سقوط "الخط الأحمر"... ترمب من خامنئي إلى مادورو

بخلاف اعتقال زعماء أجانب، الذي تدور حوله شبهات جدية، ليس ثمة شبهات بخصوص منع اغتيال زعماء أو مسؤولين أجانب، وحتى الأفراد العاديين

مارك سميث
مارك سميث

سقوط "الخط الأحمر"... ترمب من خامنئي إلى مادورو

على مدى أقل من عامين في رئاسته الثانية، يستمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بجرأة لافتة وسرعة عالية، في تقويض الأعراف السياسية الراسخة، وتحدي القواعد المؤسساتية المعروفة، وإعادة تعريف علاقة أميركا بالعالم الخارجي ودوله على أساس فهم شخصي للرئيس لمعنى الاثنين، أميركا والعالم، وليس التراكم التاريخي والسياسي والقانوني والعُرفي لمؤسسات الدولة الأميركية.

قائمة "صدمات الرئيس" طويلة وسريعة، بدءا من المطالبة بضم كندا بوصفها الولاية الأميركية الحادية والخمسين وإلحاق غرينلاند الدنماركية بأميركا، وترحيل سكان غزة من موطنهم لتحويلها إلى "ريفييرا" لسائحين أجانب، وليس انتهاء بالتنكيل المستمر بأوروبا، الحليف التاريخي والقوي والمخلص لأميركا، على أساس أنها تعتاش على الولايات المتحدة وتستغلها.

لحسن الحظ، لم تتحول هذه "الصدمات" أو معظمها على الأقل، إلى واقع سياسي أو مؤسساتي. لكن ثمة أشياء أخرى أفلح الرئيس ترمب في تحويلها إلى وقائع، كما في هزِّه بعض تقاليد الدولة الأميركية في التعامل مع رؤساء الدول الأخرى ومسؤوليها المدنيين. فعلى مدى عقود طويلة، استقر السلوك الأميركي على مبدأ حصانة رؤساء الدول من الاعتقال والاستهداف حتى مع عدم وجود نص قانوني أميركي صريح بهذا الصدد. اتبعت أميركا في هذا السياق العرف القانوني الدولي الذي يحمي زعماء الدول ومسؤوليها من الاعتقال أو المحاسبة في المحاكم الوطنية أثناء مزاولتهم مناصبهم.

القوانين التي تحكم سلوك الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ السبعينات واضحة، وأخذت شكل أوامر رئاسية تنفيذية متتابعة تمنع مشاركة الولايات المتحدة في عمليات اغتيال

تَمثل الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة العامة في صدور أوامر اعتقال دولية من محاكم دولية متخصصة في قضايا محددة كـ"جرائم الحرب"، بينها الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية. تتضمن بعض الأمثلة على ذلك أمر اعتقال الرئيس الصربي السابق سلوبدان ميلوسوفيتش في عام 1999 الذي أصدرته المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، التي أُنشئت بقرار من مجلس الأمن الدولي وقتها لتعقب فظائع حرب البلقان. الأمر نفسه تقريبا انطبق على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية، في عام 2024، أمرا باعتقاله على خلفية اتهامه بارتكاب "جرائم حرب" في حرب غزة، وهو الأمر الذي وقفت أميركا بقوة ضده. استند أمر اعتقال هذا الأخير على تبرير قانوني مختلف يتعلق بـ"عهد روما"، وهي المعاهدة الدولية التي أُبرمت في عام 1998 ودخلت حيز التنفيذ في عام 2002. ينص هذا "العهد" (الاتفاقية) الذي وقعته أكثر من ستين دولة ليس بينها إسرائيل أو أميركا، على أن الحصانة التقليدية لرؤساء الدول وبقية المسؤولين الرسميين فيها لا تحميهم من التعقب القانوني أمامها في حال اتهامهم بارتكاب "جرائم حرب". على هذا الأساس، أصدرت المحكمة في عام 2009 أمرا باعتقال الرئيس السوداني السابق عمر البشير على خلفية الفظائع التي حصلت في إقليم دارفور، وأمرا آخر، في عام 2023، باعتقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على خلفية تورطه بالترحيل القسري للأطفال الأوكرانيين إلى داخل روسيا أثناء الحرب الأوكرانية-الروسية.

