الكاتب السوداني مصطفى خالد يقارع فوضى الحرب بالفانتازيا

في روايته "هاها.. كح كح.. نجوت بأعجوبة"

غلاف "ها ها كح كح نجوت بأعجوبة"

الكاتب السوداني مصطفى خالد يقارع فوضى الحرب بالفانتازيا

في روايته "هاها.. كح كح.. نجوت بأعجوبة"، يذهب الروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى بعيدا في تفكيك الحرب بوصفها تجربة إنسانية معقدة، لا يمكن الإمساك بها عبر صوت واحد أو حكاية مستقيمة. لذلك يختار منذ البداية أن يكتبها بصيغة التعدد، عبر ست شخصيات تتناوب على الحكي، وكأنها ست زوايا لرؤية مأساة واحدة.

الرواية الفائزة بجائزة "بيت الغشام دار عرب للترجمة الدولية"، التي صدرت مطلع 2026، تنتمي إلى تلك الأعمال التي تشتغل على تقاطعات الشكل والمضمون، فالتقنيات السردية جزء من المعنى نفسه وليست أدوات للكتابة فقط. فالتداعي الحر، وكتابة اليوميات وتعدد الأصوات، تقدم الحكاية بوصفها انعكاسا لحالة التشوش الذهني التي تصيب الإنسان في زمن الحرب.

منذ العنوان، يضعنا الكاتب أمام مفارقة حادة: "هاها.. كح كح.. نجوت بأعجوبة". ضحكة مبتورة، سعال ثقيل، ونجاة تبدو أقرب إلى السخرية منها إلى الخلاص. عنوان يشي بالعبث، وربما اللامبالاة، لكنه في الحقيقة يخفي توترا وجوديا عميقا. من ينجو في الحرب؟ وماذا تعني النجاة أصلا في عالم يتفكك؟ العنوان لا يفهم إلا في نهاية الرحلة، حين يتجلى بوصفه صوتا لشخصية مأزومة، ترى في النجاة استمرارا لعذاب لا ينتهي.

كابوسية

تبدأ الرواية بمشهد فانتازي كابوسي: "حين انفجرت القذيفة في رأس جارتنا تحولت إلى جنينة أزهار". جملة صادمة تنتمي بوضوح إلى أساليب الواقعية السحرية، حيث يلتقي العنف بالجمال، ويعاد تشكيل الموت في صورة شعرية مربكة. هذا التداخل بين القبح والجمال، بين الواقعي والمتخيل، يظل حاضرا في معظم فصول الرواية، كأنه الطريقة الوحيدة لقول ما لا يقال.

أسئلة تبدو بسيطة، لكنها في سياق الحرب تتحول إلى إدانة صريحة لكل الأطراف

في الفصل الأول، نلتقي براو، هو موظف حكومي يجد نفسه فجأة كاتبا. ما نقرأه هو محاولته لكتابة رواية داخل الرواية، نص غير مكتمل، مرتبك، لكنه مشحون بكثافة التجربة. في أحد أحياء أم درمان، تدور الأحداث، ويتحول العالم إلى مسرح مفتوح للانهيار: قذائف، رصاص، خوف يومي، ومحاولات بدائية للنجاة. الراوي بسرد الوقائع ويرصد في الوقت ذاته - بعين مراقب دقيق - تحولات المكان والناس والأشياء.

REUTERS/Abrahim Mohammed Ishac
طفل يقف بين امرأتين في مدرسة تحولت إلى مركز إيواء في بورتسودان، 2024

تنجح الرواية في إظهار التحولات التي تطرأ على البشر من خلال تتبعها لحالة التحول التي تصيب شقيقة الراوي الطفلة، فبعدما كانت تشاهد قنوات الكرتون ومسلسلات الأنيمشين قبل الحرب صارت تتابع الأخبار، وتقول لشقيقها جملة تختصر فلسفة الحرب: "الطلقة التي تسمع صوتها تسلم منها، الطلقة التي ستصيبك لن تسمعها". هكذا، في جملة عابرة، يكبر الطفل سنوات في لحظة واحدة.

في هذا الفصل أيضا، يبرز طائر الكناري، أحد طيور الجارة القتيلة، بوصفه عنصرا رمزيا سيلازم الرواية حتى نهايتها. طائر الكناري الذي يغني وسط الرصاص، يتحول إلى شاهد، يختفي ثم يعود، كأنه الذاكرة نفسها، أو ربما الروح التي ترفض أن تموت بالكامل.

في هذه الرواية لا يمنح الكاتب القارئ فسحة استقرار، ففي لحظة مفاجئة، يموت الراوي الأول، فقط لأنه فتح نافذة. موت عابر، بلا تمهيد، يكشف طبيعة الحرب: لا أحد محصن، ولا أحد مهم بما يكفي لينجو. ومع هذا الموت، ينتقل السرد إلى صوت جديد، أنثوي هذه المرة.

