إحياء خط الغاز العربي... هل يُكتب النجاح لمشروع الطاقة الإقليمي المؤجل؟

لبنان يعوّل على مصر لتغذية الكهرباء، لكن عقبات التمويل والحروب وقدرة القاهرة على تأمين الإمدادات لا تزال تحديات قائمة

سارة بادوفان
سارة بادوفان

إحياء خط الغاز العربي... هل يُكتب النجاح لمشروع الطاقة الإقليمي المؤجل؟

تفرض التحولات الجيوسياسية والأزمات المتلاحقة في المنطقة إعادة إحياء مشاريع كانت قد جُمّدت لسنوات، وتتحول اليوم من ملفات مؤجلة إلى خيارات استراتيجية لا غنى عنها في معادلة أمن الطاقة في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تتزايد أهمية خطوط الإمداد وسلاسل الطاقة في المنطقة، خصوصا بعد إزمة إغلاق مضيق هرمز.

وفي ظل هذه التطورات، يبرز توجه لبنان، إلى جانب سوريا ومصر والأردن، نحو إعادة تفعيل خط الغاز العربي الذي يمر عبر هذه الدول، في محاولة لتعزيز أمن الطاقة الإقليمي وتخفيف الضغوط المتصاعدة على الإمدادات.

وفي الأسابيع الأخيرة، تكثفت الاتصالات واللقاءات بين ممثلين عن هذه الدول، لدرس كيفية تشغيله. فمن جهة، يسهم الاستقرار السياسي في سوريا، ورفع العقوبات الأميركية عنها، في تسريع وتيرة خطة تفعيل هذا الخط. ومن جهة ثانية، يمكن لبنان الاستفادة من الغاز المصري لمعامل الكهرباء لزيادة التغذية، كما وعد وزير الطاقة اللبناني جو صدي.

يسهم الاستقرار السياسي في سوريا، ورفع العقوبات الأميركية عنها، في تسريع وتيرة خطة تفعيل هذا الخط

يُعدّ خط الغاز العربي أحد أبرز مشاريع ربط الطاقة في المنطقة، إذ ينطلق من مدينة العريش شمال شرق مصر، مرورا بالعقبة في الأردن، ثم الأراضي السورية وصولا إلى شمال لبنان، بطول إجمالي يقارب 1,200 كيلومتر. وصُمّم الخط أساسا لنقل الغاز المصري إلى دول المشرق العربي، ضمن مشروع تكامل إقليمي في قطاع الطاقة.

وكانت الخطة الأصلية تقضي بتمديده لاحقا إلى تركيا وربطه بالشبكة الأوروبية، بما يحوّل المنطقة إلى ممر استراتيجي لتصدير الغاز نحو أوروبا، غير أن الاضطرابات السياسية والحروب التي شهدتها المنطقة، ولا سيما في سوريا، حالت دون استكمال هذا المشروع.

في ديسمبر/كانون الأول 2000، انطلق مشروع خط الغاز العربي فعليا مع توقيع مذكرة تفاهم بين مصر وسوريا ولبنان، قبل أن ينضم الأردن إلى الاتفاق في يناير/كانون الثاني 2001. وكان الهدف إنشاء شبكة إقليمية لنقل الغاز الطبيعي بين دول المشرق العربي، اعتمادا بصورة أساس على الغاز المصري.

أ.ف.ب
محطة دير عمار الكهربائية في مدينة طرابلس شمال لبنان، 10 يوليو 2021

وشهد المشروع مراحل تنفيذية متتالية عدة. ففي المرحلة الأولى، افتُتح عام 2003 خط العريش ـ العقبة، الممتد بين مصر والأردن بطول 265 كيلومترا وتكلفة بلغت نحو 220 مليون دولار، مما أتاح تزويد محطات الكهرباء الأردنية الغاز المصري.

أما المرحلة الثانية، فاستُكملت عام 2005 عبر ربط العقبة بمنطقة الرحاب شمال الأردن، بخط بلغ طوله نحو 390 كيلومترا. وفي المرحلة الثالثة، جرى عام 2008 تمديد الخط من الرحاب الأردنية إلى منطقة الريان قرب حمص السورية.

وفي المرحلة الرابعة، تم ربط حمص بمنطقة الدبوسية على الحدود اللبنانية ـ السورية، تمهيدا لوصول الغاز إلى شمال لبنان وربطه بمحطة دير عمار الكهربائية.

