنطقة، إذ يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط عبر الأراضي المصرية. ويعمل الخط عبر أنبوبين بقطر 42 بوصة لكل منهما وبطاقة نقل تبلغ نحو 2.5 مليون برميل يوميا. ويمتد الخط لمسافة تقارب 320 كيلومترا بين العين السخنة على خليج السويس وسيدي كرير على الساحل الشمالي في الإسكندرية، قاطعا وادي النيل ومخترقا الصحراء الغربية قبل وصوله إلى الساحل الشمالي. 

وقد شُيّد الخط في أوائل السبعينات ليكون بديلا لنقل النفط عندما تكون الناقلات أكبر من أن تعبر قناة السويس. واليوم يدخل عامه الثاني والخمسين، ويُعَد أحد نماذج التكامل الاقتصادي العربي، إذ تسهم في ملكيته دول خليجية عدة إلى جانب الهيئة المصرية العامة للبترول التي تمتلك الحصة الكبرى فيه. وتبلغ الطاقة التخزينية لمحطتيه في العين السخنة وسيدي كرير نحو 38 مليون برميل.

في الثالث من مارس/آذار المنصرم، أكد وزير النفط المصري، كريم بدوي، قدرة مصر على تسهيل نقل النفط الخام عبر "سوميد".  كما أكد وزير النفط المصري الأسبق، أسامة كمال في تصريحات أن "سوميد" لا  يحل محل مضيق هرمز بالكامل، لكنه خيار عملي يسهم في تخفيف الضغوط على صادرات النفط. أما رئيس وحدة العلاقات الدولية وبرنامج دراسات الطاقة في "مركز الأهرام للدراسات"، الدكتور أحمد قنديل، فقال إن الاستفادة من الخط تسهم في استقرار الأسواق العالمية وتقليل الأخطار على الإمدادات، فضلا عن تعزيز مكانة مصر كشريك موثوق به في إدارة ملفات الطاقة الإقليمية والدولية.

شُيّد "سوميد" في أوائل السبعينات ليكون بديلا لنقل النفط عندما تكون الناقلات أكبر من أن تعبر قناة السويس. واليوم يدخل عامه الثاني والخمسين، ويُعَد أحد نماذج التكامل الاقتصادي العربي

لكن على الرغم من أهمية هذه البنية التحتية، يؤكد خبراء الطاقة أن قدرة البدائل الإقليمية تظل محدودة مقارنة بحجم النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز يوميا.

يقول المهندس مدحت يوسف، خبير النفط، في حديث الى "المجلة" "إن مضيق هرمز يمر عبره ما يزيد على 20 مليون برميل يوميا من النفط، بينما لا تتجاوز قدرة خط 'سوميد' 2,5 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل نحو 12 في المئة فقط من الكميات التي تعبر المضيق". ويضيف "أن جزءا من هذه القدرة يُستخدَم لنقل الخام المصري من خليج السويس إلى معامل التكرير في الإسكندرية، مما يخفض السعة المتاحة لنقل النفط السعودي إلى نحو 2,2-2,3 مليون برميل يوميا".

من جانبه يشير السفير ماجد رفعت، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، إلى أن خط "سوميد" "لا يمكن اعتباره بديلا من مضيق هرمز"، موضحا "أن المضيق لا يزال متاحا عمليا لكن شركات التأمين ومالكي السفن يترددون في العبور عبره بسبب الأخطار الأمنية". ويضيف في حديث إلى "المجلة" "أن الخط يتيح للسعودية تمرير جزء من صادراتها النفطية عبر البحر الأحمر ثم عبر قناة السويس أو 'سوميد'، لكنه لا يوفر حلا لبقية دول الخليج مثل دولة الإمارات ودولة قطر ودولة الكويت التي تعتمد بدرجة كبيرة على المضيق في تصدير النفط والغاز".

sumed.org
يتكون الميناء البحري لخط "سوميد" من رصيف وصول بطول نحو 3 كيلومترات يضم ثلاثة مراسٍ، ومجهز بمرافق بحرية تشمل مصدات الرسو وغيرها من التجهيزات البحرية

ويرى الخبير في قطاع النفط الدكتور رمضان أبو العلا "أن الربط المباشر بين مضيق هرمز وخط 'سوميد' غير دقيق، لأن المضيق يمثل ممرا بحريا أساسيا لنقل النفط من الخليج إلى آسيا وأفريقيا، بينما يعمل خط 'سوميد' أساسا لنقل النفط من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط".

