يتكشف حضور الشيء اليومي، أو المألوف، داخل الفن المعاصر بوصفه تحولا معرفيا عميقا مس البنية المفاهيمية للفن ذاته، إذ تتضح منذ بدايات القرن العشرين حركة فكرية وإستتيقية دفعت العمل الفني إلى مغادرة موضوعاته الكلاسيكية التي ارتبطت بالأسطورة والتاريخ والدين، واتجهت نحو مادة مأخوذة من قلب الحياة اليومية، وهي حركة تعكس تغيرا في نظرة الإنسان إلى العالم المادي الذي يحيط به.
يتضح من مراجعة تاريخ الجماليات الحديثة أن الفن الغربي حافظ خلال قرون طويلة على تصور معياري للعمل الفني يقوم على تمثيل موضوعات اعتبرت ذات قيمة ثقافية عالية، إذ احتلت المشاهد الدينية والتاريخية مكانة مركزية داخل التصوير الصباغي والنحت، وقد رافق ذلك تصور إستتيقي يرى أن الفن يرتبط بالتجربة الاستثنائية التي تعلو على تفاصيل الحياة اليومية.
من الوظيفي إلى الدلالي
لعل أول من سن هذا الفعل الفني هو بيكاسو من خلال لوحته "طبيعة صامتة مع كرسي من الخيزران" (1912)، إذ أدخل قطعة قماش مطبوعة تحاكي قش الكرسي داخل بنية اللوحة، فانتقل الشيء اليومي من موقعه الوظيفي إلى موقع دلالي داخل الصورة.
يعمل هذا الإدخال المادي للعنصر العادي على خلخلة الحدود بين التمثيل والواقع، لأن المادة المستعملة داخل اللوحة تنتمي إلى العالم اليومي ذاته الذي يعيشه المتلقي.
وتخلق هذه الاستراتيجيا البصرية وعيا جديدا بالشيء، إذ يتحول عنصر مألوف من تفاصيل الحياة اليومية إلى علامة تشكيلية تحمل أثرا للحياة الاجتماعية ولثقافة الاستعمال.
وذلك في الوقت الذي بدأت فيه حركة الدادائيين في استدعاء مجموعة من القصاصات الورقية والأغراض المألوفة من صور وغيرها إلى مساحة التصوير، ليعوض بها فنانو هذا التيار الصباغة باللصق (الكولاج). ويتضح في تجربة "الفوتومونتاج" (Photomontage) للفنانة الدادائية حنة هوش (Hannah Höch)، التي تستند إلى تجميع بصري معقد لقصاصات مأخوذة من الصحف والمجلات والإعلانات والصور الفوتوغرافية المنتشرة في الثقافة الجماهيرية آنذاك. تقوم البنية التشكيلية للعمل على إعادة ترتيب هذه العناصر داخل تركيب بصري متشظ، فتتشكل شبكة من العلامات البصرية التي تعكس حالة الاضطراب الذاتي أو الذهني أو السياسي أو الثقافي.





