الاغتيالات والعلاقات الدولية... سيصبح الجميع أهدافا

ظل اغتيال القادة، في معظم التاريخ، أقرب إلى أدوات السياسة الداخلية منه إلى أدوات السياسة الدولية

مارك سميث
مارك سميث

الاغتيالات والعلاقات الدولية... سيصبح الجميع أهدافا

خلّفت حرب إيران عام 2026 آثارا واسعة امتدت إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط، إذ اهتز الاقتصاد العالمي وتعرضت منظومات التحالفات الدولية لاختبار قاس. ووسط هذا الاضطراب الدولي، برز تطور لم يحظ بالكثير من الانتباه: تعديل دستوري في كوريا الشمالية. فقد ذكرت صحيفة "تليغراف" في مايو/أيار أن مجلس الشعب الأعلى في بيونغ يانغ صوّت في 22 مارس/آذار على تعديل يجيز للجيش تنفيذ رد نووي تلقائي إذا تعرض الرئيس كيم جونغ أون للاغتيال.

وجاء هذا التعديل صراحة ردا على اغتيال إسرائيل لـ"المرشد" الإيراني الأعلى علي خامنئي، وردعا للولايات المتحدة أو لأي خصم محتمل آخر قد يفكر في محاولة مماثلة ضد كيم. وتكشف حاجة القيادة الكورية الشمالية، التي عاشت عقودا في عزلة دولية، إلى اتخاذ إجراء دفاعي كهذا في هذه اللحظة، حجم التحول الذي أحدثته حرب إيران في حسابات الدول، وما رافقها من تبنٍّ إسرائيلي وأميركي ظاهر لسياسة القتل المستهدف. ففي زمن سابق، كان القادة يشعرون بقدر من الأمان، في ظل أعراف دولية حالت عموما دون استهداف الحكومات المتخاصمة قادة الدول المعادية بصورة علنية. غير أن الأزمنة تبدو وقد تغيرت. لكن هل يمثل ذلك حقا قطيعة مع الماضي؟ وكيف يمكن أن تنعكس هذه التحولات على العلاقات الدولية في المستقبل؟

قتلة التاريخ

تنحدر كلمة مغتال (assassin) في اللغات الأوروبية من العربية "الحشاشين"، وهي تسمية أطلقت على أتباع جماعة عسكرية إسماعيلية شيعية نشطت في سوريا وبلاد فارس بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر. وقد سعت هذه الجماعة عمدا إلى قتل قادة الدول المعادية، وقيل إن أفرادها كانوا يفعلون ذلك تحت تأثير الحشيش، ومن هنا جاءت التسمية.

غير أن استهداف الخصوم الخارجيين بالقتل ممارسة أقدم من ذلك بكثير. فقد موّل الرومان قتل زعماء قبائل متمردين، منهم الزعيم الهسباني فيرياثوس، الذي قتله مستشاروه بعد رشوة كبيرة من روما. وسار خلفاؤهم البيزنطيون على نهج مشابه، فاستخدموا الاغتيال ضد زعماء خصومهم البلغار في القرن الثامن.

لجأت دول أجنبية إلى الاغتيال، لكنها فضلت في الغالب العمليات السرية التي تتيح للحكومات هامشا من الإنكار

ومع ذلك، ظل اغتيال القادة، في معظم التاريخ، أقرب إلى أدوات السياسة الداخلية منه إلى أدوات السياسة الدولية. فقد قُتل يوليوس قيصر على أيدي رومان من أبناء جلدته، وفي الطرف الآخر من العالم سقط عدد من الأباطرة الصينيين، مثل الإمبراطور بينغ من أسرة هان، على أيدي خصوم داخليين كذلك.

وفي العصر الحديث أيضا، كان معظم قتلة قادة الدول من الداخل. فمن بين الرؤساء الأميركيين الأربعة الذين اغتيلوا وهم في المنصب، من لنكولن إلى كينيدي، قُتلوا جميعا على أيدي مواطنين أميركيين ناقمين، من دون صلات واضحة بجهات أجنبية. وينطبق الأمر نفسه على اغتيالات سياسية كبرى، مثل اغتيال رئيس الوزراء إسحق رابين في إسرائيل عام 1995، والرئيس أنور السادات عام 1981، إذ نفذها متطرفون محليون.