صُمّم خط الغاز العربي أساسا لنقل الغاز المصري إلى دول المشرق العربي، ضمن مشروع تكامل إقليمي في قطاع الطاقة

دفعت إعادة إحياء مشروع خط الغاز العربي الوزير صدي إلى البحث عن تمويل لتأهيل الخط الرابط بين لبنان وسوريا، الذي أُنجز عام 2009. وكان قد نُقل عبره حينها نحو 28 مليون قدم مكعب من الغاز المصري إلى معمل دير عمار، قبل أن يتوقف العمل به مع اندلاع الحرب السورية عام 2011. كما تسبب تراجع إنتاج الغاز الطبيعي في مصر، إلى جانب التفجيرات التي استهدفت الأنابيب في سيناء، في وقف ضخ الغاز. 

​وعندما أعيد إعلان إحياء مشروع نقل الغاز من مصر إلى لبنان مرورا بالأردن وسوريا في شهر أغسطس/ آب 2021، وبعد جهود من الدول المعنية، تم توقيع الإتفاق الرسمي في بيروت في 21 يونيو/ حزيران 2022. 

غير أن عقوبات "قانون قيصر" الأميركية على سوريا حالت دون إعادة تشغيل الخط، فيما تضررت أجزاء واسعة منه داخل الأراضي السورية بفعل الحرب. كذلك، أسهم الحظر الذي فرضته الدول الكبرى، إلى جانب البنك الدولي، على تقديم مساعدات اقتصادية للبنان عقب انهياره المالي، وربط أي دعم بتنفيذ إصلاحات، في تعطيل الاستفادة من المشروع.

​وقال الوزير صدي، إنه تم توقيع اتفاقية مع نظيره المصري في القاهرة، مطلع مايو/ أيار 2026، حول إعادة تأهيل خط أنابيب الغاز العربي في جزئه اللبناني الممتد من محطة دير عمار إلى الحدود السورية، بطول 30 كلم، وان الأعمال ستنطلق خلال أسابيع قليلة. وهي ستستغرق من ثلاثة إلى أربعة أشهر. ومتى أُنجز هذا الخط يمكن لبنان الانتقال في إنتاج الكهرباء إلى الغاز الطبيعي. والعمل قائم الىن من جهة مع الأردن ومصر لإعداد اتفاقية تجارية لشراء الغاز. وفي الوقت نفسه التحضيرات قائمة مع سوريا لتوقيع اتفاقية عبور هذا الغاز.

أ.ف.ب
مشهد جوي عند الغسق لسيارات تسير في محاذاة مبان غير مضاءة على أوتوستراد شارل حلو قرب مرفأ بيروت المدمر في العاصمة اللبنانية بيروت، وسط ظلام ناتج من انقطاع التيار الكهربائي، 11 أكتوبر 2021

وبموجب الاتفاقية، سيتولى قطاع النفط المصري، ممثلا في الشركة الفنية لخدمات تشغيل خطوط الغاز "تي جي إس" (TGS)، أعمال إصلاح شبكات الغاز في لبنان وإعادة تأهيلها.  وتشمل الأعمال تنفيذ التركيبات الميكانيكية، وتحديث أنظمة التحكم الآلي (PLC)، وأنظمة الإشراف والتحكم وجمع البيانات (SCADA)، بالإضافة إلى أعمال الحماية الكاثودية، وإجراء الاختبارات الفنية والتشغيلية اللازمة، تمهيدا لإعادة تشغيل الخطوط بكفاءة وموثوقية. وأكد رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن قطاع النفط المصري يضع خبراته الفنية في مجال شبكات الغاز الطبيعي في خدمة لبنان، بما يسهم في رفع كفاءة البنية التحتية وتحقيق استدامة إمدادات الطاقة.

أزمة هرمز تسرّع عودة الآمال القديمة… إنما هل تتحقق؟

تقول المحامية والخبيرة القانونية في شؤون الطاقة كريستينا أبو حيدر لـ"المجلة"، إن "العمل لتفعيل خط الغاز العربي، جاء بعد القلق والحذر الشديدين، نتيجة معضلة مضيق هرمز خلال الحرب الأميركية – الإيرانية. فتداعيات الأمر علّمت الجميع أن المشكلة ليست في القدرة على الإنتاج، إنما في عدم وصول الإنتاج، من جراء صعوبات وصول إمدادات الطاقة، وعراقيل الخطوط. فشكلت بمثابة صدمة دولية وإقليمية، حفزت جميع الدول على توفير بدائل وعدم الاتكال على مصدر واحد لنقل الطاقة. والآن بدأت الدول تتحدث بجدية في ما بينها حول الحلول. فحصل اهتمام مصري - أردني - سوري - لبناني في هذا الإطار".

