الألومنيوم الخليجي تحت نيران إيران… الأسواق ترتبك والأسعار ترتفع

المنطقة تمثل نحو 10 في المئة من الإنتاج عالميا والهجمات تخرج 3,2 ملايين طن من سلاسل الامداد

نسمة محرم
نسمة محرم

الألومنيوم الخليجي تحت نيران إيران… الأسواق ترتبك والأسعار ترتفع

في 30 مارس/آذار، تسببت ضربات صاروخية وهجمات بمسيرات إيرانية في إلحاق أضرار كبيرة بمنشأتين رئيستين لإنتاج الألومنيوم وصناعته في الشرق الأوسط، مما أثار موجة قلق واسعة في أسواق المعادن العالمية. وتعد الإمارات العربية المتحدة من بين أكبر خمسة مورّدين للألومنيوم عالميا، تليها البحرين مباشرة، وقد استهدفت الضربات أكبر شركتين في هذا القطاع في البلدين، وهما "الإمارات العالمية للألومنيوم" و"ألومنيوم البحرين" (ألبا).

وكان إغلاق مضيق هرمز لأسابيع عدة قد أثار مخاوف في شأن إمدادات الألومنيوم المعالج، على الرغم من بدء تفعيل بعض البدائل، مثل نقل الصادرات برا إلى سلطنة عمان ثم شحنها عبر ميناء صحار. أما اليوم، فلم تعد الأزمة تقتصر على تعقيدات مسارات الإمداد، بل باتت مرتبطة أيضا بتراجع مستويات الإنتاج لفترة ممتدة قد تطول لسنة.

ونظرا إلى ما يتمتع به الألومنيوم من تعدد في الاستخدامات، ودخوله في قطاعات تمتد من صناعة السيارات والنقل البري والطيران إلى البناء والتغليف، ومكونات الرقائق الإلكترونية، والآلات، فإن تداعيات هذه الضربات قد تتجاوز بكثير مجرد إرتفاع سعر هذا المعدن المهم.

اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية

عزل الألومنيوم للمرة الأولى بشكل علمي في أوائل القرن التاسع عشر، وإن كانت بعض المصادر التاريخية تشير إلى أن البشر عرفوا بوجوده قبل ذلك بوقت أطول. ولفترة وجيزة، قبل بدء إنتاجه على نطاق صناعي، فاقت قيمته قيمة الذهب. أما اليوم، فتبدأ عملية إنتاجه من تعدين خام البوكسيت، الذي يستخرج منه هذا المعدن.

مع الاعتداءات الإيرانية، ارتفع سعر طن الألومنيوم إلى 3,468 دولارا، وهو مستوى لم يسجل في السنوات الأخيرة إلا بعد صدمات مثل الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، ولم يستبعد المحللون وصوله إلى 4,000 دولار

وتلك نقطة تفصيلية بالغة الأهمية عند النظر إلى الضربات الإيرانية التي استهدفت منشآت الألومنيوم في الخليج. فكل من الإمارات والبحرين لا يمتلكان احتياطيات تذكر من خام البوكسيت، وتعتمد "الإمارات العالمية للألومنيوم" على مواد أولية يستورد معظمها من دول أفريقية.

وكانت حكومة غينيا قد فرضت في عام 2025 سيطرة الدولة على شركة مناجم البوكسيت التابعة لها، مما فجر نزاعا قانونيا مع الإمارات. إلا أن الطرفين أعلنا، قبل أيام قليلة فقط من الضربات الإيرانية، التوصل إلى اتفاق يتيح استمرار الإمدادات.

أما البحرين، فتعتمد بشكل رئيس على أوستراليا والسعودية لتأمين إمدادات البوكسيت. وقبل أسابيع من استهداف منشآت "الإمارات العالمية للألومنيوم" و"ألبا"، اضطرت سفن محملة البوكسيت ومتجهة إلى هذه المصانع إلى تغيير مسارها، نتيجة الأخطار المرتبطة بالمرور عبر مضيق هرمز. ولم يقتصر أثر هذا الإغلاق على الإمارات والبحرين، بل امتد ليشمل "شركة قطر للألومنيوم"، وهي منتج رئيس آخر في المنطقة.

أ.ب.
فرق الإطفاء تقوم بإخماد حريق بمنطقة معامير الصناعية في البحرين بعد الاستهداف الإيراني، 9 مارس 2026

وحتى قبل الهجمات، كان السعر المرجعي للألومنيوم قد سجل مستويات قياسية جديدة. ومع وقوع هذه الضربات، ارتفع السعر إلى 3,468.5 دولارا للطن، وهو مستوى لم تتجاوزه في السنوات الأخيرة سوى القفزات التي أعقبت الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022. ويرى محللون أن بلوغ مستوى 4000 دولار للطن لم يعد مستبعدا.