في الفصل الثاني، نتابع تجربة الفرار من الخرطوم، بكل ما تحمله من فوضى، تفلت أمني، نهب، عنف، اغتصاب، وخيانات قريبة. الراوية في هذا الفصل فتاة مشلولة، تكتب رسالة طويلة إلى جندي تتخيل أنه سيستولي على غرفتها. في هذه الرسالة، يتكثف الموقف الأخلاقي للرواية، إذ تسأله: "ضد من تقاتل؟ ومن أجل ماذا؟". أسئلة تبدو بسيطة، لكنها في سياق الحرب تتحول إلى إدانة صريحة لكل الأطراف.

 REUTERS/El Tayeb Siddig
آثار القذائف وإطلاق النار على أحد المنازل في حي أم درمان القديم في السودان، 2024

تكشف أحداث الرواية في هذا الفصل أن الحرب، إلى جانب الضحايا، تكشف عن طبقات مخفية من العنف داخل المجتمع نفسه. فالخفير الذي عاش سنوات مع العائلة، يتحول إلى قاتل، والجار قد يصبح واشيا، والقريب قد يكون أخطر من الغريب. "الحروب تسقط الأقنعة وتعري السرائر"، تقول إحدى الشخصيات، وهي جملة تلخص الكثير.

حروب متقاطعة

مع انتقالنا إلى الفصل الثالث يتسع أفق الرواية بدخول صوت جديد وهو لاجئ سوري عالق في بورتسودان. هنا، تتقاطع حرب السودان مع حرب أخرى، ويصبح الضياع مضاعفا. الشخصية السورية تناقش مع أصدقاء من جنسيات مختلفة قضايا الحياة والموت والدين، في محاولة لفهم ما لا يفهم. في هذا الفصل يميل السرد إلى التأمل الفلسفي، لكنه يظل مرتبطا بجوهر الرواية في البحث عن معنى وسط العبث.

أما في الفصل الرابع فنلتقي بسجين محكوم بالإعدام، يتزامن موعد تنفيذ حكمه مع اندلاع الحرب، فينجو. مفارقة قاسية: من كان ينتظر الموت، يمنح حياة لم يطلبها. هذه الشخصية، المضطربة نفسيا، تكشف جانبا آخر من الحرب، إذ تختلط الرغبة في الموت بالنجاة المتكررة، ويتحول العنف إلى حالة إدمان. يستعيد السجين تاريخه مع الجندية، وجرائمه، ويعيش في حالة هذيان دائم، بينما يلاحقه طائر الكناري -الشاهد المتنقل بين الفصول - من زنزانة إلى أخرى.

من الفصل الخامس وحتى الثامن، تتقاطع خيوط الرواية بشكل أوضح. نعود إلى الشخصيات السابقة، نتابع مصائرها، نراها في المطارات، في المعسكرات، في حالات المرض والانتظار. السوري يصاب بالكوليرا، الفتاة المغتصبة تغادر البلاد، السجين يواصل هروبه العبثي. كل شيء يتحرك، لكن لا شيء يصل إلى نهاية واضحة.

REUTERS/El Tayeb Siddig
مشهد لمبنى مستشفى الخرطوم التعليمي المدمر كما يظهر من نوافذ مبنى محترق في الخرطوم، 2025

في أحد أكثر المقاطع دلالة، نكتشف أصل عنوان الرواية، حين ينجو السجين من قصف جديد، ويصرخ وسط الدمار: "هاها.. كح كح.. نجوت بأعجوبة!". يضحك بشكل هستيري وكأنه يسخر من النجاة ومن الموت الذي ظل يراوغه.

وفي فصل لاحق نلتقي مرة أخرى الراوي الأول، لكن بعد موته. يكتب من موقع آخر، كأنه "بعاتي - زومبي" أو شبح. هذا التحول يعمق البعد الفانتازي في العمل، ويمنح السرد بعدا تأمليا حول الذاكرة والموت. من قتلني؟ يسأل، ولا يجد إجابة. السؤال نفسه يصبح أهم من الإجابة.

السودان، كما تصوره الرواية، بلد مفطوم بالدم، يشتهي المزيد، في دائرة مفتوحة من العنف

تنتهي الرواية بمشهد واسع، يتجاوز الشخصيات إلى التاريخ. القطار يشق البلاد، وجوه تتكرر، حروب تتوالى. السودان، كما تصوره الرواية، بلد مفطوم بالدم، يشتهي المزيد، في دائرة مفتوحة من العنف.

ما يميز رواية "هاها.. كح كح.. نجوت بأعجوبة" قدرتها على الجمع بين التفكك الظاهري والترابط العميق. الشخصيات تبدو منفصلة، لكن ثمة خيوطا خفية تربطها: الكناري، الحرب، السؤال الوجودي. كما أن اللغة تلعب دورا مركزيا، إذ تتنقل بين السخرية، والشاعرية، والعنف، دون أن تفقد توازنها.

font change