رويترز
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في موقع بناء غواصة تعمل بالطاقة النووية تزن 8700 طن، قادرة على إطلاق صواريخ بالستية، وذلك في صورة نشرتها وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية الرسمية في 25 ديسمبر 2025

وقد لجأت دول أجنبية إلى الاغتيال، لكنها فضلت في الغالب العمليات السرية التي تتيح للحكومات هامشا من الإنكار. وفي مطلع القرن العشرين، وقعت عمليات قتل بارزة ارتبطت بقوى خارجية، وفي مقدمتها اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، وريث العرش النمساوي المجري، وهو الاغتيال الذي أشعل الحرب العالمية الأولى. غير أن فيينا، وإن ألقت باللائمة على صربيا، كانت تواجه واقعة أكثر تعقيدا: فالمنفذ كان من رعايا الإمبراطورية النمساوية، بينما أنكرت بلغراد أنها أذنت بالقتل، رغم دعمها للجماعة الإرهابية التي كان ينتمي إليها.

في حين سعت الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة إلى إبقاء مسافة بينها وبين الاغتيالات الخارجية، غيرت الحرب على الإرهاب طبيعة الخطاب

وشهدت الحرب الباردة تصاعدا في هذا النوع من العمليات. فقد دفعت الخصومة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي الطرفين إلى توظيف طيف واسع من الاستراتيجيات لكسب الأفضلية وتعزيز أهدافهما العالمية، بما في ذلك، في بعض الأحيان، الاستعداد للتخطيط للإطاحة بزعماء أجانب وقتلهم. أطاح الاتحاد السوفياتي بإيمري ناغي في المجر وأعدمه، كما قُتل حفيظ الله أمين في أفغانستان عند الغزو السوفياتي عام 1979. وفي المقابل، وضعت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية خططا متعددة، لم ينجح أي منها، لقتل الزعيم الكوبي فيدل كاسترو. وحققت نجاحا أكبر عبر رعاية انقلابات أفضت إلى مقتل باتريس لومومبا في الكونغو، ونغو دينه ديم في جنوب فيتنام، وسلفادور أليندي في تشيلي. وجرى تصميم كثير من هذه العمليات على نحو ملتف ومحسوب، بحيث يبقى دور واشنطن سريا أو قابلا للإنكار.

إسرائيل والولايات المتحدة و"القتل المستهدف"

مع اقتراب الحرب الباردة من نهايتها، اتجه رؤساء أميركيون متعاقبون إلى رفض أي تأييد للاغتيالات. فقد وقع جيرالد فورد وجيمي كارتر ورونالد ريغان أوامر تنفيذية تحظر على الولايات المتحدة الانخراط في أعمال اغتيال. ولا يزال أمر ريغان ساريا رسميا حتى اليوم، غير أن حقبة الحرب على الإرهاب غيرت حسابات واشنطن. فإلى جانب حملاتها العسكرية في العراق وأفغانستان، شنت الولايات المتحدة سلسلة من الضربات بطائرات مسيرة في باكستان واليمن والصومال ومناطق أخرى، استهدفت عمدا قادة جهاديين بارزين بالقتل. كما قتلت الولايات المتحدة "أهدافا عالية القيمة"، من بينهم قادة في تنظيم "القاعدة" مثل أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي وأيمن الظواهري، وزعيم تنظيم "داعش" أبو بكر البغدادي.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست، القدس في 13 أكتوبر 2025

وفي عام 2020، ذهب دونالد ترمب أبعد من ذلك، فأمر بقتل قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" الإيراني. وكان ذلك لافتا لأن سليماني- خلافا لـ"الأهداف عالية القيمة" الأخرى التي كان أصحابها جميعا قادة تنظيمات إرهابية غير تابعة لدول- كان مسؤولا في دولة. وزعمت الولايات المتحدة أنها تصرفت دفاعا عن النفس في مواجهة تهديد وشيك كانت إيران تخطط له، غير أن كثيرين من خبراء القانون الدولي شككوا في هذا التبرير.