رويترز
الرئيس الفنزويلي المعتقل نيكولاس مادورو يُقتاد إلى محكمة فدرالية، بوسط مانهاتن، في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة، في 5 يناير 2026

في عهد ترمب الثاني، خرقت الإدارة الأميركية هذا العُرف باعتقالها الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، في عملية عسكرية عليها شبهات قانونية أميركية كثيرة، وتناقض العرف الدولي الراسخ بهذا الصدد. حاججت الإدارة أن الولايات المتحدة، منذ عام 2019، سحبت اعترافها بمادورو رئيسا لفنزويلا على خلفية اتهامات جدية وذات مصداقية دولية بتزويره الانتخابات الفنزويلية في عام 2018، وأن الادعاء العام الأميركي، في ظل رئاسة ترمب الأولى، قدم لائحة تهم فيدرالية تتعلق بإتجاره في المخدرات وإيصالها إلى أميركا أمام محكمة اتحادية في نيويورك. ثمة الكثير من الجدل القانوني بخصوص صحة حجج الإدارة بهذا الخصوص.

بخلاف اعتقال زعماء أجانب، الذي تدور حوله شبهات جدية، ليس ثمة شبهات بخصوص منع اغتيال زعماء أو مسؤولين أجانب، وحتى الأفراد العاديين. فالقوانين التي تحكم سلوك الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ السبعينات واضحة بهذا الصدد، وأخذت شكل أوامر رئاسية تنفيذية متتابعة تمنع مشاركة الولايات المتحدة في عمليات اغتيال.

تتجاوز إدارة ترمب الحالية تاريخا قانونيا ومؤسساتيا أميركياً مهماً عبر الاغتيالات التي نفذتها في حربها الدائرة ضد إيران

بهذا الصدد، تتجاوز إدارة ترمب الحالية تاريخا قانونيا ومؤسساتيا أميركياً مهماً عبر الاغتيالات التي نفذتها في حربها الدائرة ضد إيران. يبدأ هذا التاريخ المهم في فبراير/شباط عام 1976، عندما أصدر الرئيس الأميركي جيرالد فورد أمرا رئاسيا تنفيذيا، رقمه 11905، وحمل عنوان "النشاطات الاستخبارية الأجنبية للولايات المتحدة". كحال الكثير من السياسات والأوامر الرئاسية لإدارة فورد القصيرة الحياة، بحدود عامين وخمسة أشهر، حاول نائب رئيس الجمهورية الذي أصبح رئيسا بعد اضطرار ريتشارد نيكسون إلى الاستقالة إثر "فضيحة ووترغيت" وتهديد الكونغرس له بمحاكمته، أن يصلح الأعطاب المؤسساتية والسياسية وحتى الأخلاقية التي تسببت بها إدارة نيكسون داخليا وخارجيا، سواء في إطار حرب فيتنام أو تسخير المؤسسات ضد الخصوم السياسيين. في نص هذا الأمر الرئاسي، يرد المنع الهام لعمليات الاغتيال السياسي: "يُحظر على أي موظف في حكومة الولايات المتحدة الانخراط في اغتيال سياسي أو التآمر للقيام بذلك". كان هذا الأمر الرئاسي التنفيذي استجابة لنتائج لجنة تحقيق برلمانية شكلها مجلس الشيوخ في عام 1975، وقادها السيناتور عن الحزب الديمقراطي فرانك تشيرش (Frank Church) للتحقيق في سلوك عدة مؤسسات فيدرالية، معظمها ذات طابع أمني، كوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) ووكالة الأمن القومي (شكل مجلس النواب وقتها لجنة تحقيق نظيرة هي "لجنة بايك"- Pike Committee). عبر مجلداتها السبعة المنشورة المستندة إلى جلسات استماع كثيرة عقدتها، رصدت اللجنة مخالفات وفظائع كثيرة ارتكبتها هذه الأجهزة الأمنية على مدى إدارات مختلفة وصولا إلى إدارة نيكسون، من بينها السعي لاغتيال زعماء أجانب، مثل الرئيس الكوبي فيديل كاسترو، ورئيس جمهورية الدومينيكان رفائيل تروخيو، والزعيم الفيتنامي الجنوبي نغو دينه ديم، ورئيس وزراء زائير باتريس لومومبا.

