أُنشئت الجمهورية الإسلامية في إيران على أساس أن يتولى رجال الدين زمام الحكم فيها. لكن من المسلّم به على نطاق واسع اليوم أن السلطة الفعلية باتت في يد جهة أخرى. ومع ذلك، لا تزال مسألة من يحكم فعلا، وكيف وقع هذا التحول، تفهم على نحو خاطئ.
يرى كثيرون أن المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل دفعت الدولة الإيرانية إلى الارتهان للمؤسسة الأمنية المتشددة. وتبدو هذه الرواية مقنعة للوهلة الأولى، لكنها في جوهرها تظل ناقصة. فلم تبدأ عسكرة السياسة في إيران مع الحرب الدائرة اليوم، ولا حتى مع أزمات العقد الأخير.
ما نشهده اليوم ليس ولادة دولة أمنية معلمَنة، بل اكتمال مسارها وبلوغها الذروة. ولعل أفضل مدخل إلى فهم كيف انتهت إيران إلى هذا الوضع أن لا نبدأ بالأيديولوجيا أو بالجغرافيا السياسية، بل بتتبع سيرة أحد أبرز الصاعدين حديثا في هرم السلطة الإيرانية، محمد باقر ذو القدر.
فلا يمكن النظر إلى إسناد المنصب إلى ذو القدر خلفا لعلي لاريجاني، مستشار الأمن القومي البارز الذي قُتل خلال الحرب في منتصف مارس/آذار، على أنه مجرد تبديل إداري عابر. فهذا يكشف صعود نمط من الشخصيات التي ظلت طويلا تصوغ ملامح الجمهورية الإسلامية من وراء الكواليس، قبل أن تبدأ اليوم في الظهور إلى الواجهة على نحو أشد وضوحا.
ذو القدر ليس سياسيا بالمعنى التقليدي للكلمة. فلم يستند يوما إلى صناديق الاقتراع، ولا إلى قاعدة شعبية واسعة، ولا حتى إلى حضور دائم في الواجهة العامة. وتتجلى مسيرته، في معظم تفاصيلها، داخل ما يمكن وصفه بـ"الهيكل الصلب" للنظام: "الحرس الثوري"، وأجهزة الاستخبارات، وشبكات النفوذ المتشعبة التي تصل بينهما وبين مؤسسات الدولة.

وينتمي ذو القدر إلى جيل تكوّن قبل أن تكتمل ملامح الدولة وتستقر مؤسساتها. وكانت بداياته السياسية في إطار "منصورون"، تلك الشبكة الثورية السرية التي خرج من صفوفها لاحقا عدد من الرجال الذين شغلوا أعلى المواقع في "الحرس الثوري". وفي ذلك المناخ، لم تكن الأيديولوجيا والأمن والتنظيم عوالم منفصلة، بل كانت وجوها متعددة لبنية واحدة.


