كيف أصبحت معاداة الفلسطينيين جزءا من ثقافة المعارضة الإيرانية؟

النظام الإيراني حوّل القضية الفلسطينية إلى أداة للقمع ومعيارا لعلاقات إيران مع العالم

Henry NICHOLLS / AFP
Henry NICHOLLS / AFP
متظاهر مناهض للنظام الإيراني يرفع علما إيرانيا يعود إلى ما قبل ثورة 1979 ويحمل شعار الأسد والشمس أمام السفارة الإيرانية في لندن، 2026

كيف أصبحت معاداة الفلسطينيين جزءا من ثقافة المعارضة الإيرانية؟

بعيدا من ساحات القتال، يتبلور في المنفى موقف إيراني شديد الغرابة. فمنذ استئناف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، خرجت تظاهرات إيرانية بعضها كان يندد بالحرب بينما رحب البعض الآخر بالهجمات العسكرية ضد النظام الإيراني باعتبارها فرصة "للتحرر" من الجمهورية الإسلامية والقضية الفلسطينية على حد سواء. وقد لوحظت هتافات وشعارات معادية للفلسطينيين، اتسم بعضها بطابع عدائي أو إقصائي، وعكست حجم الغضب المتراكم من نظام وظف القضية الفلسطينية كأداة للقمع الداخلي.

تظهر تحركات المعارضة الإيرانية في المنفى لا سيما اليمينية، التي تضم ملكيين بقيادة رضا بهلوي وبعض التيارات الليبيرالية، ميلا متزايدا في دعم إسرائيل، وتتبنى خطابا متماهيا مع السرديات اليمينية المتشددة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك منظمة Femme Azadi التي تتخذ من فرنسا مقرا لها، وتعرف بدعمها القوي لرضا بهلوي. وخلال الفترة الأخيرة، شاركت المنظمة بفعاليات سياسية مع منظمة Némésis، المعروفة بمواقفها المناهضة للهجرة وبخطابها المعادي للإسلام. وشهدت مدن مثل باريس ولندن وبرلين منذ أواخر عام 2023 مشاجرات بين متظاهرين إيرانيين مناهضين للنظام ومجموعات متضامنة مع فلسطين، شملت مشادات واحتكاكات لفظية حول الرموز والشعارات. وفي عدد من هذه التجمعات، رفعت رموز إيران ما قبل الثورة الإسلامية ، مثل علم "الأسد والشمس"، إلى جانب الأعلام الإسرائيلية، في مقابل حضور الأعلام الفلسطينية، مما حوّل الفضاء الاحتجاجي إلى ساحة مواجهة رمزية تعكس انقساما أعمق داخل الشارع الإيراني.

جذور المسألة

تعود جذور العلاقة الإيرانية الفلسطينية إلى عهد محمد رضا بهلوي، الذي تولى الحكم عام 1941، حين كانت إيران من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل، وأقامت معها علاقات عسكرية واقتصادية وسياسية وثيقة. ويرجع باحثون هذا التقارب إلى انتماء البلدين إلى المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، إلى جانب شعور مشترك بالعداء تجاه بعض الدول العربية المتحالفة لاحقا مع الاتحاد السوفياتي، لا سيما مصر والعراق وسوريا.

يعاد تعريف الهوية الإيرانية خارج سياقها الديني والتاريخي، في اتجاه يربطها بالغرب ويقدمها كامتداد حضاري له، فيما يقدم العرب والمسلمون كأعداء تاريخيين

غير أن هذه المعادلة انقلبت رأسا على عقب مع الثورة الإسلامية عام 1979، التي أعادت تعريف موقع فلسطين داخل السياسة الإيرانية. فقد قطع النظام الجديد علاقته بإسرائيل، وحلت السفارة الفلسطينية محل السفارة الإسرائيلية في طهران، وأطلق على الشارع المحيط بها اسم "شارع فلسطين". وكان ياسر عرفات أول زعيم يصل إلى طهران لتهنئة الخميني، في مشهد رمزي عكس التقاطع بين الخطاب الإيراني الجديد وقضايا التحرر، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وقد استقطبت هذه الشعارات المناهضة للاستعمار و"الاستكبار" ولإسرائيل تعاطفا فلسطينيا، إذ تركت بصماتها على حركة التحرر الفلسطينية في تلك المرحلة.

