العلاقات الاقتصادية الخليجية-العربية بعد الحرب... إعادة ترتيب الأوراق

استحقاقات مالية ودفاعية كبيرة تنتظر دول مجلس التعاون اذا صمدت الهدنة

.أ.ف.ب
.أ.ف.ب
وزراء الخارجية الباكستاني إسحاق دار والتركي هاكان فيدان، والسعودي فيصل بن فرحان، والمصري بدر عبد العاطي، قبل اجتماعهم في مقر وزارة الخارجية في إسلام آباد في 29 مارس 2026

العلاقات الاقتصادية الخليجية-العربية بعد الحرب... إعادة ترتيب الأوراق

منذ مطلع خمسينات القرن الماضي، ومع ارتفاع عائدات النفط، تمكنت دول الخليج من تقديم المساعدات والقروض الميسرة للدول العربية في شتى المجالات. ومن هذه المساعدات ما تمثل بدعم المجهود الحربي وفق قرارات جامعة الدول العربية، إلى جانب منح قروض ميسرة لتمويل مشاريع التنمية وتطوير البنية التحتية في تلك الدول.

تعزز الدعم الاقتصادي بعد ارتفاع أسعار النفط في منتصف سبعينات القرن الماضي، إذ حققت دول الخليج فوائض مالية كبيرة. وعمدت هذه الدول إلى تأسيس شركات للاستثمار المباشر في عدد من الدول العربية، لا سيما في القطاعين العقاري والسياحي. كذلك تأسست شركات نوعية متخصصة في قطاعات النفط والطاقة والنقل البحري والقطاع الزراعي.

إلا أن أبرز أشكال الدعم تركز في الودائع لدى البنوك المركزية بهدف تعزيز الاحتياطيات من العملات الأجنبية للدول العربية ومساعدتها على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، سواء لتمويل الواردات أو خدمة الديون.

وفي ضوء التطورات الراهنة، كيف يمكن دول الخليج أن تصوغ علاقاتها الاقتصادية مع بقية الدول العربية بعد نهاية الحرب؟

العمالة العربية رافعة اقتصادية مزدوجة

لا بد من الإشارة إلى أحد أهم أشكال الدعم الذي قدمته دول الخليج للاقتصادات العربية، تمثل في استضافة العمالة العربية، التي تمكنت من تحويل مبالغ مالية كبيرة تقدر بمئات المليارات من الدولارات على مدى عقود. وتعد مصر من أكثر الدول العربية المصدرة للعمالة إلى دول الخليج حيث يعمل 2,5 مليون مصري في السعودية، و1,3 مليون مصري في الإمارات، وأكثر من مليون مصري في الكويت، إلى جانب مئات الآلاف يعملون في قطر والبحرين وعمان، بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024.

حوّل المصريون في دول الخليج خلال الفترة الممتدة من يوليو 2025 إلى يناير 2026، ما يقدر بنحو 25,6 مليار دولار، وفقا للبنك المركزي المصري، مقارنة بـ20 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام السابق

وحول هؤلاء المصريون خلال الفترة الممتدة من يوليو/تموز 2025 إلى يناير/كانون الثاني 2026، ما يقدر بنحو 25,6 مليار دولار، وفقا للبنك المركزي المصري، مقارنة بـ20 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام السابق.

وساهمت هذه التحويلات في تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي لدى مصر إلى أكثر من 50 مليار دولار مطلع السنة الجارية قبل نشوب الحرب. لا شك أن هذه التحويلات باتت أساسية لدعم الاقتصاد المصري منذ زمن طويل، إذ تساعد الدولة في مواجهة أعبائها الخارجية وتمكن العديد من الأسر من تلبية المتطلبات المعيشية.

Shutterstock
أعلام الدول العربية تحت مظلة جامعة الدول العربية

اللبنانيون كذلك، يعملون في دول الخليج ويقدر عددهم بأكثر من 500 ألف، من بينهم آلاف المستثمرين ورجال الأعمال الذين يملكون مئات المؤسسات ويقدر حجم استثماراتهم بعشرات مليارات الدولارات. ويتركز اللبنانيون في السعودية والإمارات وقطر والكويت ويتوزعون كالآتي: ما بين 200 و300 ألف في السعودية، نحو 150 ألفا في الإمارات، وعشرات الآلاف في كل من قطر والكويت.