دول الخليج ركيزة أساس في السوق العالمية

على صعيد الإمدادات العالمية، يقدر أن دول الخليج تمثل نحو 10 في المئة من إنتاج الألومنيوم عالميا. أما المنتجين الكبار، مثل الصين والهند، فيستهلكون جزءا كبيرا من إنتاجهم محليا، في حين تصدر دول الخليج ما بين 70 و80 في المئة من الألومنيوم المعالج. وإذا استبعدت حصة الصين، ترتفع مساهمة الخليج إلى 22 في المئة من الإنتاج العالمي، وهو رقم يعكس بشكل أدق وزن هذه الدول في السوق.

من المتوقع أن يؤدي الضرر الذي لحق بمصانع "الطويلة" و"ألبا" إلى إخراج نحو 3,2 ملايين طن من الألومنيوم من سلسلة الإمداد العالمية لفترة طويلة

على سبيل المثل، استوردت الولايات المتحدة 21 في المئة من وارداتها الإجمالية من الألومنيوم من الإمارات، ثالث أكبر مورد لها بعد كندا وجنوب أفريقيا. أما ألمانيا، إحدى أكبر الدول المستوردة للمعدن، فحصلت على 8,7 في المئة من وارداتها من الإمارات، فيما نمت واردات البحرين لها بشكل سريع في السنوات الأخيرة، بعدما بلغت حصتها 4 في المئة في عام 2025.

واليوم، تجد دول كثيرة نفسها أمام تحدي الخيارات المتاحة. فعلى الرغم من كون روسيا منتجا رئيسا للألومنيوم، فإنها لا تمثل بديلا عمليا في ظل العقوبات الغربية الحالية. أما كندا، فتبعد كثيرا عن الأسواق الآسيوية، مما يجعل الاعتماد عليها أكثر صعوبة من الناحية اللوجستية.

رويترز
ألات تقوم بتريكب أجزاء في خط إنتاج سيارات أودي، في مدينة بافاريا، ألمانيا 11 أبريل 2013

وفي تحديث عن الوضع قدمته "الإمارات العالمية للألومنيوم" في 3 أبريل/نيسان، أعلنت الشركة أن استئناف العمليات في موقع "الطويلة"، الذي يعد من أكبر المنشآت الصناعية لإنتاج الألومنيوم في العالم، والذي تعرض للقصف، قد يستغرق ما يصل إلى عام كامل. ويشمل ذلك مصهر الألومنيوم والمسبك، ومحطة الطاقة، ومصفاة الألومينا، ومصنع إعادة التدوير.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، عبد الناصر بن كلبان: "يمثل موقع الطويلة ركيزة من ركائز الاقتصاد العالمي، وموردا رئيسا للإمدادات العالمية، مما يجعل هذا الحادث مؤثرا على الصناعات والازدهار عالميا".

وقد أنتج هذا الموقع 1,6 مليون طن من المعدن المصبوب و2,4 مليون طن من الألومينا في عام 2025، فيما أنتجت "ألبا" 1,62 مليون طن من الألومنيوم في العام نفسه، مسجلة رقما قياسيا تجاوز إنتاجها في العام السابق، ومن المتوقع أن يؤدي الضرر الذي لحق بموقعي "الطويلة" و"ألبا" إلى إخراج نحو 3,2 ملايين طن من الألومنيوم من سلسلة الإمداد العالمية.

تأثر قطاعات البناء والسيارات والإلكترونيات

تنتج كل من "الإمارات العالمية للألومنيوم" و"ألبا" نوعا من الألومنيوم مخصصا لشركات التحويل اللاحقة في سلسلة الإنتاج، وليس بصورة منتج نهائي جاهز. وتتولى هذه الشركات تحويل الألومنيوم إلى صفائح وألواح، أو تشكيله بطرق مختلفة، تمهيدا لاستخدامه في صناعات متعددة.

يزداد الخطر يوما على شركات إلكترونيات كبرى مثل "سامسونغ" و"إل. جي." لتكون من بين الأكثر تأثرا بالضغوط الناتجة من ارتفاع أسعار المعدن

ويصل ألومنيوم "الإمارات العالمية للألومنيوم" في نهاية المطاف إلى عدد من شركات التصنيع التي تنتج المعدات الأصلية تأثر قطاعات البناء والسيارات، والتغليف والطيران والإلكترونيات. ومن بين السبائك التي تنتجها الشركة ما يعد مادة أساسية لكل من شركتي "بوينغ" و"إيرباص".

أما أوروبا، فهي السوق التصديرية الكبرى لـ"ألبا"، وتشكل مقاطع الألومنيوم المصبوب أحد أبرز منتجاتها المستخدمة في قطاع البناء هناك. وفيما يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذه السوق بالنسبة للشركة، أبرمت "ألبا" اخيرا صفقة مع "ألومنيوم دونكيرك" الفرنسية للاستحواذ على الشركة، وهي أكبر مصهر للألومنيوم الأولي في أوروبا.