 ANNA KURTH / AFP
متظاهرون مناهضون للنظام الإيراني يرفعون علما إيرانيا يعود إلى ما قبل ثورة 1979 إلى جانب العلمين الإسرائيلي والأميركي خلال تظاهرة في باريس، 2026

تجدر الإشارة إلى أن علما عليه صورة "الأسد والشمس" كان العلم الرسمي لإيران في عهد الدولة البهلوية التي أطيح بها عام 1979، فعلم الجمهورية الإسلامية يحافظ على الألوان ذاتها، غير أنه يستبدل رمز الأسد والشمس بكلمة "الله" مكتوبة بالخط العربي في وسطه. ويرتبط إعادة استخدام علم "الأسد والشمس" بتصور أيديولوجي أوسع يسعى إلى إعادة تخيل إيران بوصفها أمة "آرية" منفصلة عن الإسلام، وأحيانا معادية له. ضمن هذا التصور، يعاد تعريف الهوية الإيرانية خارج سياقها الديني والتاريخي، في اتجاه يربطها بالغرب ويقدمها كامتداد حضاري له، فيما يقدم العرب والمسلمين كأعداء تاريخيين ويربط الخلاص الوطني بفكرة التخلص منهم.

في هذا الخضم ، يبرز رضا بهلوي بوصفه أبرز وجوه هذا التيار في المنفى وأكثرها تأثيرا. فخلال زيارته لإسرائيل في أبريل/ نيسان 2023، بعد أشهر قليلة من احتجاجات تحت شعار "المرأة، الحياة، الحرية"، لم يكتف بالدعوة إلى استعادة العلاقات الإيرانية الإسرائيلية، بل وصف إسرائيل في مؤتمر صحافي بأنها "نموذج للديمقراطية حيث توجد الحرية"، والتقى علنا بنتنياهو وهرتسوغ برفقة وزيرة الاستخبارات الإسرائيلية جيلا غمليئيل.

REUTERS/Christian Mang
رضا بهلوي، نجل شاه إيران الأخير، خلال تظاهرة لمؤيدين للنظام الملكي الإيراني قرب مبنى الرايخستاغ في برلين، 2026

وتوضح سارة آقامحمدي في مقابلة معها لـ"المجلة"، وهي صحافية تعرف عن نفسها بأنها ليبيرالية: "ركز النظام الإيراني على شعارات أيديولوجية مثل تحرير القدس، بدلا من فتح المجال للحوار مع المجتمع، وحوّل القضية الفلسطينية إلى أداة للقمع ومعيارا لعلاقات إيران مع العالم. ولعقود، كان الناس في إيران يجبرون على الدوس على العلم الإسرائيلي والأميركي عند دخول المباني الحكومية وقد عايشت ذلك شخصيا. واليوم، كرد فعل على هذا الفرض، يتجه بعض الإيرانيين إلى تبني موقف معاكس متطرف يتمثل في دعم إسرائيل".

التوحد مع إسرائيل  

ويلاحظ ناشطون إيرانيون أن مظاهر عدائية تجاه الفلسطينيين ازدادت وأصبحت أكثر علنية وانتشارا بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 في المنفى وفي إيران. أما في أوروبا فقد رفع متظاهرون لافتات كتب عليها "نحن إيرانيون ونقف معكم إضافة إلى انتشار وسم "الإيرانيون يقفون مع إسرائيل" في إشارة صريحة إلى دعم إسرائيل. كما دعت مسيح علي نجاد، وهي من أبرز الصحافيات والناشطات الإيرانيات في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة، إلى التضامن مع النساء الإسرائيليات.

رصد باحثون دورا موازيا للنشاط الدعائي الإسرائيلي الناطق بالفارسية، إذ تعمل حسابات رسمية موجهة للجمهور الإيراني على تضخيم الشعارات الاحتجاجية وإعادة تدويرها

وفي إيران، خلال مباريات في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2023 وعند رفع الأعلام الفلسطينية في ملاعب كرة القدم في مدن مثل أصفهان وساري وسيرجان، ردت الجماهير بهتافات بذيئة مثل "ضعوا العلم الفلسطيني في...". وفي واقعة أخرى في ملعب بمدينة تبريز خلال الفترة نفسها، تعرض مغن للرشق بالزجاجات أثناء محاولته أداء أغنية مؤيدة لفلسطين، مما اضطر قوات الأمن إلى إخراجه من الملعب. هذه الحادثة جرى توثيقها وتبادلها على نطاق واسع عبر مقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي كما انتشرت شعارات أكثر حدة من أي وقت مضى: "لا أريد اليسار ولا الملالي، فليذهبوا جميعا إلى رام الله"، و"اترك فلسطين، فكر فينا".