وفي حين سعت الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة إلى إبقاء مسافة بينها وبين الاغتيالات الخارجية، غيرت الحرب على الإرهاب طبيعة الخطاب. فقد خرجت العمليات من السرية إلى العلن، وصارت تسمى "قتلا مستهدفا" باسم الدفاع عن النفس، مع استعداد لإدراج مسؤولين في دول على قائمة الأهداف. وفي ذلك، عكست واشنطن ممارسات كان حليفها الإسرائيلي يتبعها منذ عقود. فمنذ خمسينات القرن الماضي، استهدفت إسرائيل عددا من الرعايا الأجانب بذريعة الدفاع عن النفس. وشمل ذلك مسؤولين في دول، مثل قادة عسكريين مصريين وأردنيين ارتبطت أسماؤهم بغارات شنها مسلحون فلسطينيون على إسرائيل. ولاحقا، أصبح الهدف الأساسي قادة منظمات غير تابعة لدول صنفتها إسرائيل إرهابية، مثل نائب زعيم "منظمة التحرير الفلسطينية" أبو جهاد عام 1988، أو زعيم "حماس" أحمد ياسين عام 2004.

قد تصبح هذه الاغتيالات إحدى سمات الحرب في النظام الدولي متعدد الأقطاب الذي يتشكل اليوم وسط تنافس متصاعد. وهنا يكمن الخطر على الولايات المتحدة، وبالطبع على إسرائيل

وتزايدت هذه السياسة كثيرا بعد اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، ثم اتسع نطاقها على نحو حاد منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. فمنذ ذلك الحين، نجحت إسرائيل في قتل معظم كبار قادة "حماس" تقريبا، فضلا عن زعيم "حزب الله" حسن نصرالله، وقائمة طويلة من الشخصيات البارزة في "حزب الله" والحوثيين وإيران. واللافت أن ذلك بلغ مستوى القيادة العليا، فشمل خامنئي عام 2026، ورئيس حكومة الحوثيين في اليمن أحمد غالب ناصر الرهوي قبل ذلك بعام.

عُرف جديد خطر؟

أبدت حكومات أخرى، ولا سيما روسيا وإيران، قدرا ضئيلا من التحفظ في اغتيال معارضين محليين على أراض أجنبية، وربما خططت لعمليات فاشلة ضد قادة أجانب. ومع ذلك، فإن ما يبدو تبنيا أميركيا وإسرائيليا لقتل مسؤولين أجانب بارزين علنا، بمن فيهم قادة في أعلى هرم السلطة، يمثل تحولا كبيرا قياسا إلى الأعراف الدولية الحديثة. وفي بيئة كهذه، لا يبدو غريبا أن ترد كوريا الشمالية بهذا القدر من الحدة، سعيا إلى حماية نفسها من أن تصبح الهدف التالي.

أ.ف.ب
المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، يلقي كلمة في طهران، إيران في 17 يناير 2026

أما مدى تأثير ذلك في العلاقات الدولية، فسيتوقف على سلوك بقية المجتمع الدولي. فقد جاءت الإدانات التي وجهها المجتمع الدولي الأوسع إلى إسرائيل أو الولايات المتحدة محدودة على نحو لافت، ولا سيما في صورة عقوبات بسبب استهداف خامنئي. لذلك، لن يكون مستغربا أن تحذو دول أخرى الحذو نفسه، فتستهدف في المستقبل قادة دول منافسة. وإذا حدث ذلك، فقد تصبح هذه الاغتيالات إحدى سمات الحرب في النظام الدولي متعدد الأقطاب الذي يتشكل اليوم وسط تنافس متصاعد. وهنا يكمن الخطر على الولايات المتحدة، وبالطبع على إسرائيل.

ففي منتصف سبعينات القرن الماضي، أورد تقرير السيناتور فرانك تشيرش عن العمليات غير القانونية التي نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية خلال الحرب الباردة موقف جون كينيدي الرافض لاغتيال قادة الدول المنافسة. قال الرئيس الأميركي آنذاك: "لا يمكننا أن ندخل في هذا النوع من الأمور، وإلا أصبحنا جميعا أهدافا". وما زال هذا التحذير صالحا اليوم. فبعد تطبيع اغتيال القادة الأجانب أداة من أدوات العلاقات الدولية، يغامر قادة أميركا وإسرائيل بأن يصبحوا هم أنفسهم أهدافا في المستقبل.

font change

مقالات ذات صلة