مقتل "المرشد الأعلى" لـ "الجمهورية الإسلامية"، علي خامنئي، يمثل نقطة تحول في تاريخ إيران، هذه الضربة لم تنه فقط عهدا استمر لقرابة أربعة عقود، بل وضعت النظام أمام اختبار يتعلق بالشرعية والاستمرارية، ونقلته من الجيل الأول الداعي لـ "الجمهورية" والمؤسسات المرتبطة التي أسسها روح الله الخميني، إلى الجيل الثاني ويقوده مجتبى خامنئي الذي ينقلها إلى الملكية الدينية عبر وراثته السلطة من والده علي خامنئي.
وبهذه الحالة، يبدو أن وراثة الدم هي التي أدت لإعلان "مجلس خبراء القيادة" رسميا اختيار مجتبى خامنئي، الابن الثاني للزعيم الراحل، ليخلف والده في منصب الـ "المرشد" الثالث للبلاد، يمثل هذا الإعلان انكسارا لنموذج الحكم الوراثي الذي قامت ثورة 1979 أساسا لإسقاطه، ويشير إلى دور "الحرس الثوري" في صياغة المرحلة الجديدة، ويطرح التساؤل حول ما إذا كان مجتبى سيسلك طريق المواجهة الدولية أم سيتجرع "كأس السم" السياسي عبر اتفاق مع واشنطن يحتفظ به بمملكته.
تأسست "الجمهورية الإسلامية" بعد الثورة على نظام الشاه محمد رضا بهلوي، وكانت شعارات الاحتجاجات تدور حول رفض "الملكية الوراثية" ووصفها بأنها نظام "طاغوتي" لا يتوافق مع العدالة الإسلامية. الخميني، مؤسس النظام، كان أكد مراراً أن القيادة في الإسلام ليست امتيازا عائليا بل هي تكليف يستند إلى الفقه والعدالة، فأبعد أولاده عن السلطة. ومع ذلك، جاء صعود مجتبى خامنئي ليعيد النظام إلى مرحلة ما قبل الخميني، حيث يتم نقل السلطة من الأب إلى الابن، وهو ما يوصف بأنه عودة إلى نموذج الملكية ولكن بعباءة دينية.
هذا الانتقال الوراثي يخلق "معضلة أيديولوجية"، فبينما يطالب النظام بالولاء لمبدأ "ولاية الفقيه" أو الإمام الثاني عشر لدى الشيعة أي المهدي المنتظر عبر حكومة عادلة، فإنه يمارس عملياً نموذج "الشاهنشاهية الوراثية" التي ثار ضدها الشعب الإيراني بسبب اتهامها بـ "اللاعدالة".
يضمن مجتبى وثيق الصلة بـ"الحرس الثوري"، في ما يضمن استمرار البنية الأمنية. ولهذا لا يبدو اختياره ارتجالاً فرضته الحرب وحدها، بقدر ما يبدو تتويجاً لمسار إعداد طويل جرى في الظل، ثم تسارعت وتيرته تحت ضغط الحرب.
الأهم من ذلك أن "الحرس الثوري" لم يكن يريد شخصية من خارج "بيت القيادة" تملك شرعية مستقلة قد تهدد توازنات الداخل. فشخصيات مثل حسن روحاني أو علي لاريجاني أو حتى بعض الأسماء ذات الحضور الديني والسياسي الأوسع كان يمكن أن تعيد فتح النقاش حول طبيعة الدولة وموقع المؤسسات وحدود سلطة "الحرس".
النشأة في الظل
وُلد مجتبى حسيني خامنئي في سبتمبر/أيلول 1969 في مدينة مشهد، ونشأ في قلب الأحداث التي شكلت إيران الحديثة. منذ تولى والده منصب الزعيم "المرشد" عام 1989، اختار مجتبى البقاء بعيداً عن الأضواء، فلا هو خطيب جمعة مفوه، ولا مسؤول حكومي منتخب. هذا الابتعاد المتعمد منحه قدرة على التحرك في "الظل"، حيث أدار شبكة معقدة من المصالح الأمنية والمالية داخل "بيت الرهبر" (مكتب المرشد)، ليصبح "البوابة" الوحيدة للوصول إلى والده.
تلقى تعليمه الديني الأولي على يد والده، ثم تابع دراساته الحوزوية في قم تحت إشراف فقهاء متشددين مثل محمد تقي مصباح يزدي ومحمود هاشمي شاهرودي ولطف الله صافي كلبايكاني. وعلى الرغم من منحه لقب "آية الله" في عام 2022 لتعزيز فرصه في الخلافة، فإن شرعيته الدينية تظل محل شك لدى الكثير من المراجع في قم الذين يرون فيه سياسيا أمنيا أكثر منه فقيها مجتهدا.