 ATTA KENARE / AFP
لوحة إعلانية في ساحة فلسطين في طهران تُظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع عبارة بالفارسية والعبرية تصفه بـ"نازي ألمانيا اليوم"، 2025

لا يمكن فصل هذا التحول عن المنظومة الإعلامية التي تغذيه. تعدّ منصتا "إيران إنترناشونال" و"مانوتو" مصدرين رئيسين للأخبار لملايين الإيرانيين في الداخل والخارج في ظل القيود الصارمة على الإعلام المحلي، مما يمنحهما ثقلا استثنائيا في تشكيل الرأي العام. يوضح بهنام معصومي، وهو محرر صحافي وباحث في الشأن الإيراني لـ"المجلة" أن دور هذه المنصات يتجاوز نقل الأخبار: "قامت وسائل إعلام المعارضة بإنكار معاناة الشعب الفلسطيني، ونشر الرواية الإسرائيلية، وساهمت بشكل كبير في إقناع شرائح واسعة من الإيرانيين بأن أصل كل مشاكلهم بما في ذلك العقوبات، وغياب نماذج الاستهلاك الغربي، والقمع، هو القضية الفلسطينية وإنفاق النظام على حماس وحزب الله".

وقد رصد باحثون دورا موازيا للنشاط الدعائي الإسرائيلي الناطق بالفارسية، إذ تعمل حسابات رسمية موجهة للجمهور الإيراني على تضخيم الشعارات الاحتجاجية وإعادة تدويرها خارج سياقاتها الأصلية، بما يعيد توجيه مطالب مشروعة كالحرية والتنمية الاقتصادية نحو سرديات تخدم أجندات سياسية أوسع. ويتجلى هذا التداخل بوضوح في واقعة أثارت جدلا واسعا، حين كتب بابك إشاقي، مراسل "إيران إنترناشونال"، شعار "المرأة، الحياة، الحرية" على أنقاض بقايا مبنى في غزة خلال الإبادة، وقدمه بوصفه "هدية من الشعب الإيراني إلى الإسرائيليين".

لا يمكن تفسير تصاعد العدائية الإيرانية للفلسطينيين فقط كرد فعل على سياسات النظام أو نتاج حملات إعلامية منظمة. بل يعكس تحولا في تمثل "الآخر" داخل جزء من المجتمع الإيراني، حيث يعاد تعريف الفلسطيني ليس كضحية لواقع استعماري، بل كامتداد للسياسات التي يحمّلها المعارضون مسؤولية أزماتهم.

ترتكز هذه الأيديولوجيا على فكرة جوهرية: إيران ليست جزءا من الشرق الأوسط وليست دولة إسلامية في جوهرها، بل هي أمة "آرية" فرض عليها الإسلام بالغزو العربي

ويحدد معصومي، عام 2009 بوصفه لحظة مفصلية في تشكل هذا الخطاب، حين خرج مئات الآلاف من الإيرانيين خلال الحركة الخضراء مرددين شعار "لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران". ويرى معصومي أن هذا الشعار "نشأ من داخل المجتمع، قبل أن يجري تطبيعه وتعميمه عبر وسائل إعلام المعارضة، ليصبح لاحقا أحد أكثر الشعارات حضورا في الاحتجاجات، بما يعكس تصورا مفاده أن جذور الأزمات الداخلية ترتبط بالقضية الفلسطينية".

ويستحضر معصومي واقعة دالة على تحول المزاج السياسي، قائلا: "أتذكر أن زعيم أحد الأحزاب الشيوعية طلب من المتظاهرين عدم ترديد هذا الشعار، واعتبره غير إنساني بل وعنصري. لكن لاحقا، تبنى الشخص نفسه والحزب ذاته خطابا معاديا للفلسطينيين".