ويشير الدكتور محمد فؤاد، عضو حزب العدل في البرلمان المصري، إلى أن خط "سوميد" "يعمل أساسا كمسار بديل لقناة السويس لنقل النفط من الخليج إلى البحر المتوسط، وكثيرا ما يُستخدم عندما تكون الناقلات أكبر من أن تعبر القناة أو لتسريع الوصول إلى الأسواق الأوروبية".

معضلة الأسواق الآسيوية

لكن المشكلة الأساس، بحسب الخبراء، أن غالبية صادرات النفط الخليجية باتت في السنوات الأخيرة تتجه إلى الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين والهند، وليس إلى أوروبا التي يخدمها خط "سوميد". يقول الدكتور حسام عرفات، أستاذ هندسة البترول بجامعة القاهرة، لـ"المجلة" "إن الصين تمتلك احتياطيات نفطية تكفي نحو 105 أيام، في حين قد لا تكفي احتياطيات الهند سوى نحو 25 يوما، مما يجعل أي اضطراب في تدفقات النفط عبر مضيق هرمز شديد الأثر في هذه الأسواق".

في السياق نفسه، تبقى دولة قطر إحدى الدول الأكثر تعرضا لتداعيات إغلاق لمضيق هرمز، نظرا إلى أنها توفر نحو 25 في المئة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال في العالم، ومعظم صادراتها تمر عبر هذا الممر الحيوي.

ظلت البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط هدفًا محتملا للهجمات، كما حدث مع خط الغاز في العريش بمصر الذي تعرض إلى عشرات التفجيرات بعد عام 2011

لا تقتصر التحديات التي تواجه البدائل الإقليمية على القيود الفنية والقدرات التشغيلية، بل تمتد أيضا إلى الأخطار الأمنية التي قد تتعرض إليها خطوط الأنابيب نفسها في أوقات التوتر الإقليمي. ظلت البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط تاريخيا هدفا محتملا للهجمات أو أعمال التخريب، كما حدث مع خط الغاز في العريش بمصر الذي تعرض إلى عشرات التفجيرات عقب عام 2011.

رويترز
ناقلة نفط أثناء تحميلها في مصفاة ومحطة رأس تنورة النفطية التابعة لشركة "أرامكو السعودية"، 21 مايو 2018.

ويشير خبراء الطاقة إلى أن أي تصعيد إقليمي واسع قد يجعل خطوط الأنابيب والمنشآت النفطية عرضة إلى أخطار مشابهة، مما يزيد هشاشة البدائل المتاحة ويعزز أهمية الحفاظ على أمن الملاحة في المضائق البحرية.

يؤكد الدكتور صلاح حافظ، نائب رئيس هيئة البترول المصرية سابقا، لـ"المجلة" "أن مضيق هرمز سيظل الطريق الرئيس لتصدير النفط والغاز من السعودية والإمارات وجمهورية العراق وقطر والكويت ومملكة البحرين وإيران"، مضيفا "أن معظم صادرات الغاز المسال القطرية تمر عبر المضيق ولا يوجد بديل فعلي له".

في المحصلة، يتضح جليا أن خطوط الأنابيب الإقليمية، مثل "شرق-غرب" السعودي و"سوميد" المصري، يمكن أن تؤدي دورا مهما في تخفيف جزء من آثار أي تعطل في الملاحة عبر مضيق هرمز، لكنها لا تستطيع تعويض هذا الممر الحيوي بالكامل. ليس مضيق هرمز مجرد ممر بحري في الخليج، بل عقدة مركزية في شبكة الطاقة العالمية. وأي اضطراب بعيد الأجل فيه لن يقتصر أثره على دول المنطقة، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره، من آسيا إلى أوروبا.

font change

مقالات ذات صلة