تقدر تحويلات اللبنانيين العاملين في دول الخليج بنحو 6 إلى 7 مليارات دولار في السنة. لا يخفى أن تحويلات اللبنانيين في الخارج تعد من أبرز مصادر الدخل للاقتصاد اللبناني، لا سيما في ظل تراجع الأداء الاقتصادي وتعطل قطاعات رئيسة مثل الصناعة التحويلية والسياحة والزراعة. ويشغل اللبنانيون في دول الخليج وظائف حيوية تعتمد على المهارات المهنية والمستويات التعليمية المرتفعة. وواجه اللبنانيون تحديات كبيرة من بينها تداعيات الأوضاع السياسية والأمنية في لبنان، كان لها أثر على استقرار عدد كبير من العاملين في الخليج.

فرضت حرب إيران استحقاقات مالية جسيمة على دول الخليج. فالدمار الذي طال منشآت نفطية وكهربائية ومائية، إلى جانب البنية التحتية، سيستدعي رصد اعتمادات كبيرة لتنفيذ أعمال الإصلاح وإعادة التأهيل

في المقابل، استقر مواطنون خليجيون في لبنان منذ أكثر من نصف قرن، فامتلكوا مساكن وعقارات واستثمروا في مشاريع عديدة وأودعوا أموالا في المصارف اللبنانية. كذلك عمدت حكومات خليجية، منذ سنوات طويلة، إلى إيداع مبالغ في مصرف لبنان، في إطار دعم الاستقرار المالي.

استحقاقات مالية ودفاعية بعد الحرب

لا شك أن الحرب فرضت استحقاقات مالية جسيمة على دول الخليج. فالدمار الذي طال منشآت نفطية وكهربائية ومائية، إلى جانب البنية التحتية، سيستدعي رصد اعتمادات كبيرة لتنفيذ أعمال الإصلاح وإعادة التأهيل. فعلى سبيل المثل، تعرضت منشآت الغاز في قطر لأضرار كبيرة عطلت الإنتاج والتصدير، وتشير تقديرات إلى أن إعادة تشغيلها وتحقيقها للإيرادات قد يستغرق ما بين ثلاث إلى خمس سنوات. كما تضررت المصافي النفطية في الكويت جراء الاعتداءات الإيرانية، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمطار والميناء، مما عطل الملاحة الجوية والبحرية، ناهيك بالأضرار التي طالت مؤسسات مدنية.

.أ.ب
عامل يقود دراجة وخلفه أعمدة الدخان عقب استهداف إيران لمنشأة في الفجيرة، الإمارات 14 مارس 2026

ينسحب الأمر نفسه على كل من السعودية والإمارات، إذ لحقت أضرار بمنشآتهما النفطية والمدنية وبنيتهما التحتية، فيما واجهت البحرين اعتداءات قاسية رفعت حجم الخسائر البشرية والاقتصادية.

وبذلك، فإن دول الخليج، بما فيها سلطنة عمان، التي تربطها علاقات وطيدة مع إيران، ستكون مضطرة إلى تخصيص موارد مالية ضخمة، تقدر بنحو 200 مليار دولار على الأقل، لتعويض الأضرار واستئناف العمل في مختلف المنشآت المتضررة.

كانت دول الخليج دأبت على تقديم مساعدات مالية للدول العربية عبر إيداع أموال في البنوك المركزية، أبرزها بنك مصر المركزي

ومن المؤكد أن هذه الدول ستواجه تراجعا في إيراداتها من النفط والغاز، وارتفاعا في تكاليف الواردات السلعية، نظرا لإغلاق مضيق هرمز وما نجم عنه من اضطراب في سلاسل الإمداد. هذه عدا الحاجة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، لتطوير القدرات العسكرية وتعزيز أنظمة الدفاع وتحديث الأسلحة بما يواكب التطورات التقنية الحربية.

العلاقات الاقتصادية الخليجية-العربية نحو الانحسار؟

من المتوقع أن تؤثر تداعيات الحرب في قدرة دول الخليج على تقديم الدعم لعدد من الدول العربية التي تضررت اقتصاداتها من الحرب، والتي تعاني أصلا أوضاعا اقتصادية معقدة، وارتفاعا في تكلفة خدمة الديون الخارجية، وتراجعا في أسعار صرف عملاتها الوطنية.