تحميل الفلسطيني مسؤولية البؤس

في هذا الإطار، يقدم رضا ضياء إبراهيمي، في مقالة بعنوان: "لماذا يؤيد بعض الملكيين الإيرانيين الإبادة الإسرائيلية" (موقع (Jadaliyya، سبتمبر/أيلول 2025)، قراءة نقدية لأيديولوجيا تتبلور في أوساط من المثقفين والنشطاء، تعيد تصوير إيران خارج سياقها التاريخي والجغرافي. لا يقتصر الأمر على غضب اجتماعي عابر، بل يتقاطع مع تحولات أعمق في تمثل الهوية، ترتبط أيضا بالسياق التاريخي الخاص لتجربة إيران مع الاستعمار. فعلى خلاف كثير من بلدان المنطقة، لم تخضع إيران لاحتلال استعماري مباشر طويل الأمد، رغم تعرضها لتدخلات روسية وبريطانية متكررة. هذا الوضع أنتج علاقة ملتبسة مع الغرب: رفض سياسي للتدخل، يقابله في بعض الأحيان سعي رمزي للانتماء إلى منظومته الحضارية. وينبه إبراهيمي إلى أن هذه الرؤية تستبطن في جوهرها تراتبيات عنصرية وإسلاموفوبيا مستمدة من البنى المعرفية الاستعمارية الغربية والصهيونية، مما يجعلها في نهاية المطاف تهديدا ليس للآخرين وحدهم، بل للإيرانيين أنفسهم.

  JACK GUEZ / AFP
رضا بهلوي يصافح وزيرة الاستخبارات الإسرائيلية غيلا غمليئيل خلال لقاء في تل أبيب، 2023

ترتكز هذه الأيديولوجيا على فكرة جوهرية: إيران ليست جزءا من الشرق الأوسط وليست دولة إسلامية في جوهرها، بل هي أمة "آرية" فرض عليها الإسلام بالغزو العربي. وعليه، فإن العرب والمسلمين هم الأعداء التاريخيون لإيران، وأن استعادة الهوية الإيرانية "الحقيقية" متعارضة مع "الاحتلال الثقافي الإسلامي". في هذا المعنى فإن الجمهورية الإسلامية ليست كيانا إيرانيا أصيلا، بل تجسيد لذلك، وكثيرا ما يشار إلى قادة النظام بوصفهم "تازي‌زاده" (من أصول عربية)، بل إن رضا بهلوي يصفهم أحيانا بـ"المحتلين" لتأكيد "غربتهم" المفترضة عن الروح الإيرانية الأصيلة.

ويقول رضا كوشا، وهو صحافي يعمل في وسائل إعلام ناطقة بالفارسية، لـ"المجلة" ويعرف نفسه كمعارض للنظام الإيراني عبر استعادة الملكية: "هناك تباين في وجهات النظر بين معارضي الجمهورية الإسلامية، إذ يرى بعضهم أن التحركات الإسرائيلية تندرج ضمن إطار المواجهة مع النظام، بينما لا يعكس هذا الموقف بالضرورة رأي جميع الملكيين. ولكن الجمهورية الإسلامية تعد في نظرنا نظاما مغتصبا احتجز الشعب الإيراني وأرضه لسنوات، ويجب إنهاء هذا التهديد الذي يمتد خطره إلى العالم بأسره".

هذا التنوع غالبا ما يختزل في صورة نمطية تقدمه ككتلة متجانسة من الطبقة الوسطى والعليا، في حين أن ما يجري داخل هذا الفضاء هو صراع داخلي مفتوح

إلى جانب العوامل الأيديولوجية، يلعب البعد الاقتصادي دورا مركزيا في تغذية هذا العداء. فقد أدت العقوبات الدولية ولا سيما الأميركية إلى إنهاك اقتصاد يعاني أصلا من اختلالات بنيوية وسوء إدارة مزمن. ومع تراجع مستويات المعيشة وتفاقم الأزمات، برزت لدى شرائح من المجتمع سردية مبسطة تحمل الخارج مسؤولية التدهور: تنفق الموارد في غزة ولبنان، بينما يدفع المواطن الإيراني ثمن العزلة الاقتصادية وحرمانه من أنماط الاستهلاك المرتبطة بالعالم الغربي.

font change