استند السماح بالقتل اغتيالا إلى تفسير قانوني قدمته وزارة الدفاع الأميركية في عام 1989 بأن القتل المتعمد للقادة العسكريين المُعادين في إطار صراع مسلح ليس اغتيالا

في عام 1978، وَسَّع الرئيس جيمي كارتر نطاق هذا الأمر الرئاسي عبر أمر رئاسي تنفيذي آخر أكثر شمولا، المرقم 12036، حَظَرَ فيه جميع أنواع الاغتيالات، وليس السياسية فقط التي نص عليها الأمر التنفيذي للرئيس فورد. فضلا عن المنع العام لكل أنواع الاغتيالات، أكد الأمر على أن الحظر يشمل أيضا غير الأميركيين من المتعاونين مع الأجهزة الحكومية الأميركية. هذا التوسيع في حظر الاغتيالات بقي فاعلا في أمر رئاسي تنفيذي، 12333، وقعه الرئيس رونالد ريغان في عام 1981، استبدل بموجبه أمر الرئيس جيمي كارتر عبر تنظيم أوسع وأكثر منهجية لعمل الأجهزة الحكومية الأميركية، لجعلها أكثر فاعلية في تنسيق جهودها الاستخبارية، وذلك استجابة للظروف طويلة المدى للحرب الباردة المتقدة بشدة حينها بين المعسكرين الغربي والشرقي، وليس مجرد رد فعل على تحقيق أجراه الكونغرس. بمرور الزمن، أصبح أمر الرئيس ريغان أساسيا في تأطير عمل المؤسسات الاستخبارية الأميركية على مدى عقود، خصوصا في تجنب الانخراط في عمليات اغتيال.

روبترز
تجمع حدادا على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في غارات جوية إسرائيلية وأميركية، في طهران، إيران، في 1 مارس 2026

يبدو هذا الإرث المؤسساتي في تراجع جسيم في عهد إدارة ترمب الثانية، بعد قيامها باغتيال زعماء سياسيين إيرانيين في سياق الحرب الحالية، كما في اغتيال "المرشد" الإيراني علي خامنئي، وسكرتير مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، ومستشار "المرشد" كمال خرازي، وآخرين غيرهم. في الواقع، يمكن المحاججة بأن هذا التراجع بدأ في عهد رئاسة ترمب الأولى عندما أمر، في مطلع عام 2022، بتنفيذ ضربة عسكرية لاغتيال زعيم "فيلق القدس" الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، في بغداد. ورغم أن بعض الخبراء القانونيين الأميركيين أشاروا حينها إلى أن عملية الاغتيال هذه تخالف القانون الأميركي بحظر الاغتيالات، فإن مصدر اعتراض معظم الساسة "الديمقراطيين" حينها لم يرتبط بهذه المخالفة المحتملة، وإنما بإساءة استخدام قانون صلاحيات شن الحرب لعام 1973 من خلال قيام الإدارة بعمل استفزازي غير مبرر، باغتيال مسؤول رفيع المستوى في دولة أخرى، ما يمكن أن يقود إلى إشعال حرب معها. ردت الإدارة حينها، من دون تقديم أدلة، على أن عملية الاغتيال مبررة بوصفها دفاعا استباقيا عن النفس لتحاشي ضرر محدق، على أساس أن الخصم كان ينوي شن عمليات مسلحة ضد أميركيين، على منوال الاستهداف المستمر الذي تقوم به الولايات المتحدة الأميركية ضد الإرهابيين بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، فهذه العمليات ليست مشمولة بحظر الاغتيالات.