​وتوضح أبو حيدر "أن لبنان يُشغّل الكهرباء على مصدر واحد للطاقة وهو الفيول أويل، أو "spot cargo"، الذي تستخدمه المعامل. وهو ثقيل، ومكلف، وله سيئاته الصحية والبيئية والمالية. أما الانتقال إلى الغاز كمصدر للطاقة الكهربائية، فلا يتعارض مع القواعد الصحية والبيئية، ويعتبر أقل تكلفة، مما يخفض الفاتورة. والأهم من ذلك هو أن تنويع لبنان مصادر الطاقة التي يستخدمها، يحقق أمن الطاقة"، وتضيف أن الأزمة الأخيرة أظهرت أن سلة الطاقة لأي بلد، يجب أن تكون متنوعة، لا تنتظر خطا واحدا أو مصدرا واحدا. 

العمل لتفعيل خط الغاز العربي، جاء بعد القلق والحذر الشديدين، نتيجة معضلة مضيق هرمز خلال الحرب الأميركية – الإيرانية

كريستينا أبو حيدر، محامية وخبيرة قانونية في شؤون الطاقة

بالإضافة إلى الخط العربي الذي يحتاج التأهيل ليستعيد نشاطه، هناك مشروع بناء محطة تغويز "SSRU"، الذي يسمح باستيراد الغاز المُسال. وترى الخبيرة أن لبنان كان قد وقّع مع مصر عام 2025 اتفاقا للحصول على الغاز المُسال، سواء عبر البواخر أو من خلال خط الغاز العربي.  وكان يُفترض أن تبدأ معامل الإنتاج، ولا سيما معمل الزهراني في الجنوب، العمل على الغاز، إلا أن غياب البنية التحتية اللازمة حال دون إيصال الإمدادات إليه. كذلك، فإن معملي الذوق والجية الجديدين صُمّما للعمل بالغاز، غير أن تشغيلهما يتطلب استكمال مشاريع البنى التحتية وإنشاء معامل حديثة تعمل على الغاز، بما يسمح بتأمين التغذية الكهربائية على مدار 24 ساعة. وتختم أبو حيدر أن المعامل القديمة باتت متهالكة، فيما يفترض أن تعتمد المعامل الجديدة على الغاز لرفع الكفاءة وخفض التكلفة.

مصدر الغاز وقدرة إمداده يضاهيان أهمية الخط

يؤكد الخبير في النفط الدكتور ربيع ياغي لـ"المجلة"، "أن خط الغاز العربي هو خط استراتيجي ومهم جدا. فقد عمل لنحو عشر سنوات، ووصل عبره الغاز المصري إلى لبنان، فيما كان الخط ينقل الغاز من مصر إلى حمص، على أن يزوّد لبنان الغاز السوري ضمن آلية تبادل اعتمدت حينها. واستمرت الإمدادات لنحو شهرين قبل أن تتوقف، مع اختلاف في نوعية الغاز ضمن هذا الترتيب. غير أن التحديات لا تزال قائمة، إذ يطرح وصول الغاز إلى محطة دير عمار تساؤلات حول كيفية نقله إلى محطة الزهراني، وما إذا كانت الكميات المتوافرة ستكون كافية لتشغيل معامل دير عمار الثلاثة.

أ.ف.ب
قاطرة تسحب سفينة الإنتاج والتخزين والتفريغ العائمة التابعة لشركة "إنرجيان" أثناء عبورها قناة السويس في مصر، 3 يونيو 2022

كيف لمصر، التي تستورد الغاز من إسرائيل نتيجة عجزها عن تحقيق الاكتفاء الذاتي، أن تتمكن من تصديره إلى لبنان؟

يعتبر ياغي أن الأهم من الخط نفسه هو ضمان مصدر الغاز والإمدادات الفعلية، متسائلا عما إذا كان الغاز المصري متوافرا بشكل كامل، وما إذا كان لبنان سيحصل فعلا على غاز مصري مباشر، أو على غاز سوري أو بدائل أخرى.

ويشير إلى أن محطتي دير عمار والزهراني متشابهتان وقد أنشأتهما الشركة نفسها، وهما قادرتان تقنيا على العمل بالغاز أو بالديزل. إلا أن المشكلة تكمن في غياب خط إمداد يربط بينهما، لافتا إلى أن معمل الزهراني لم يعمل يوما على الغاز رغم جاهزيته لذلك.

الأهم من الخط نفسه هو ضمان مصدر الغاز والإمدادات الفعلية

ربيع ياغي، خبير لبناني في قطاع النفط

ويلفت ياغي إلى أن لبنان بلد مستهلك ومستورد للنفط، إلا أن مصادر استيراده لم تكن تتركز في الخليج، بل هي من العراق، إلى جانب استيراد المحروقات من أسواق منطقة البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، نظرا إلى قربها الجغرافي وكلفتها الأقل.

ويشدد على أن لبنان مطالب بالبحث عن بدائل في مجال الطاقة، غير أنه يفتقر إلى البنى التحتية اللازمة لاستخدامها، مضيفا أنه لو كانت لدى الدولة محطات تغويز، لكان في إمكانها استيراد الغاز المُسال من دول الخليج أو تركيا أو مصر بسهولة أكبر.

