إلى أي حد ينبغي القلق من الائتمان الخاص؟

تراجعه قد يؤدي إلى ارتفاع كلفة الاقتراض

(رويترز)
(رويترز)
لافتة "وول ستريت" أمام بورصة نيويورك في مانهاتن، 9 مارس 2020

إلى أي حد ينبغي القلق من الائتمان الخاص؟

بدا الائتمان الخاص للمستثمرين مصدرا لعوائد مرتفعة، وللهيئات التنظيمية المالية مجالا يوفر قدرا من الأمان. لكن المستثمرين يطالبون الآن باسترداد أموالهم، فيما تخشى الجهات التنظيمية امتداد الذعر عبر النظام المالي، في وقت يواجه صدمة ناجمة عن حرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الشرق الأوسط. لكن الخبر الجيد أن "وول ستريت" لا تقف على حافة الهاوية كما يخشى كثيرون. ومع ذلك، فإن ما أظهرته بعض أسرع شركاتها نموا من ضعف في الكفاءة، وما قد تفرضه أزماتها من كلفة على الآخرين، يدعو إلى القلق.

على مدى العقدين الماضيين، انتقلت أكبر شركات الأسهم الخاصة من الاكتفاء، في الغالب، بشراء الشركات وبيعها إلى التوسع في إقراضها، لتغدو بذلك مؤسسات مالية عملاقة. وتدير كل من "أبولو" و"بلاكستون" و"كارلايل" و"كيه كيه آر" أصولا بقيمة 3.4 تريليون دولار، بعدما كانت تدير نحو 800 مليار دولار قبل عقد. ومع ذلك، بقي هذا الإقراض في معظمه محصورا في نطاق نشاطهم المعتاد. ويستند جزء كبير من الائتمان الخاص إلى تمويل صفقات الأسهم الخاصة. ومن بين نحو 1.5 تريليون دولار من القروض الخاصة القائمة، يقع قرابة الثلث في صناديق مفتوحة أمام المستثمرين الأفراد.

في البداية، انصب قلق المستثمرين في هذه الصناديق على أن ما يقارب ثلث قروضها موجه إلى شركات برمجيات يمكن أن تتضرر من تطورات الذكاء الاصطناعي. أما الآن، فما يزعج المستثمرين هو أن القلق نفسه بات عاما، حتى بين القائمين على هذه الصناديق. وعادة ما تتيح هذه الصناديق سحب ما يصل إلى 5 في المئة من الحصص كل ثلاثة أشهر، ويحصل المستثمرون على السيولة عبر إعادة بيع حصصهم إلى الصندوق بالقيمة الدفترية.

(رويترز)
متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك وسط تقلبات الأسواق، 23 مارس 2026

غير أن هذه القيم تبدو أعلى مما ينبغي. ومع تجاوز طلبات الاسترداد في الصناديق الكبيرة نسبة 5 في المئة، لم يعد أمام المديرين سوى خيارين: إما تطبيق هذا السقف، وهو حق لهم وربما كان الخيار الأفضل، وإما محاولة استرضاء المستثمرين بالسماح لعدد أكبر منهم بالبيع.

على مدى العقدين الماضيين، انتقلت أكبر شركات الأسهم الخاصة من الاكتفاء، بشراء الشركات وبيعها إلى التوسع في إقراضها، لتغدو بذلك مؤسسات مالية عملاقة

لن تتوقف هذه الدوامة ما لم ينجح مديرو الصناديق في إقناع المستثمرين بأن القروض التي يحتفظون بها تستحق القيم المعلنة لها. وسيكون ذلك عسيرا على بعضهم لأن المستثمرين حسموا أمرهم بالفعل، وأشد عسرا على آخرين لأن تلك التقييمات خاطئة فعلا.

لكن صناديق الائتمان الخاص المتعثرة لن تطيح بالنظام المالي برمته. وبعد ثمانية عشر عاما على الانهيار المدوي في "وول ستريت"، يفترض كثيرون أن أزمة مماثلة أصبحت وشيكة. لكن النظر إلى كل موجة ذعر من خلال عدسة عام 2008 ليس الطريقة الصحيحة لفهم المخاطر.

فالكوارث المالية تتشابه عادة في سمات مثل التعقيد، والرافعة المالية، والاقتراض سريع السحب. ولحسن الحظ، تبدو صناديق الائتمان الخاص المعنية أبسط (نسبيا). كما أن رافعتها المالية منخفضة، وهي قادرة على الاستمرار، ولو بصعوبة، عبر إعادة 5 في المئة من أموال المستثمرين كل ثلاثة أشهر.