رويترز
مروحية من طراز CH-53E سوبر ستاليون تابعة لسلاح مشاة البحرية الأميركية، متوقفة على مدرج مطار ميرسيديتا الدولي، في بونس، بورتوريكو، 1 يناير 2026

استند هذا السماح بالقتل اغتيالا إلى تفسير قانوني قدمته وزارة الدفاع الأميركية في عام 1989 لتوضيح معنى الاغتيال الوارد في الأمر التنفيذي الرئاسي لريغان الصادر في عام 1981، إذ اعتبر هذا التفسير أن القتل المتعمد للقادة العسكريين المُعادين في إطار صراع مسلح ليس اغتيالا، وكذلك القتل الاستباقي لمنع عمل مسلح يستهدف الأميركيين على أساس أنه يقع ضمن "الدفاع المشروع عن النفس". ما ساعد إدارة ترمب في تبريرها قتل سليماني أن الرجل كان أصلا موضوعا على "قوائم الإرهاب الأميركية"، أولا بصفته الشخصية، وثانيا المؤسسة التي ينتمي إليها، أي "الحرس الثوري" الإيراني. مع ذلك، فشلت الإدارة في برهنة أن الرجل كان يمثل خطرا جسيما ووشيكا على حياة أميركيين.

الولايات المتحدة كانت تتفاوض مع إيران قبل يوم من اغتيال خامنئي، كما لم تُثبت الإدارة وجود خطر إيراني جدي ووشيك ضد الأمن الأميركي يستدعي القيام بعملية اغتيال استباقية

في سياق الحرب الحالية الدائرة مع إيران، ثمة حيز للإدارة، تحيط به الشكوك، لتبرير عملية اغتيال خامنئي بوصفه قائدا للقوات المسلحة الإيرانية، لكن من الصعب وضع هذه العملية في إطار الدفاع الاستباقي، فالولايات المتحدة كانت تتفاوض مع إيران قبل يوم من شن هذه العملية، كما لم تُثبت الإدارة وجود خطر إيراني جدي ووشيك ضد الأمن الأميركي يستدعي القيام بعملية اغتيال استباقية كهذه. كما تتلاشى أصلا حجة الدفاع الاستباقي والحاجة إلى الاغتيالات عند تعلق الأمر بلاريجاني وخرازي وغيرهما من الزعماء المدنيين الإيرانيين الذين قتلتهم الولايات المتحدة في هذه الحرب.

رويترز
لوحة إعلانية تحمل صورة الزعيم السابق لـ"حزب الله"، حسن نصر الله، على مبنى في طهران، إيران، 2 أكتوبر 2024

مع ذلك، تنقسم الاعتراضات الداخلية الأميركية على الحرب التي تشنها الإدارة ضد "الجمهورية الإسلامية" إلى قسمين. الأول، والأكبر حجما وتأثيرا، هو الاعتراض السياسي من ساسة "ديمقراطيين" وبعض "الجمهوريين" وغيرهم بخصوص سوء إدارة هذه الحرب من جانب إدارة ترمب، فلا تهيئة للرأي العام لها، ولا شرح مقنعا لأسبابها وأهدافها وكيفية تحقيق هذه الأهداف، فضلا عن ضعف التشاور مع الكونغرس، وما يبدو تجاوزا للرئيس ترمب على صلاحياته التي منحها له قانون الحرب. الثاني، وهو الأقل تأثيرا وطابعه نخبوي ومتخصص، فيدور حول قانونية أفعال الإدارة، بضمنها دخولها الواضح والمباشر في تنظيم وشن الاغتيالات.

في الواقع، في ظل أميركا المزدحمة بأفعال الرئيس ترمب الكثيرة، الجريئة والمفاجئة، التي تجري على جبهات متعددة في الوقت نفسه، تتضمن الإعلام والاقتصاد والقانون والسياسة، وحتى الأشخاص، يبدو تجاوز الأعراف الأميركية بخصوص الاعتقال والاغتيال خارج أميركا شأنا هامشيا إزاء رئيس أصبح استثنائيا في قدرته على خرق المعتاد والمألوف عالميا وأميركياً.

font change

مقالات ذات صلة