رويترز
مصنع ألومنيوم في كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأميركية 14 مارس 2025

وتعتمد الدول الآسيوية بشكل كبير على الألومنيوم من الخليج نظرا للقرب الجغرافي، ومن المرجح أن تكون شركات إلكترونيات كبرى مثل "سامسونغ" و"إل. جي." من بين الأكثر تأثرا بالضغوط الناتجة من ارتفاع أسعار المعدن. ولن يكون قطاع الطاقة المتجددة في منأى من هذه الاضطرابات، إذ يعد الألومنيوم عنصرا أساسا في الخلايا الكهروضوئية وشفرات توربينات الرياح.

وإلى جانب التداعيات الاقتصادية، ستنشغل دول الخليج أيضا بالتأثير المحتمل لهذا التطور على صورتها كمورد موثوق به في المستقبل. فالألومنيوم يحتل مكانة مهمة ضمن رؤيتها لدورها في الاقتصاد العالمي.

يتوقع المعهد الدولي للألومنيوم أن يرتفع الطلب العالمي على هذا المعدن بنسبة 40 في المئة في حلول عام 2030

وقال جاستن دارغين من "مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية" في حديث إلى "دي. دبليو نيوز"، "يمكن النظر إلى هذه الصناعة على أنها جوهرة التاج في مسار التنويع الاقتصادي الكلي لدول الخليج"، مضيفا أن هذه الهجمات ستولد ضغوطا تضخمية تمتد عبر الاقتصاد العالمي بأسره.

الطلب العالمي الى ارتفاع

توقع المعهد الدولي للألومنيوم أخيرا أن يرتفع الطلب العالمي على هذا المعدن بنسبة 40 في المئة في حلول عام 2030. وتشير التقديرات إلى أن الإنتاج العالمي سيحتاج إلى الارتفاع إلى 119,5 مليون طن في حلول ذلك العام، مقارنة بنحو 73 مليون طن في عام 2025.

رويترز
مصنع ألومنيوم في كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأميركية 14 مارس 2025

وعلى مدى سنوات، دار نقاش واسع داخل القطاع حول إمكان خفض البصمة الكربونية المرتبطة بإنتاج الألومنيوم ومعالجته. ومع أن هذا الهدف لا يتوقع أن يتصدر الأولويات على المدى القصير في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد، إلا أن هناك منفذا قد يخفف بعض الضغوط، إذ يعد الألومنيوم معدنا قابلا لإعادة التدوير بلا حدود. ويقدر المعهد أن نحو 75 في المئة من مجمل الألومنيوم الذي أنتج حتى اليوم لا يزال قيد الاستخدام.

تكتسب قابلية الألومنيوم لإعادة التدوير أهمية خاصة في تخفيف أثر اضطرابات سلاسل الإمداد على قطاع التعبئة والتغليف، إذ يعاد تدوير أكثر من 70 في المئة من علب الألومنيوم. يعني ذلك أن معظم شركات المشروبات التي تعتمد على هذه العلب ستكون قادرة، مع بعض التحسينات في الحلول اللوجستية، على مواصلة عملياتها بأدنى قدر من الاضطراب. أما في قطاع الإلكترونيات، فثمة تحديات تعترض بعض مراحل إعادة التدوير، إذ أظهرت دراسة حديثة أن نصف الأجهزة الإلكترونية فقط في أوروبا كان يتم جمعها ومعالجتها بشكل صحيح عند استخراج الألومنيوم منها.

الألومنيوم في صناعة السيارات

وفي وقت سابق من عام 2026، أعلنت مجموعة من كبرى شركات صناعة السيارات نيتها التوسع في إعادة تدوير الألومنيوم بهدف خفض التكاليف والانبعاثات الكربونية. ومن المرجح أن تولي شركات مثل "تويوتا" و"فورد" و"بي. إم. دبليو" و"فولفو" و"هوندا" وغيرها هذا المسار أولوية قصوى حاليا في ظل التحديات التي تواجه سلاسل إمداد الألومنيوم العالمية.

رويترز

غير أن إعادة التدوير لا تمثل خيارا عمليا لقطاع البناء، نظرا إلى طول عمر المباني والحاجة المستمرة إلى الإمدادات للمشاريع الجديدة.

على المديين القصير والمتوسط، ستترك الضربات الإيرانية على الإمارات والبحرين أثرا كبيرا في أسواق الألومنيوم العالمية، وستزيد وطأة الضغوط المتراكمة أصلا جراء إغلاق مضيق هرمز. أما الأثر البعيد المدى لهذا الصراع على سوق الألومنيوم، فلا يزال مفتوحا على احتمالات عدة، في ظل غياب أي أفق واضح لنهاية الحرب.

font change

مقالات ذات صلة