مع ذلك، قد تمتد مشكلات الائتمان الخاص إلى أطراف أخرى. وعلى خلاف ما جرى في عام 2008، لا تتركز المخاوف هذه المرة على البنوك. فرغم أنها حققت أرباحا جيدة من إقراض صناديق الائتمان الخاص، فإنها تُعد من الدائنين ذوي الأولوية، أي إن المستثمرين في تلك الصناديق، وفي شركات الأسهم الخاصة المالكة للمقترضين الأساسيين، يجب أن يتحملوا الخسائر أولا قبل أن تتعرض قروض البنوك نفسها للضرر.

(أ.ف.ب)
متداولون في بورصة نيويورك بعد تراجع الأسهم عقب مكاسب قياسية دفعت مؤشر داو جونز لتجاوز 50 ألف نقطة، 9 فبراير 2026

أما مصدر القلق الأكبر هذه المرة، فهو شركات التأمين نفسها. فبعضها معرض لخسائر مرتبطة بديون صفقات الاستحواذ عبر منتجات مهيكلة ومعقدة. ويزداد هذا القلق لأن عددا كبيرا من هذه الشركات أصبح مملوكا لشركات الأسواق الخاصة نفسها.

الكوارث المالية تتشابه عادة في سمات مثل التعقيد، والرافعة المالية، والاقتراض سريع السحب

حتى الآن، كانت أسهم شركات الأسهم الخاصة الأكثر تضررا، إذ فقدت أكثر من ربع قيمتها منذ بداية العام. ومن المفارقات أن عمالقة الأسواق الخاصة هم من تلقوا الضربة في الأسواق العامة. وتزداد احتمالات الوقوع في أخطاء، مثل الرهان المفرط على قطاع البرمجيات، لأن هذه الشركات تحولت إلى عمالقة في جمع الأصول، وباتت قيمتها تقوم على الرسوم التي تدرها أكثر مما تقوم على مهارتها الاستثمارية. وفي المستقبل، ستجد نفسها أيضا في مواجهة منافسة أشد من البنوك، مع اتجاه السيد ترمب إلى تخفيف القيود التنظيمية المفروضة عليها.

وثمة عاقبة أخرى تتمثل في أن المستثمرين الأفراد سيصبحون أكثر حذرا في التعامل مع الأسواق الخاصة، في وقت تتجه فيه الولايات المتحدة إلى السماح لهم باستثمار مدخراتهم التقاعدية في أصول خاصة. ولا شك في أن تسخير هذا الخزان الكبير من رأس المال لتمويل النشاط الاقتصادي داخل الأسواق الخاصة هدف يستحق السعي إليه.

لكن مفارقة تبرز هنا، ولا سيما في ما يتعلق بالهياكل التي تنظم سحب المستثمرين لأموالهم. فالتطورات التقنية رفعت حجم الثروة التي تولدها الشركات في الأسواق الخاصة، لكنها في الوقت نفسه رسخت لدى المستثمرين توقع الحصول على سيولة رخيصة ورسوم منخفضة في الأسواق العامة. ويبدو أن التوفيق بين هذين الأمرين عسير.

 

إنصافا للائتمان الخاص
أما العاقبة الأخيرة، فتتمثل في أنه كلما تفاقمت متاعب صناديق الائتمان الخاص، ارتفعت كلفة اقتراض الشركات في مختلف أنحاء الاقتصاد، في وقت تضغط فيه حرب إيران على هوامش أرباحها. وكانت كلفة الدين في الأسواق العامة قد بدأت ترتفع بالفعل، بعدما كانت هوامش العائد فوق السندات الحكومية قريبة من مستويات متدنية تكاد تكون قياسية في بداية العام.

(رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي في صورة توضيحية، 24 مارس 2026

ومن المرجح أن تتعرض لمزيد من الارتفاع بفعل الكم الهائل من الديون الصادرة لتمويل طفرة مراكز البيانات. وإذا اندلعت موجة من التعثر في السداد، شبيهة بتلك التي أعقبت طفرة النفط الصخري في منتصف العقد الماضي، فيمكن أن يؤدي ذلك إلى إبطاء تبني التكنولوجيا نفسها التي غذت تلك الطفرة. وهذا، بالفعل، مدعاة حقيقية للقلق.

font change

مقالات ذات صلة