ويتابع ياغي شارحا أن لمصر محطتين لا مثيل لهما في الشرق الأوسط لتسييل الغاز، تستخدمهما إسرائيل لتصدير الغاز الذي تنتجه بشكل سائل. إنما إذا  استورد لبنان الغاز السائل من مصر، فليس لديه  البنى التحتية لاستلام الطاقة التخزينية للغاز السائل، ولا محطات التغويز.

وبالتالي، وحسب ياغي، لا يستطيع لبنان حاليا استيراد الغاز المُسال، بل يقتصر الأمر على الغاز الطبيعي المنقول عبر الأنابيب. وتُعد مصر أقرب مصدر متاح لهذا الغاز، إلا أنها تعاني بدورها من نقص في الإمدادات، مما دفعها إلى رفع الأسعار وترشيد الاستهلاك المحلي. وفي شرق البحر المتوسط، تبقى إسرائيل الدولة الوحيدة المصدّرة للغاز، سواء بصيغته المُسال عبر مصر أو كغاز طبيعي للاستهلاك المحلي، بعدما نجحت في تطوير بنى تحتية متكاملة تخدم سوقها الداخلية وأغراض التصدير، مستفيدة أيضا من محطات التسييل المصرية لتصدير الغاز المُسال إلى أوروبا.

أ.ف.ب
مشهد لمحطة التبين لتوليد الكهرباء العاملة بالوقود المزدوج (الغاز الطبيعي وزيت الوقود)، إضافة إلى مجمع حلوان للحديد والصلب، في ضاحية حلوان جنوب العاصمة المصرية القاهرة، 6 فبراير 2023

ويتابع ياغي أن سوريا، بحكم موقعها الجغرافي كدولة عبور، تحصل على جزء من الغاز كرسوم مرور، فضلا عن إمكان استخدام كميات كبيرة منه لتغذية محطاتها الكهربائية. وبحسب التقديرات، قد تصل استفادتها الإجمالية إلى ما بين 4 و5 مليارات متر مكعب سنويا لتوليد الكهرباء. أما لبنان، فتُعد حصته الأقل، إذ تُقدَّر بنحو 650 مليون متر مكعب سنويا، أي ما يعادل حوالى 28 مليون قدم مكعب يوميا. في المقابل، يُتوقع أن يستفيد الأردن بما بين 3 و4 مليارات متر مكعب سنويا لتشغيل محطات إنتاج الكهرباء لديه.

لا بد من التذكير بأن وصلة سوريا سبق وتضررت كثيرا، وهي تحتاج هذا الخط، باعتبار أنها مقبلة على نهضة اقتصادية كبرى، تحتاج فيها إلى الكهرباء، وإلى عائدات عبور الغاز.

عقبتان بارزتان تهددان المشروع…ما هما؟

يؤكد  أستاذ الاقتصاد الدكتور محمد موسى في حديث لـ"المجلة"، أن "المشروع مهم جدا لكل من لبنان وسوريا. فالاثنان يعانيان من جملة أمور على مستوى الطاقة والكهرباء والإمدادات. وقد عانت سوريا بسبب "قانون قيصر"، كما عانى لبنان بسبب الوضع الاقتصادي والمالي"، ويشرح أن الخطورة في المشروع تكمن في كون تمويله غير ظاهر، وأن الكل يحتاج إلى توقيع البنك الدولي لكي يتم التمويل. ويضيف: "هنا تكمن العقبة الأساس، لكن هذا الأمر قيد الدرس".

ويلفت موسى إلى مشكلة إضافية تتعلق بأعمال التأهيل وربط الأنابيب، في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها البلدان، إذ لا يزال لبنان يعيش حربا قائمة، فيما لم تستقر الأوضاع في سوريا بشكل كامل وثابت بعد، مما يشكل نقطة ضعف أساسية للمشروع.

وفي المقابل، يرى موسى أن العنصر الإيجابي الأبرز  اليوم يتمثل في دخول هذا التعاون حيّز التنفيذ، لما يوفره من مكاسب لجميع الأطراف المعنية: فمصر تستفيد من التصدير، وسوريا من رسوم العبور وربما من استخدام جزء من الغاز لمعالجة أزمة الكهرباء لديها، فيما يعوّل لبنان على المشروع للإسهام في حل أزمة الكهرباء.

ويضيف أنه في وقت تحتاج المنطقة بأسرها إلى مشاريع بنى تحتية بهذا الحجم والمستوى، تبقى العقبتان الأساس متمثلتين في التمويل واستمرار الحروب.

font change

مقالات ذات صلة