.أ.ف.ب
اجتماع وزراء خارجية جامعة الدول العربية في القاهرة، في 10 سبتمبر 2024

وانعكس تعطل الإمدادات النفطية من دول الخليج على العديد من الدول العربية، كما هي الحال في مصر التي اضطرت إلى تقنين استهلاك الكهرباء ورفع أسعار المحروقات. كذلك يواجه القطاع السياحي المصري ضغوطا إضافية نتيجة تراجع أعداد الزوار بفعل تداعيات الحرب.

وفي ظل هذه المعطيات، يرجح ألا تتمكن دول الخليج، على المدى القصير، من تقديم دعم مالي لكل من مصر ولبنان وسوريا واليمن، في ظل الضغوط المالية المستجدة التي تواجهها، إلى جانب حالة الاستياء لدى بعض الدول الخليجية، لا سيما السعودية والإمارات والكويت، إزاء مواقف عدد من الدول العربية من الاعتداءات الإيرانية.

وكانت دول الخليج دأبت على تقديم مساعدات مالية للدول العربية عبر إيداع أموال  في البنوك المركزية، أبرزها بنك مصر المركزي الذي حظي بإيداعات خليجية، موزعة بين 4 مليارات دولار من الكويت، و5,3 مليارات دولار من السعودية، و4 مليارات دولار من قطر، و12 مليار دولار من الإمارات.

لا تقتصر الاستثمارات الخليجية على الودائع الحكومية، بل تمتد لتشمل الاستثمار المباشر، والاستثمار في الأسواق المالية، واقتناء سندات ديون الخزينة

وحولت الإمارات جزءا من الوديعة، يصل إلى 11 مليار دولار، إلى استثمار مباشر في مشروع رأس الحكمة، وهو مشروع عقاري طويل الأمد في شمال مصر، تقدر قيمته الإجمالية بـ35 مليار دولار. وتواجه دول الخليج تحديات عدة لاسترداد هذه الأموال، كما أن المشروع نفسه قد لا يحقق العوائد المرجوة.

رويترز
مصرف لبنان، بيروت، 4 أبريل 2025

كذلك، لدى مصرف لبنان المركزي ودائع خليجية، إضافة إلى تمويلات في مصارف ومؤسسات مالية عربية أخرى مثل سوريا، تشمل أموالا حكومية خصوصا من دول الخليج. ولا تقتصر الاستثمارات الخليجية على الودائع الحكومية، بل تمتد لتشمل الاستثمار المباشر، والاستثمار في الأسواق المالية، واقتناء سندات ديون الخزينة. ومع ذلك، يبقى السؤال ما إذا كان في الإمكان استرداد هذه الأموال أو جزء منها؟ وهل تحقق هذه التوظيفات عوائد تذكر؟

تحديات وإعادة هيكلة مالية واقتصادية

قد يتعين على دول الخليج إعادة النظر في استراتيجيا التعاون الاقتصادي مع الدول العربية، وترشيد الاستثمار، والنظر في بدائل جديدة وإيجاد السبل المناسبة لاسترداد ما تم توظيفه من أموال أو جزء منها. فاقتصادات الدول العربية لا تزال تعاني من اختلالات هيكلية تحد من قدرتها على تحقيق النتائج الاقتصادية المرجوة.

ولا شك أن دول الخليج ستواجه خلال السنوات المقبلة تحديات ترتبط باقتصادات الطاقة، خصوصا في ظل المخاوف التي أثارتها الحرب الدائرة في شأن امدادات الوقود وتعطل الملاحة، وهو ما قد يدفع الدول المستهلكة لتطوير مصادر طاقة بديلة والحد من اعتمادها على الوقود الأحفوري.

ولا بد لهذه التحديات أن تدفع دول الخليج إلى خيارات اقتصادية مختلفة، تفضي إلى مراجعة سياسات الدعم والتمويل السخي للدول العربية، وربما إعادة النظر في هياكلها الاقتصادية، بما يطرح تساؤلات عن احتياجاتها المستقبلية من العمالة الوافدة، وخصوصا غير الماهرة.

font change

مقالات ذات صلة